عبد الله سعيد يكتب: علماء السلطان .. مفتي مصر نموذجاً

رفع الله تعالى شأن العلماء الصادقين العاملين, فقال: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة) ولكن يأبى بعض العلماء أو مدعي العلم, إلا أن يضعوا من قدر أنفسهم، لأنهم لا يندرجون تحت قول الله تعالى: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء) (فاطر)، ولم يعملوا بقوله عز وجل: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه, فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون) (آل عمران)، بل يكاد ينطبق عليهم قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم…) (الجاثية).

ولا يخفى أنه على مدى التاريخ وطوال الفترات المظلمة, كان الحكام الظالمون الطغاة يستندون إلى فتاوى ودعم وتبرير ودعاية علماء السلاطين (المبرراتية) و(المطبلاتية).

 

مفتي مصر.. نموذجاً

في هذا السياق نذكر ما قاله مفتي الجمهورية – أو بالأدق مفتي النظام – شوقي علام، إذ قال مؤخراً: “إن البيان الذي أصدرته القوات المسلحة، صباح اليوم، جاء بمثابة الرد الحاسم والقاطع على الذين سولت لهم أنفسهم الاعتداء على خير أجناد الأرض من التكفيريين والتفجيريين، الذين يحرفون الدين عن مواضعه، ويرغبون في إثارة القلق والفزع في البلد المحفوظ بميثاق الله وعهده ووعده”. وأضاف المفتي، في بيان له أمس السبت – تعليقاً على بيان القوات المسلحة بشأن الرد على مقتل اثني عشر جندياً في سيناء بعمليات قصف عشوائية وغارات جوية على مواطنين أبرياء عزل في سيناء : “لقد شعرت بمدى الفخر – وأنا أطالع بيان المتحدث العسكري – بأنني أعيش في بلد جيشها بهذه الوطنية والإيمان والقوة والتماسك والعزيمة والإخلاص لتراب بلده ودماء أبنائها، فلم تمض ساعات حتى تم القصاص لحقهم، وأرسل للمتربصين بأمن وسلامة الوطن رسائل مهمة، أبرزها أن عين الوطن الحامية لأمنه قادرة على الوفاء بالعهد الذي قطعته على نفسها بالمحافظة على الوطن عزيزاً غالياً شريفاً من دنس التكفيريين، ومن يدعمونهم ويمولونهم بالأسلحة والذخائر والمعدات”.

وأوضح “علام”، في بيانه – الذي يبدو أنه صاغته الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة وتولى “علام” تلاوته – : “…  فلا يحسبن هؤلاء أن القوات المسلحة هي الموجودة على الحدود أو في نقاط التمركز العسكرية، فالقوات المسلحة هي كل مصري وطني شريف يحب وطنه ويخاف على مستقبله، ونحن في طليعة هؤلاء الجنود، فليس هناك دم مصري أشرف من الدماء التى سالت على رمالٍ طاهرة وترابٍ عزيز لننعم بالأمن في مصرنا الحبيبة”.

 

كذب وافتراء

لن أتطرق إلى مسألة: هل تتم عمليات قتل فعلاً أم أنه هذا كله شغل مخابرات لتهجير أهل سيناء وتدميرها وإخلائها لأبناء عم النظام “الصهاينة” يمرحون فيها كما يشاؤون.

ولن أتساءل عمن قام بقتل هؤلاء الجنود, ولماذا في كل مرة “جنود”, وليسوا قادة كباراً ولا حتى ضباطاً صغاراً!

ولن أتحدث عن مسؤولية السيسي ونظامه بجناحيه الأمني والعسكري, عن حماية أبنائنا، خاصة أن عمليات القتل – التي يقوم بها من يزعم النظام وأبواقه كل مرة أنهم “إرهابيون” – تتم بنفس الآلية, والروتين, حتى إنها صارت أمراً عادياً وخبراً روتينياً!

ولكن سأركز على بيان المفتي, وأحاول تفنيده والرد عليه في السطور التالية:

بداية أقول: لا يحتاج كلام “علام” إلى باحثٍ مدقق أو عالم جهبذ ليرد عليه، بل إن أي طالب علم لا يعجزه دحض الكلام وتفنيده:

أولاً: وصفه للجيش المصري بأنه (خير أجناد الأرض)، مستنداً إلى حديث وردت فيه هذه الجملة.
“والحديث أخرجه ابن عبد الحكم في “فتوح مصر” (ص167/ ط مكتبة الثقافة)، وابن يونس – كما في “إمتاع الأسماع” للمقريزي (14/185) -، وأبو محمد بن زولاق المصري في “فضائل مصر” (ص 83 ـ 84)، والدارقطني في “المؤتلف والمختلف” (2/1003 ـ 1004) – ومن طريقه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” (46/162 ـ 163) – جميعا ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافرى، … وذكر قصة وفيها: وحدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يقول: “إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض” فقال له أبو بكر: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: “لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة”.
قلت: وعبد الله بن لهيعة ضعيف، والأسود بن مالك الحميري لم أقف على من ترجم له، وله ذكر في جملة من روى عن بحير، وبحير هو سياف مسلمة بن مخلد، مجهول الحال، ذكره ابن يونس ، وعنه نقله ابن ماكولا والذهبي وغيرهم، فهو إسناد مظلم كما ترى وانظر “التاريخ” لابن يونس(ص58). (جودة محمد، تخريج حديث “خير أجناد الأرض” موقع الألوكة).

ونقول: والواقع يؤكد أن معظم الحروب التي خاضها الجيش المصري هزم فيها (48-56-67) ثم حدث نصر ناقص في 73؛ تحقق بعد تغيير عقيدة الجيش وإيقاظ الإيمان فيه ورفع شعار (الله أكبر) وإحياء معاني الجهاد ضد اليهود المحتلين.

وحتى لو صح الحديث فهذا لا يعني أنه (صك) أو (شيك على بياض) أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم لجند مصر، بل لا بد من شروط لهذه الخيرية, إن توافرت في أي جند – أياً كانت جنسيته – كان خير أو من خير الأجناد, وإن انتفت انتفى الوصف, كما في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران), فهل نحن الآن خير أمة وهل ما زلنا مستمسكين بما ورد في هذه الآية من صفات أو شروط؟

 

الحديث الصحيح

أما الحديث الصحيح الذي يتحدث عن مصر وأهل مصر فقد ورد في صحيح مسلم ونصه :
“حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى حَرْمَلَةُ ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ – وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِىُّ – عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- « إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا ». قَالَ فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَىْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا.
حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِى سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِىَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ عَنْ أَبِى بَصْرَةَ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِىَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا». أَوْ قَالَ « ِمَّةً وَصِهْرًا فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا». قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا.
والحديث بوب عليه الإمام النووي رحمه الله في صحيح مسلم فقال :
“باب وَصِيَّةِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- بِأَهْلِ مِصْرَ”.

 

علماء السلطان

ثانياً: قول المفتي: ” في هذا البلد المحفوظ بميثاق الله وعهده ووعده”، ولا ندري أي عهد هذا الذي يعنيه! ما نعرفه أن الله وصف مكة بأنها (البلد الأمين) وقال عن البيت الحرام: (ومن دخله كان آمناً)، بينما جل ما ورد في القرآن عن مصر كان في سياق الذم والحديث عن فرعون الطاغية وقومه الفاسقين (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين). ولا ندري إلى أي سند أو نص أو دليل استند إليه (المفتي) في كلامه المطلق هذا إلا نص (بيان القوات المسلحة)!

ثالثاً: قول علام: “”لقد شعرت بمدى الفخر – وأنا أطالع بيان المتحدث العسكري – بأنني أعيش في بلد جيشها بهذه الوطنية والإيمان والقوة والتماسك والعزيمة والإخلاص لتراب بلده ودماء أبنائها…). ونسأل علّاماً وما هو بعلام: ما هي ملامح وأمارات وطنية وإيمان وإخلاص هذا الجيش الذي يقتل ويحرق ويهدم ويدمر ويشرد ويسرق ويخون ويعادي الأولياء ويوالي الأعداء، ويحاصر المسلمين المسالمين في فلسطين؟”! 

ألا شاهت وجوهُ الذين يبيعون دينهم بعرَض من الدنيا قليل, وسحقاً لمن يقادون من أفواههم كما تقاد الأنعام. قال الله فيهم: “إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم” (البقرة).

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …