شلال دماء جديد على رمال سيناء .. ونظام السيسي يفشل في توفير الأمن لقواته

تعرّضت قوّات الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء لهجوم كبير أمس الجمعة, بسيّارات مفخخة استهدف تجمعين للجيش, وخلّف عشرات القتلى والجرحى بينهم عدد من الضباط, أحدهم برتبة عقيد؛ قائد «كتيبة صاعقة 103».

وأُعلن أن تنظيم «الدولة الإسلامية ـ ولاية سيناء» قد أعلن مسئوليته عن الحادث, وعلى الإثر قال بيان للجيش إنه قتل نحو 40 “تكفيريًا” شاركوا في الهجوم .

ونفى المتحدث العسكري باسم الجيش المصري، صحة التسجيل الصوتي المتداول لقائد الكتيبة 103 صاعقة، وكانت مواقع إخبارية وصفحات على مواقع التواصل، تداولت على نطاق واسع، تسجيلا منسوبا لـ«المنسي»، سجله أثناء الهجوم يقول فيه: “أي حد يعرف يوصل للعمليات يبلغهم يضربوا مدفعية”, ما يعني أن قائد الكتيبة عجز عن الاتصال بقادته عبر الطرق العسكرية ولجأ إلى شبكة الانترنت المكشوفة للعامة.

 

دلالات سياسية

وبقدر الأسى والحزن على تدفق دماء الشعب المصري دون حساب منذ الانقلاب العسكري, بقدر ما يكشف الحادث مظاهر فقدان سلطات الانقلاب العسكري السيطرة على مجمل الأوضاع الميدانية في ظل توالي هجمات «تنظيم الدولة» على كمائن الجيش، ولم يعد ظهور تنظيم «ولاية سيناء» مقتصرا على الهجمات، بل يصادرون البضائع، وينظمون عروضا عسكرية في الشوارع، ويوزعون المواد الغذائية على الأهالي في المناطق المحاصرة من قبل الجيش.

وقد تحوّلت الجهات المسؤولة، عن المعارك التي تجري في سيناء، وغيرها إلى مباراة في الأرقام المبقعة بالدماء والمفرغة من المعنى السياسيّ، فكما يتفاخر التنظيم الإرهابيّ بعدد ضحايا هجماته يتحدّث الجيش المصري عن قتل عدد أكبر من المهاجمين ممن يعتبرهم «تكفيريين» و«إرهابيين» دون بينة.
والمرعب والمشين أن أجهزة أمن الانقلاب العسكري، المكلفة، بحماية أرواح ومملكات المواطنين، وحدود وسيادة بلادها، لا تكترث بالثمن الفادح الذي يدفعه المدنيون، الذين يقعون في مرمى نيرانها أو تصطادهم قذائف طائراتها، كما حصل مع المهندسين الثلاثة الذين قصفتهم طائرة مصرية قرب الحدود الليبية بسبب «الاشتباه» بأنهم «إرهابيون» قبل أيام، وهذا «الاشتباه» طال أيضًا 10 سياح مكسيكيين قتلوا بالطريقة نفسها عام 2015 .  

وتشير صحيفة “القدس العربي” إلى أن القتل المتواتر بالخطأ اقتنض أمس الجمعة سيّدة أربعينية أصابتها رصاصة من قوات الأمن المصرية خلال تفريق فعالية احتجاجية في منطقة أبو سليمان (شرق الإسكندرية) أثناء تواجدها في شرفة منزلها فأردتها قتيلة.

هناك تعمية متعمدة على المعنى السياسي للتصاعد الكبير للعمليات الإرهابيّة والاكتفاء بتعداد أرقام القتلى من الإرهابيين وقوات الأمن لأن النظام يريد إبعاد مسؤوليته عن الاستعصاء السياسي الكبير الذي بدأ منذ بدء مواجهة المتظاهرين السلميين بالرصاص كما في أحداث الحرس الجمهوري والمنصة ومديرية أمن الجيزة ومذبحتي رابعة والنهضة بعد انقلاب 3 يوليو عام 2013على أول رئيس مدني منتخب بإرادة المصريين، والقمع الذي طال كل القوى السياسية.
هذا الخلل السياسي الكبير مرفوقاً بتدخل الجيش المباشر في كل مرافق وشؤون البلاد أدّى بحسب “القدس العربي” إلى اختلالات اقتصادية فادحة لجأت سلطات الانقلاب العسكري لحلّها بالاعتماد على بعض دول الخليج العربي كالسعودية والإمارات، واعتماد الأجندة التقليدية لصندوق النقد الدوليّ، وترافق ذلك مع تسليم النظام جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بما يعنيه من تخلٍّ عن السيادة المصرية، والانخراط في حلف إقليميّ يضمّ جمهورية عسكرية يدعي نظامها أنه يمثل ثورة شعبية، ودولا ملكيّة همّها الأول وأد أي أمل في أي ثورات .. ما يعزز مفهوم “شبه الدولة” الذي قاله عبد الفتاح السيسي؛ الجنرال المنقلب على أول رئيس مدني منتخب بإرادة شعب مصر.
 3 أسباب وراء الفراغ الأمني

يقول ناشط سيناوي إن قوات الجيش المصري باتت تخشى الأكمنة التي يقوم مسلحو التنظيم بنصبها، ولذلك فإنها تتجاهل الكثير من البلاغات الأمنية التي ترد إليها. وأضاف الناشط الذي طلب عدم ذكر اسمه في تصريحات صحفية، أن أجهزة الأمن ترفض التحرك بشكل فوري فور تلقي أية استغاثة من الاهالي، خشية نصب فخاخ لهم من قبل مسلحي التنظيم، أو زرع عبوات ناسفة على الطريق نحو موقع الحادث.

ويشير أحد شيوخ قبيلة السواركة، إحدى أكبر القبائل في سيناء، في حديث إلى موقع «مونتيور» الأمريكي إلى أن : «لا تتغير الخطط العسكريّة في سيناء إلّا في توسيع دوائر الاشتباه، وقمع أكثر للمدنيين، مما يفقد الجيش المصري ظهيره الشعبيّ والمعلوماتي في مناطق الشيخ زويد ورفح، فعندما يخسر المدنيّون نتيجة هذه الإجراءات التعسّفية، تزيد المعركة صعوبة ويستمّر الإرهاب لسنوات عدّة».

ويقول مركز «كارنيجي» للشرق الأوسط، إن الإجراءات التي يلجأ إليها الجيش المصري للقضاء على تنظيم «ولاية سيناء» تسببت في ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتأجيج مشاعر العداء للحكومة.

وأكد المركز في تقرير سابق أن عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في سيناء بلغت 1234 من أصل 1384 عملية في مختلف أنحاء مصر، بحسب مركز «النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب» (منظمة حقوقية مستقلة)، لتشكل بذلك 89% من مجموع الحالات الموثَّقة.

وأضاف «كارنيجي» بأن «مزيج القمع الشديد، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، والاعتماد المتزايد على استخدام سلاح الجو والأسلحة الثقيلة لم يؤد إلى امتعاض السكان من السلطات فحسب، بل تبيّن عدم فعالية هذه السياسات في مقاومة ما يعتبرونه “إرهاب” إلى درجة كبيرة».

 

خطط روتينية للجيش

ويقول باحث في شؤون سيناء والجماعات المسلحة، رفض الكشف عن هويّته في حديث إلى موقع “مونيتور”: “الاستغراب من نجاح هجمات الإرهاب في سيناء ليس في محلّه، لأنّ الجيش لم يغيّر خططه التي تعدّ دفاعيّة وتعتبر محاولات لصدّ الهجمات وإغلاق الثغرات، بدلاً عن كونها خططاً هجوميّة لاستهداف الإرهاب واقتلاعه من جذوره”.

وأضاف الباحث: “تعمل قوّات الجيش في سيناء في شكل روتيني أشبه بالواجب الوظيفيّ اليوميّ، من دون إجراء أيّ تغييرات لها دلالات استراتيجيّة ومستقبليّة في اجتثاث الإرهاب.

فعندما يهاجم الإرهاب معسكرات الجيش بالسيّارات المفخّخة، يقوم الجيش بإغلاق الطرق المحيطة بالمعسكرات، ويعتقد بذلك أنّه أوقف الهجمات، فيتّجه الإرهاب إلى تغيير استراتيجيّته ويهجم بالعبوات الناسفة، فيتّجه الجيش إلى تغيير طرق السير, والسير عشوائيّاً عبر طرق صحراويّة غير منتظمة. وعندما يهاجم الإرهابيّون الارتكازات ومعسكرات الجيش بزخّات الرصاص وقذائف “آر بي جي”، يتّجه الجيش إلى تعزيز معسكراته ومقرّاته من الخارج بالمزيد من أكوام الرمال”.

ويستطرد: “يخطّط الإرهابيّون دائماً حسب آخر المستجدّات، ويجهّزون للهجمات بحسب الثغرات الجديدة. ومن أكبر الأخطاء التي يقع فيها الجيش, وضع نقاط وارتكازات عسكريّة ثابتة على الطرق، ممّا يسهّل على الإرهابيّين خطط المباغتة وتنفيذ الهجمات لأهداف ثابتة، ليس لها ظهير حماية في أراضٍ صحراويّة”.

بعد كلّ هجمة نوعيّة، تحدث خسائر فادحة في صفوف قوّات الجيش والأمن في سيناء، ويتّجه المجلس العسكري، إلى إجراء حركة تغييرات لقادة الجيش ومسؤولي الحملات العسكريّة والحرب على الإرهاب، وإدخال أسلحة جديدة أكثر فتكاً إلى ساحة المعركة.

 

كيف تقع الهجمات على الثكنات العسكرية؟

وعن كيفيّة تنفيذ أي هجوم معقّد يخلف ضحايا كثيرين وضع شخص رفض الكشف عن هويّته سيناريو لإحده هذه الهجنات وقال لموقع “مونيتور”: “كانت الهجمات المعتادة لولاية سيناء على مدار الأشهر السابقة، تتمّ بالسيّارات المفّخخة والانتحاريّين، لكنّ قوّات الجيش أغلقت كافة الطرق المؤدّية إلى مقرّاتها بأكوام الرمال، وأعتقدت أنّها بذلك قد أوقفت الهجمات الكبيرة، مع توقّعات وتطمينات باستحالة حدوث اشتباكات ومباغتة من نقطة قريبة”. 

ويستكمل: “لكن في حروب الإرهاب التي تعتمد على الخديعة، من أكبر الأخطاء التي تقع فيها القوّات النظاميّة وضع التوقّعات والتطمينات، فطالما هناك إرهاب، يجب أن تكون القوّات متأهّبة وحذرة على مدار الوقت، فالإرهاب يعتمد على الثغرات والمفاجأة وتغيير الخطط باستمرار، مع أسلوب الكرّ والفرّ على فترات مختلفة”.

ويشرح كيفيّة تنفيذ الهجوم، قائلاً: “كان هجوماً متعدّداً، بدأ كالعادة بخطّة خديعة معتمدة على إطلاق نار على خمس ارتكازات في مدن مختلفة في التوقيت ذاته، وهي العريش والشيخ زويد ورفح، بهدف التغطية على العمليّة الرئيسيّة وإرباك قيادة الجيش، في حين كان الهجوم الرئيسيّ على ارتكاز العبيدات. في البداية، تسلّل مسلّحون بأسلحة كلاشنكوف خفيفة وقنابل يدويّة خلف الكثبان الرمليّة التي وضعها الجيش، حيث تمّ استغلال التأمين كثغرة من دون رؤيتهم، ومن ثمّ أطلق آخرون قذائف “آر بي جي” من اتّجاه آخر للارتكاز لإرباك الجيش مع إطلاق رصاص كثيف من محور آخر، وكلّ ذلك بهدف التغطية على العناصر التي تسلّلت وتعاملت بالقنابل اليدويّة والأسلحة الرشّاشة. وبدأت المعركة التي انتهت بسهولة لصالح ولاية سيناء، بقتل قوّات الارتكاز واغتنامها مجنزرتين وأسر جندي”.

وهو يرى أسباباً عدّة في تسهيل المهمّة، أوّلها اختيار التوقيت في الخامسة فجراً، وهي من المواعيد التي يتراخى فيها الجنود، ويتّضح من الصور التي نشرها ولاية سيناء، أنّ القوّات كانت في حالة تراخٍ في شكل لا يوحي بوجودها في حالة حرب.

والعامل الثاني هو استغلال التحصينات العسكريّة في شكل عكسيّ، حيث تمّ استغلال الأكوام الرمليّة التي وضعها الجيش لحمايته من اختراق السيّارات المفخخة، كحاجب رؤية تسلّلوا من خلفه إلى داخل الارتكاز والاشتباك في الداخل بكلّ سهولة.

وقد تكرّر الأمر بعد عشرة أيّام، عند مهاجمة سيّارة مفخّخة قسم ثاني العريش، وكان عنصر الوقت هو الأهمّ، إذ تم الهجوم وقت تناول الشرطة وجبة الغداء، مع خداع قوّات التأمين بإطلاق زخّات من الرصاص من اتّجاه معاكس لسير السيّارة المخفّفة في شكل سريع واختراقها أكوام الرمال.

المفاجأة التي فجّرها المتحدث لموقع “مونيتور” أنّ “قوّات التأمين أطلقت النار على السيّارة المفخّخة قبل وصولها بوّابة القسم لكنّها لم تتأثّر، لقيام تنظيم ولاية سيناء بتدريع السيّارة بقطع من الحديد المصفّح الخاصّ بالمجنزرتين اللتين تمّ اغتنامهما من قبل!

وقد تبنى تنظيم «الدولة الإسلامية» المعروف باسم «ولاية سيناء»، هجوم أمس, وقالت وكالة أنباء «أعماق» التابعة للتنظيم، إنه «بينما كان الجيش يستعد لشن عملية عسكرية ضد مواقع الجهاديين، فجر أحد الاخوة نفسه مع مركبته المفخخة بين تجمعاتهم», و«بعد الانفجار قام العديد من الجهاديين بمهاجمة نقطة التفتيش لقتل كل من كان لا يزال حيا».

وذكرت الوكالة أن الهجوم أدى إلى مقتل أو إصابة أكثر من 60 جنديا، من بينهم عقيد، بينما قتل 5 مقاتلين من التنظيم.

بينما قال مصدر أمني فى شمال سيناء في وقت سابق، إن حصيلة قتلى الهجوم على نقطة تفتيش البرث برفح، ارتفعت إلى 26 قتيلا، بينهم 5 ضباط، و21 مصابا بينهم ضابطان.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …