ضحايا المركب المصري .. حين ينحصر الاختيار بين الموت أو السجن

ترى ماذا يختار الإنسان إذا لم يكن أمامه سوى خيارين: أن يموت غرقًا في البحر المتوسط .. أو ينجو فيكون مصيره السجن؟

هل كان الناجون من غرق المركب المصري يوم الأربعاء الماضي يصارعون الأمواج بقوة ويسعون للنجاة, لو علموا أن مصيرهم السجن, أم كانوا يستسلمون للموت ليلحقوا بمئات غيرهم كانوا قبل لحظات يشاركونهم نفس الأماني في عيشة أفضل في إحدى دول أوروبا.

وفقد تعرض مركب يحمل المئات من المهاجرين غير الشرعيين من مصر وسوريا والسودان والصومال وإريتريا، للغرق يوم الأربعاء الماضي أمام مدينة رشيد الساحلية, وأعلنت وزارة الصحة المصرية انتشال 165 جثة حتى مساء الجمعة.

وقد سادت حالة من الغضب بين أهالي المفقودين وتظاهر المئات من الأهالي الغاضبين احتجاجا على تقاعس السلطات عن انتشال جثث ذويهم من مياه البحر، وقطعوا الطريق الدولي الساحلي، وأكدوا أن جهود الإنقاذ تتم بمعرفة الصيادين، دون أي مساعدة من السلطات.

 وطالب المتظاهرون القوات المسلحة وخفر السواحل باستغلال إمكانياتها في انتشال الضحايا، بدلا من ترك الصيادين والمواطنين يحاولون بإمكانياتهم المتواضعة البحث عن ذويهم في عرض البحر لليوم الثالث على التوالي.

 وقال شهود عيان من الناجين أن مئات الجثث كانت في مخزن داخل المركب الغارق بقاع البحر، ولابد من انتشال المركب وتعويمه حتى يتم استخراج جثامين الضحايا.

وأكد ناجون أن نحو 90% من ركاب المركب المنكوب، كانوا من الأطفال المصريين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما.

وبحسب روايات شهود العيان من الناجين، فإن المهاجرين على متن المركب الغارق لم يشاهدوا قوات خفر السواحل إلا بعد مرور أكثر من سبع ساعات على غرق المركب، وأن الصيادين هم من أنقذوا عشرات الناجين وأوصلوهم إلى الشاطئ.

وأثارت صور الناجين من الغرق وهم مقيدون “بالكلابشات” داخل المستشفيات وفي أقسام الشرطة غضب المصريين، بعد أن ألقت السلطات القبض عليهم وعاملتهم باعتبارهم مجرمين, بدل أن تقدم لهم الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية وإشعارهم بالأمن في وطنهم.

 وبعد أن تعالت الأصوات الغاضبة جراء المعاملة السيئة للضحايا، حاول محمد سلطان محافظ البحيرة التملص من المسئولية عن تقييد الضحايا في الأسرة بالكلابشات، مؤكدا أن قرار حبسهم رغم إصابتهم يخص النيابة العامة التي تجري تحقيقات معهم.

وبعد ثلاثة أيام من وقوع الكارثة، نطق مجلس الوزراء وقال إن الحكومة تتابع عمليات البحث وانتشال جثث الضحايا، وأن رئيس الوزراء أجرى اتصالات بوزيري الصحة والتضامن الاجتماعي، ومحافظي البحيرة والاسكندرية وحثهم على تكثيف الجهود في هذا الصدد.

وكشفت هذه الكارثة, لأول مرة محاولة أسر مصرية بالكامل بما فيها النساء والأطفال الهجرة من البلاد بطريقة غير شرعية عبر البحر، بعد أن كانت هذه الظاهرة مقتصرة على الأفارقة والسوريين.

الظاهرة الجديدة الأخرى هي تقديم المهربين تسهيلات كبيرة للمهاجرين، حيث تم الاتفاق على تأجيل دفع تكاليف الرحلة لحين التأكد من الوصول إلى أوربا عن طريق أقاربهم في مصر، بخلاف ما كان يحدث في السابق، من الدفع مقدما.

 كما تم تقديم تخفيضات للعائلات بحيث يدفع الفرد 30 ألف جنيه مصري، أما الأسرة المهاجرة فتدفع 55 ألف جنيه فقط!

الحادثة المفجعة تدلنا على انعدام الامل لدى الشباب ورغبتهم الملحة أن يغادروها ولو إلى المجهول.

فمن يحاسب سلطة الانقلاب على جريمة غرق المئات هربا من الأوضاع الاقتصادية المنهارة, ودفع آلاف الأطفال للمغامرة بحياتهم من أجل الهروب من مصير محتوم في مصر؟

ومن يحاسب العسكر عن ترك السواحل دون مراقبة؟ وعن الإهمال والتراخي في انقاذ الغرقى وترك هذه المهمة للأهالي؟

ومن يكشف حقيقة المافيا التي يقال إن وراءها متنفذون في الجيش الشرطة وأنها المسؤولة عن تسهيل عمليات الهجرة غير الشرعية لتحقيق مكاسب مادية كبيرة؟

ومن يحقق مع قادة سلطة الانقلاب بدلا من التحقيق من الناجين من الكارثة بعد أن اضطرهم الانهيار الاقتصادي الى الهروب إلى الهاوية؟

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …