صورة الأتراك العثمانيين في الكتب المدرسية الإيرانية (1)

كيف تتناول الكتب المدرسية الإيرانية صورة العثمانيين؟ لابد من الوقوف عن كثب على تلك التناولات لمعرفة ما يقوله الإيرانيون عن الخلافة العثمانية، وكيف يرسمون ملامح هذه الصورة، و كيف يؤثر ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر في عملية التنشئة لدى الطالب الإيراني, خصوصا أن الطلاب الإيرانيين يكتسبون القيم والتصورات والمعتقدات الفكرية والثقافية والسياسيّة من خلال ما يتعرضون له من تنشئة، وما يتلقونه من أفكار وقيم عبر المناهج المدرسيّة ، التي من شأنها أن تؤثر في سلوكهم ووعيهم وفعلهم السياسي خصوصا تجاه الدولة التركية حالياً. 

 نشير أولا إلى أن النصوص المتعلقة بالخلافة العثمانية جاءت مركزة وضمن مباحث محددة، وهذا التركيز الموضوعي له أهمية  مهمة ومحورية، حيث تعطي وحدة  النصوص عضوياً وموضوعياً ترابطاً يقربه من واقع نظرة الإيرانيين لصورة الخلافة العثمانية ووريثتها الدولة التركية. لقد تم تناول هذه المجموعة أولاً من الناحية الموضوعية؛ أي من حيث تصنيف المواضيع التي تتناولها هذه النصوص تبعا لأهميتها، وتبعا للمساحة التي تشغلها، وكيفية توزيعها بين مختلف الكتب المدرسية الإيرانية، ومن ثمًّ القيام  بتحليل النص، والسياق الذي وردت فيه هذه النصوص من حيث كيفية معالجتها، والنقاط والمحاور التي كانت محل اهتمام هذه الكتب، والجوانب التي تم إهمالها وإغفالها، بل وتشويهها بشكل كبير، ودوافع ذلك.

 

هذه الدراسة تستمد أهميتها من الموضوع الذي تتناوله، والذي لم يتم تناوله سابقاً، وهو الكشف عن درجة توافر الملامح الصريحة والضمنيّة لصورة الخلافة العثمانية المضمنة في الكتب المدرسية في المراحل الثلاث الابتدائية، والإعدادية، والثانوية في إيران، لذا وجدنا ضرورة ابراز نماذج من الكتب المدرسيّة الإيرانية وتحليلها، بهدف إدراك الاتجاه الذي يتم غرسه في عقول الناشئة ووجدانهم تجاه خلافة سنية تعتبرها الكتب المدرسية أكبر كيان متآمر على الدولة الإيرانية.

وتعتمد الدراسة بشكل أساس على مجموعة من المصادر الأصيلة، تمثلت في الكتب الدراسية المعتمدة في المدارس الإيرانية للمراحل الابتدائية، والإعدادية، والثانوية, في مختلف المواد، لضمان شمولية البحث، ولأن هذه الكتب لها أهمية في تكوين صور وتثبيت الأحكام في أذهان تلاميذ لا يزالون في مرحلة مبكرة من عمرهم.

 

وتتميز  النصوص محل الدراسة  بعدة خصائص: الأولى أنها تتعلق بنصوص تربوية، بمعنى أنها لا تكتفي بتقديم المعلومة، ولكنها تسعى إلى التثقيف، وبناء القيم، وتكوين المواقف والانطباعات والأحكام.

الخاصية الأخرى متعلقة بموضوع الدراسة؛ أي الإمبراطورية العثمانية, فالخلاف يدور حول هذا الموضوع بشكل كبير في إيران، بسبب طبيعة العلاقة التاريخية التي نشأت بين الثقافتين التركية والفارسية, وحتى المذهبين السني والشيعي. ولذلك فقد افترضنا  بصفة مبدئية أن الخطاب المدرسي حول هذه الإمبراطورية، لن  يخلو من الانفعال، أو الانحياز، أوحتى التشويه.

 

إن المواد التي يتم تحليلها من المفردات المتعلقة بموضوع دراستنا هي المصطلحات ذات المدلول التي تتردد في معظم الكتب المدرسية في المواضيع المشار إليها، مثل العثمانيين, السلطنة العثمانية, الإمبراطوريات الإسلامية, الأتراك, السلاجقة الأتراك, السلاطين الأتراك, العثمانيين السنة, مقرونة بالأسماء التي تصفها, وقد خضعت لتحليل مفرداتي، أمكن بواسطته استخلاص الحقل السياقي لكل منها، مع تصنيفها في فئات دلالية تقوم على ما لها من صفات وأفعال، وما بينها من مشتركات ومتضادات، مما سمح لنا بتحديد وضعها بالنسبة لمفردات أخرى، وتحديد حقل فعلها, لنستخلص في الختام حجم الصورة المقولبة التي تنسب للعثمانيين أو الأتراك

 

ولعل الدارس يلاحظ الملاءمة والتوافق القوي بين أهداف التربية والتعليم الإيرانية من جهة وأهداف الثورة الإيرانية وحاجاتها من جهة أخرى، فلقد كانت التربية والتعليم الإيرانية بخلفيتها القومية والمذهبية، وبفلسفتها المستمدة من تعاليم  البعد القومي والمذهبي، الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الثورة الإيرانية وبقائها.

أهداف التربية والتعليم الإيرانية من التشويه المنظم لصورة الخلافة العثمانية

أولاً: تعتبر الكتب المدرسية الإيرانية أن تشكيل الدولة الشيعية الصفوية من أهم المحطات التاريخية للدولة الإيرانية، وتنظر إلى الدولة العثمانية على اعتبار أنها دولة فاسدة طاغية متآمرة، من خلال اعتبار الحرب بين السلطان العثماني سليم التي شنها على إيران في معركة غالدريان, كان هدفها منها الإطاحة ليس فقط بالدولة  الصفوية،  بل بالمذهب الشيعي، وإبادة الشيعة، وتصف الإيرانيين الإيرانيين عموماً وليس المحاربين فقط، بأنهم قاتلوا ببسالة قل نظيرها، وقدموا التضحيات في هذه المعركة، لتحقيق النصر والدفاع عن دولتهم ودينهم، لكن استخدام المدافع والبنادق التي افتقدها الجيش الإيراني الذي حارب بالسيوف، أسهم بانتصار العثمانيين.
ثانيا: أهمية بناء إيران الدولة القوية المسلحة، خشية من تكرار التهديد التركي مجدداً

ثالثاً: الحفاظ على الذاكرة الجمعية القائمة على الكراهية للخلافة العثمانية، والتحريض ضدها، من خلال التوسل بمعلومات وحقائق مشوهة، وتعميقها لدى الطلاب، والتذكير دوماً بالدور السلبي للخلافة العثمانية، التي لا تعترف بها أصلاً ، بل تعتبرها إمبراطورية ” تركية فاشلة ” هددت إيران ووجودها عبر التاريخ. 


رابعاً: التذكير بمركزية إيران وشعبها عبر الدول التي تشكلت في مواجهة المشروع العثماني التوسعي ووقوفه، بل والمساهمة في تدميره.

خامسا: تعزيز وتعميق الوعي التاريخي والقومي والمذهبي، ودوره في تعزيز مفهوم المقاومة والصمود، واعتبار المشروع العثماني من أبرز التحديات التي تواجه إيران ومشروعها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً .

 

سادساً: تحاول الكتب المدرسية الإيرانية خلق نمط معين من الإدراك والتفكير قائم على الخشية من بعث الإمبراطورية العثمانية مجدداً، حيث أطرت تشابيه الدولة العثمانية من خلال رسم ملامح الصورة التي نستنج منها الصفات التالية:

الإمبراطورية الفاسدة – إمبراطورية المجون – إمبراطورية الفساد – رجل أوروبا المريض- دولة الطغيان – الدولة المضطهدة للأقليات – الدولة المتخلفة علمياً وحضارياً – أخر الإمبراطوريات الإسلامية

ومما تقدم نلاحظ أن الإمبراطورية العثمانية وجزء كبير من شعوبها   في نظر هؤلاء الطلبة كارهون لإيران متآمرون على التشيع ويريدون محاصرته والقضاء عليه، مما  ينمي في نفوسهم مشاعر القلق والتوتر والخوف والتشكيك من العلاقة مع الدولة التركية الحالية.

سابعاً: محاولة ترسيخ جذور الشك من دور الإمبراطورية العثمانية  التوسعي على حساب المشروع الإيراني الذي يسعى لمجال حيوي، يعتبر الأتراك أحد أهم القوى المهددة له، وذلك لخلق أجيال إيرانية  تؤمن بأهمية مواجهة هذا المشروع، وأن هناك إمبراطورية عثمانية توسعية كانت في الماضي القريب تسعى لتدمير الوطن الإيراني ومنعت إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية «أرض إيران الكبرى»، وأن الروابـط  التاريخية والمذهبية بين الإيرانيين والعثمانيين روابط  عداء وحقد أزلية وأبدية.

ثامناً: التحذير من النفوذ التركي المتصاعد اليوم، فيما يعرف بمحاولات البعث العثماني في آسيا الوسطى والقوقاز، والمنطقة المتوسطة، والخشية من مواجهة المشروع الإيراني القائم على فكرة هدم الحدود السياسية، وبناء حدود أيدولوجية جديدة، على اعتبار أن إيران هي فقط دولة “أم قرى” العالم الإسلامي ومركزه الروحي والحضاري، وليس تركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية.

أهداف غير معلنة

أما الأهداف غير المعلنة بخصوص النظرة للإمبراطورية العثمانية وتركيا، والتي تفهم ضمناً من خلال تحليل محتوى الكتب المدرسية الإيرانية فهي:

1- لا حق لتركيا بإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية، واعتبار ذلك خطراً إقليميا ودولياً، يستدعي إعادة حشد الطاقات والجهود ووضع الاستراتيجيات والسياسات، ورسم توازنات التحالف الإقليمي والدولي لمنع تحقيق ذلك، من خلال التكرار والتأكيد بالحديث فقط عن الحق القومي والمذهبي في إقامة دولة العدل ” إمبراطورية المهدي الشيعي الإيراني”  فقط، وما عدا ذلك من مشاريع فهي باطلة وغير شرعية.


2- تحقيق الوحدة والتعبئة الداخلية في إيران إزاء ما يعرف بخطر إعادة البعث العثماني من جديد، ومحاولة تشويه صورة الدولة العثمانية وفسادها السياسي والديني والأخلاقي وتعصبها القومي المفرط، لضمان استمرار هذه الصورة المشوهة في ذهن ووجدان الطالب الإيراني.

3- إبقاء حالة الاستعداد والتأهب لدى الأجيال الإيرانية لمواجهة المشروع العثماني الصاعد ومقاومته، وتعزيز قيم كراهيته؛ بحجة  أنه مشروع يسعى لمحاصرة الشيعة ووأد مشروعهم.

4- تأكيد الشعور بالقلق والتوتر لتحقيق استمرارية الإحساس بالمؤامرة والاستهداف عند الأجيال الإيرانية المتعاقبة من جانب تركيا وسياساتها، استناداً إلى تجربة الماضي، لضمان حتى عدم ولاء الأقليات التركية الأصل لأي دولة أو نظام آخر غير إيران.

5- إظهار التفوق الفارسي الحضاري على الأتراك عبر العصور لتكوين الإحساس بالتمايز والتفوق، والشعور بالاستعلاء على الأتراك الذين يتم وسمهم بأقبح الصفات والتخلف والدونية لدرجة أن التركي يقابله وصف “الحمار” في المثل الشعبي الدارج، مع التركيز على دور العثمانيين في منع تقدم إيران.

6- تشويه وتقزيم صورة الإمبراطورية العثمانية في نظر الطالب الإيراني مقابل التأكيد على شجاعة الإيراني.

7- تربية وتنشئة أجيال إيرانية متعصبة لقوميتها وشيعيتها مقابل طورانية الأتراك ومذهبهم السني:

أ- إيران ومشروعها للدفاع عن الإسلام الشيعي في مقابل المشروع العثماني السني القائم على الضم والتوسع القسري، مع التركيز على الفساد والانحطاط عند العثمانيين.

ب- تكريس أسطورة الدفاع الإيراني الذي يعتنق الإسلام الحقيقي

 ولديه رسالة سامية قائمة على الوسطية والاعتدال ونشر قيم الفضيلة والأخلاق، ودعم المستضعفين ومقاومة المستكبرين ودعم القضية الفلسطينية، خاصة بعد انتصار الثورة، في مقابل دولة تركية وريثة لسلطنة عثمانية فاسدة وتوسعية وعنصرية، ولها علاقات مع إسرائيل وأمريكا، وتحالفات مشبوهة .

ج- التذكير دوما بسعي العثمانيين لإبادة الشيعة لتعزيز صورة الهولوكوست ضد الشيعة ودور الإمبراطورية العثمانية لتحقيق هذا الهدف.

د- الارتباط التاريخي العضوي بين الإمبراطورية العثمانية، ورسالتها للتوسع والهيمنة, بالتوسل بالبعد المذهبي “السني” في حملتها العسكرية ضد الدولة الصفوية، وارتكاب حملات إبادة للشيعة في كربلاء, وذلك قصد التذكير بعقدة الهولوكوست الشيعي من جانب العثمانيين.

ه- تزوير وتغيير حقائق التاريخ حول الإمبراطورية العثمانية بما ينسجم مع التطلعات الخاصة بالثورة الإيرانية، ولا تخفي مؤسسات صنع القرار عدم ارتياحها من عملية التقارب العربي التركي؛ المحور السني، والتشكيك بأهدافها التي تتركز على مواجهة إيران والتشيع.

 

و كل ذلك جعل الثورة الإيرانية في موقع الاحتمال الحتمي للحرب والمواجهة مع هذا المشروع، وحولها من دولة مؤسسات إلى ثكنة عسكرية، واستغلت ذلك لتغرس في نفوس أبنائها أن ليس هناك مفر من القتال والحرب المقدسة بكل القوى وكافة السبل تحقيقا للوعد الإلهي لمواجهة السنة على مختلف أصولهم وعرقياتهم، واعتبار الدولة التركية أحد المحطات المهمة التي ينبغي استنزاف قدراتها ومواجهتها؛ لأنها حرب مقدسة بين الحق والباطل، وبين المهدي وجنوده والكفار بهالة من القداسة جعلتها عند مراجع التقليد العظام في مرتبة اليقين الذي لايجوز التشكيك به.

من هنا تسعى الثورة الإيرانية من خلال الكتب المدرسية إلى خلق جيل إيراني شيعي متعصّب، مشارك للأوساط الثورية الأخرى في تنفيذ المشروع الإيراني وترجمة الأفكار الغيبية إلى واقع، من خلال بوابة المواجهة مع تركيا.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …