طرق تجاوز الخلاف التركي الأمريكي

أصدر القضاء التركي، أمرا بالقبض على جراهام فولر، الموظف السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( سي آي إيه)، في إطار التحقيق حول مؤامرات منظمة فتح الله جولن الإرهابية والمحاولة الانقلابية الفاشلة التي قامت بها في 15 يوليو 2016.

جاء ذلك بناءً على طلب نيابة اسطنبول، بتهم انتهاك الدستور ومحاولة الإطاحة بحكومة الجمهورية التركية أو عرقلة عملها والحصول على معلومات سرية تخص الدولة بغرض التجسس السياسي أو العسكري.

وبهذا ينضم فولر إلى العديد من الأسماء التي طالها التحقيق نفسه، مثل رجل الأعمال المحبوس رهن المحاكمة عثمان كافالا، وهانري جاك باركي، الذي يعتقد أنه أحد مخططي الانقلاب، حيث شارك في اجتماع باحدى الجزر القريبة من اسطنبول في يوليو 2016، ومتين طوبوز الموظف في القنصلية الأمريكية باسطنبول، والنائب السابق عن حزب الشعب الجمهوري؛ أيكان أردمير. 

الخلاف التركي الأمريكي، لم يعد صعبا معرفة أسبابه. الكاتب الصحفي التركي؛ محمد زاهد جول يضع إصبعه على مواطن الخلاف، وبحسب رأيه فإن الحكومة التركية ترفض التجاهل الأمريكي لشروط الأمن القومي التركي، سواء داخل تركيا أو على حدودها الدولية مع جيرانها، أو في القضايا الدولية الشائكة.

فالدعم الأمريكي للأحزاب الكردية الانفصالية الإرهابية، أمر ترفضه السياسة التركية، ويعتبره الشعب التركي نقطة تحدٍ كبرى أمام العلاقات التركية الأمريكية، وبالأخص بعد أن تمكنت حكومة حزب العدالة والتنمية المنتخبة عام 2002 من إيجاد رؤية تصالحية مع الأكراد داخل تركيا منذ عام 2005، يوم أعلن رئيس الوزراء التركي؛ اردوغان, آنذاك أنه سوف يحل المسألة الكردية بالطرق السلمية والتفاوضية والانفتاح الديمقراطي على كل القوميات التركية وليس الكردية فقط.
وقد وجد أردوغان تجاوباً إيجابياً من رئيس حزب العمال الكردستاني؛ عبدالله أوجلان, المسجون في تركيا منذ عام 1999، وبعد مفاوضات ناجحة تم التوصل إلى اتفاق عام 2013 مع شخصيات من حزب الشعوب الديمقراطي؛ ممثل حزب العمال الكردستاني غير الرسمي، ولكن ذلك لم يجد راحة ولا قبولًا لدى الدول التي تعارض السياسات التركية داخل تركيا وخارجها أيضا، وبالأخص في الملفات السورية والعراقية والمنطقة في ذلك الوقت.

 

وتحت ضغوط تلك الدول، تراجع حزب العمال الكردستاني ممثلا بقيادته في “قنديل” بالعراق عن تلك الاتفاقيات، وشرع في عمليات إرهابية ضد الشعب التركي، ثم أعلن حزب العمال الكردستاني عن إلغائها بعد تعثر تشكيل الحكومة بعد انتخابات 7 يونيو 2015، وهذا ما اضطر الجيش التركي ضرب أوكار حزب العمال الكردستاني داخل تركيا وخارجها.
هذا الخطر المحدق بالأمن القومي التركي تدركه أمريكا جيدا، ولكنها بحجة محاربة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا قامت بتسليح الأحزاب الكردية بالأسلحة الثقيلة دون مراعاة أن بعض هذه الأسلحة يتم تهريبها إلى داخل تركيا، ما فرض على السياسة التركية التحرك باتجاه تعاون دولي يمنحها الحق والقدرة على حماية شعبها وضرب الأحزاب الإرهابية التي تهدد الأمن القومي التركي، سواء كانت تنظيم «داعش» أو تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (ب ي د) في سوريا؛ فرع حزب العمال الكردستاني.

وعلى هذا الأساس فتحت تركيا طريقا سياسيا للشروع بعملية «درع الفرات» في سوريا بالتعاون مع روسيا، مقابل أن تتعاون تركيا مع روسيا وإيران في العمل الجاد لإنهاء القتال العسكري في سوريا، وبما لا يتعارض مع دعم المعارضة السورية المعتدلة، التي تعاونت مع الجيش التركي في عملية «درع الفرات» وغيرها.

ومن الأخطاء الأمريكية القاسية تجاه تركيا مواصلة البنتاجون دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي شمال سوريا باحتلال مدن سورية عربية وليست كردية، وكانت الوعود الأمريكية بأن يتم تسليم هذه المدن لأهلها بعد إخراج «داعش» منها، كما في تل أبيض ومنبج والرقة وغيرها، ولكن أمريكا لم تلتزم بوعودها بسحب تلك الميليشيات الكردية من هذه المدن بعد القضاء على «داعش».

 

وكانت أمريكا من قبل ترفض الأخذ بالخطة والرؤية التركية لتحرير تلك المدن العربية من «داعش» بقوات سورية عربية وبدعم تركي عسكري. صبرت تركيا كثيرًا على أمريكا كي تنفذ وعودها بسحب الميليشيات الكردية من المدن السورية العربية، وإعادة تلك المدن لأهلها، ولذلك مارست الحكومة التركية حقها باتباع سياسة تؤمّن لها حماية شعبها واقتصادها وشروط أمنها القومي مع دول أخرى غير أمريكا، وبالذات مع روسيا وجيشها المحتل لسوريا.
وبعد أن وثّقت الحكومة التركية والجيش التركي علاقاتهما السياسية والاقتصادية والعسكرية مع روسيا، أخذت أمريكا تمتعض وترفض ذلك التقارب، وبالأخص في جوانبه العسكرية والأمنية والاستخباراتية، وكذلك بعض الدول الأوروبية وبالأخص ألمانيا، لا سيما وأن الجيش التركي شرع بتأمين متطلبات حاجته من أسلحة الدفاع الجوي من روسيا، بعد ان رفضت أمريكا والدول الأوروبية تأمين هذه الحاجات الدفاعية الأساسية للجيش التركي.

 

وكانت الحكومة الروسية تدرك أهمية ذلك الاختراق داخل حلف الناتو، بتأمين أسلحة دفاع جوي متطورة لتركيا مثل، صواريخ إس 400، بل تزويدها بتقنية إنتاجها في تركيا أيضاً، حتى أصبحت هذه المسألة نقطة خلاف بين روسيا وأمريكا، بل مع حلف الناتو بأكمله، حيث أن البنتاجون وحلف الناتو يعتبران ذلك اختراقا للحلف، ويدّعيان أنه قد يؤدي إلى اطلاع روسيا على خطط حلف الناتو العسكرية داخل أوروبا من الجانب التركي، من دون ان تقصد تركيا ذلك، وفي نظرهما أن تعاون تركيا مع روسيا عسكريا وهي عضو في حلف الناتو لا يمكن القبول به، ولا الجمع بينهما، فإما انسحاب تركيا، أو إخراجها من الناتو، أو قطع علاقاتها العسكرية مع روسيا، بدليل أنه في المناورات الأخيرة لحلف الناتو، وعلى الرغم من مشاركة الجنود والضباط الأتراك فيها، قامت المناورات باستهداف صور مصطفى كمال أتاتورك ورجب طيب أردوغان بصفتهما أعداء لحلف الناتو، ما اضطر اردوغان لسحب جنوده من المناورات والتنديد بهذا الفعل الخاطئ والقبيح, بحسب تصريحات المسؤولين الأتراك.

في هذه الأجواء أدركت الإدارة الامريكية السياسية أن مواصلة تجاهل الموقف التركي من القضايا الخلافية سوف يزيد من تباعد تركيا عن أمريكا وأوروبا وحلف الناتو، وبالأخص بعد فشل محاولات الانقلاب على الحكومة التركية عسكريا وسياسيا واقتصاديا.

 

وبعد فشل استقطاب أبناء الأكراد من الشعب التركي في جنوب شرق تركيا، للقيام باحتجاجات شعبية وإثارة مشاكل أمنية، بل رفض أبناء الأكراد في تلك المناطق الانسياق وراء المشاريع التدميرية لحزب العمال الكردستاني فيها، ومدافعتهم عن مدنهم وقراهم ومشاريعهم الاقتصادية والسياسية بالتنسيق مع الحكومة التركية والجيش التركي، إيمانا منهم بانتمائهم للوطن الواحد والدولة الواحدة والعلم الواحد والأرض الواحدة.

 

كل ذلك جعل المشاريع الخارجية الفاشلة ضد تركيا تعيد حساباتها، ودفع نحو الاتصال بالرئاسة التركية لإعادة الأمور إلى مجاريها السابقة، والاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس التركي أردوغان جزء من ذلك، وقد تعهد ترامب بوقف الدعم العسكري الأمريكي لحزب الاتحاد الديمقراطي، وعن أصله؛ حزب العمال الكردستاني، وعن فروعه؛ قوات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، وهي خطوة امريكية صحيحة أولاً، إن تمت فستكون وفاء أمريكيا بالتزامات سابقة وليس منة أمريكية على تركيا، ولا ثمن لها إلا أن تكسب أمريكا سمعتها بالوفاء بالعهود فقط، لأن أسباب الخلاف التركي الأمريكي معروفة وطرق معالجتها معروفة أيضاً.

 

الرئاسة التركية لا تستطيع التفريط بالأمن القومي التركي، والحكومة التركية لا تستطيع التنازل عن حماية حقوق الشعب، بغض النظر عن طبيعة الاتفاقيات الدولية التي توقعها مع روسيا، أو مع الصين أو إيران أو غيرها، فالضغوط الغربية على تركيا لا سبيل لنجاحها، طالما هي تهدد الأمن القومي التركي.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …