عزة مختار تكتب : تركيا ..  الدولة والرئيس

 

(تلك ليست دولة ..إنها شبه دولة)، هكذا وصف الانقلابي عبد الفتاح السيسي – بينما هو يتسول ما تبقي في جيوب المصريين – مصر بأنها ليست دولة وإنما شبه دولة.

(دبروا لكل شئ ونسوا الشعب) .. أما تلك  فهي كلمة رئيس الوزراء التركي بعد المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري؛ الأخير بإذن الله, مشيدا بدور الشعب التركي في إفشال تلك المحاولة الانقلابية المكتملة الأركان.

دعونا الآن نضع بعض النقاط علي الحروف علنا نصل لسبب ما تمر به مصر من حالة انحدار لم تشهدها في تاريخها القديم أو الحديث.

هل هو الفرق بين شعب وشعب؟ هل هو الفرق بين قضاء وقضاء؟ بين شرطة وشرطة؟ بين جيش وجيش؟ بين إعلام وإعلام؟

لن نبحث هنا عمن وراء الانقلاب التركي الفاشل، فهم ليسوا جهة واحدة, وأعداء أردوغان كثر, وإنما نبحث عن سبب فشل هذا الانقلاب, وإن تعدد أعداء أردوغان, واتفقت أغراضهم في الخلاص من نظامه الذي يعلن الإسلام السني معتقدا، ويعلن رفضه للهيمنة الغربية على عالم الضعفاء، بل ويسعي لتغيير خريطة العالم وإعادتها لمرحلة ما قبل سقوط الخلافة الإسلامية, وما قبل ترسيم خريطة ممزقة للعالم العربي والإسلامي تهيمن عليها الصهيونية العالمية والصليبية الحاقدة, ويدخل منافس ثالث وهو الشيعية المجوسية وعاصمتها طهران, وأحد أذرعها النظام السوري.

فمنذ اللحظة الأولى التي استولى فيها الانقلابيون في أنقرة على مطار استانبول ومحطات البث الرسمية من تليفزيون وإذاعة، هبت مؤسسات الدولة؛ كلٌ في مجاله, يحارب وبقوة هذا الاعتداء الغاشم على إرادة الشعب، مع العلم أن تاريخ الانقلابات في تركيا تاريخ موثق وغير مستغرب على الشعب، فلم يقر لحاكم قرار إلا إذا رضي عنه الجيش، ولم تتوفر لحاكمٍ إرادة تخرج عن إرادة الجيش العلماني والذي ظل يحمي فكرة العلمانية حتى مع تعارضها مع مصلحة الشعب التركي.

وظل الشعب التركي يعاني من فساد حكامه شأنه في ذلك شأن معظم الدول الإسلامية؛ الفقر والبطالة والأمية وفساد المحليات ومشاكل التعليم والصحة.

ولم يكن الطريق مفروشا بالورود لأردوغان وحزبه، وإنما تعرضت الحركة الإسلامية في تركيا لضغوط أمنية شديدة حتى اكتملت تجربتها في حزب العدالة والتنمية والتي لم تأتِ تحت شعارات إسلامية مباشرة، وإنما أتت بمشاريع تحمل طموحات الشعب التركي وتأخذ علي نفسها العهود لتحقق تلك الأمنيات، لتقفز تركيا من مصاف الدول المتخلفة وتخرج من بينها بأسرع مما تخيل أردوغان نفسه.

البعض يقارن الانقلاب التركي الأخير ورد فعل الرئيس عليه مع الانقلاب في مصر على الرئيس محمد مرسي. وتلك المقارنة في حد ذاتها هي من العبث بمكان؛ إذ كيف تقارن دولة تسير على نسق واحد وهو مصلحة البلاد بأخرى معدومة المؤسسية، تعتمد الفهلوة بدلا من التخطيط ، وتعتبر الثورة خيانة وعمالة, والأرض ملك للجيش, والقضاة فوق البشر, والشرطة ( ناس غير عادية ), والمخابرات جهات سيادية، والحرية فوضى, والشعب غير جاهز للديمقراطية بعد؟

كيف تقارن دولة بإقطاعية عسكرية، ينفق عليها العسكر من جيوبهم وكأنها جزء من أملاكهم كما صرحوا أخيرا؟

الفرق واضح بين التجربتين، وهو أن تركيا دولة لها شعب واعٍ، شعب تعلم من التجارب السابقة للعسكر أن أي حكم عسكري ما هو إلا خراب علي بلاده، وتخلف لعشرات من السنوات تضاف لصفحات التاريخ السوداء. تعلموا أن حكم العسكر دماءٌ وسجون وظلام وقتل لكل أمل في النهوض القريب، ومع الإرث العلماني الثقيل عند الشعب التركي منذ عهد مصطفى كمال؛ عدو الدين والحضارة الإسلامية، إلا أنهم استطاعوا تجاوز تلك النقطة في التعامل مع أردوغان وحزبه من تجارب المحليات التي قربتهم من التيار الإسلامي السياسي كما يطلق عليه، فعرفوا نظافة اليد وصدق الوطنية والاستماتة في العمل للنهوض بالوطن.

إن الفرق بين الانقلاب في تركيا والانقلاب في مصر، هو الفرق بين الدولة وشبه الدولة.

الدولة بمؤسساتها وشعبها وحاكمها ومعارضيها وقضائها وجيشها وشرطتها وإعلامها، وشبه دولة بلا مؤسسات مستقلة، فلا إعلام حر، ولا قضاء شريف، ولا جيش وطني، ولا شرطة صادقة، ولا تعليم صحيح، ولا صحة تفيد.

الفرق بين الانقلاب في تركيا ومصر هو شعب واعٍ، عرف أن الحرية أغلى من الروح فتصدى للدبابات، ولم يضع بعضُهم البيادة فوق رأسه في مشهد مقزز لن ينساه التاريخ، أو فتيات يرقصن في الشوارع ابتهاجا بانقلاب سادي، وجنود عرفوا أنه لا يجوز قصف الشعب فامتنعوا عن تنفيذ الأوامر، وشرطة عرفت أنها في خدمة الشعب وأن الأوامر لا تؤخذ إلا من مؤسسات منتخبة فانحازت للشعب وتصدت للمؤامرة. 

إنه لمن الظلم البين أن نقارن بين دولة وشبه دولة، أو بين كيان مستقل يسير بسرعة الصاروخ نحو البناء الحضاري، وبين شبه المنحرف الذي يحكم مصر..

 وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …