هل اتفقت إرادة الله تعالى على أن يكون المسلم, وريثُ المنهج الخاتم للبشرية وحاملُ مشروع الهداية المتكامل لها, هزيلا منتهكا مستضعفا مهضوم الحق مسلوب الحرية والإرادة؟
هل شاءت إرادة الله أن يكون المشركُ صاحبَ الحق في التملك الكامل لكل مقدرات الأرض فهو يتحكم بجغرافيتها ويصنع تاريخها ويوجه أحداثها وفقا لمشيئته هو, ومصلحته هو, وهيمنته الذاتية دون مراعاة لتحقيق عدالة أو النظر برحمة لمن هو أقل منه قوة وعتادا وعلما وحركة في الأرض؟
هل أراد الله بالمسلمين سوءًا فسلط عليهم أنفسهم فهم يتناحرون فيما بينهم تناحر البعير إذا حركها الجوع، ثم سلط عليهم عدوهم فهو يهلكهم ببعضهم البعض دون دفع ثمن يذكر، فصاروا كالمطحون بين شقي رحى، أحد شقيها هوان على النفس وهوان على الناس ثم هوان على الله، وصاروا للتاريخ أحجية وأضحوكة تتعجب من جهلها سائر الأمم؟ ثم يخرج من بينهم من يدعي زورا وبهتانا أنها طبيعة الطريق، وأنها دليل صحته، وأنها علامات السلامة على طريق الوصول, فهو الابتلاء الذي يعقبه التمكين والظفر والنصر المبين, متناسين سنن الله في الأرض والتاريخ وحركة الكون التي يحكم بها خلقه, في حالة من الكبر النكد في الاعتراف بالانحراف الشديد عن النهج القويم واستبدال الغايات بالوسائل وعبادتها من دون الله, ليصير المسلمون أنفسهم وبالا على دينهم وتاريخهم وأرضهم وحاضر العالم كله؟
هل يملك المسلمون وعدًا من الله بأن إراداته تقتضي أن يستثنيهم من نواميسه الكونية باعتبارهم الأمة المختارة لحمل الرسالة الأخيرة، الأمة المنتسبة لربها مباشرة فهي تحمل اسم الدين الخاتم وليس اسم النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام؟
هل أخذت على الله موثقا ألا يجري عليها سننه التي أجراها على الأمم السابقة والتي كانت كذلك أممًا مختارة في وقتها فحسبت أن الخيرية هبة وحق لا يُنتزع, فكفرت بأنعم ربها عليها فبدل الله حالها من الرخاء والرفاهية والتكليف والتشريف للخسف والتجويع والإمراض والإفقار والمذلة بين العالمين ” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) سورة النحل
إن النكبة الكبرى التي تعانيها أمتنا اليوم ليست المحن المتكررة التي تتوالي عليها كقطع الليل المظلم من هزائم متكررة تأكل بنيانها من الداخل, وتنخر في أساسها كالسوس الذي تركها كعصا سليمان هيكلا لا قيمة له، ومن هوان ووهن سلّم قلبَ الأمة لعدوها الداخلي قبل الخارجي فاسترخت للجهل ورضيت بالدون وتكاسلت عن الأخذ بأول آية في كتابها فأصابها المرض العضال، وهو مرض الأمم التي سبقتها، مرض التخلي عن المهمة فكان على سنن الله أن تعمل وما عطلت لأحد من قبل.
إنما النكبة الكبرى التي أصابت أمتنا هي في عقولٍ تتصدر المشهد لتصور لنا أن ما يحدث إن هو إلا ابتلاء عظيم من رب العالمين وإعداد للأمة وتهيئة قبل النصر المبين، والحقيقة أنه ليس ابتلاء عظيما، ذلك الابتلاء الذي يدل علي صحة الطريق، فأمة غثاء السيل ليست على الطريق المستقيم حتى تختبر فيه، وإنما الأمة انحرفت انحرافا شديدا عن سواء السبيل فابتلاها الله بالمصائب والشدائد في إنذار شديد عسى أن تعود وتئوب وتعي، وعسى أن يخرج من بين أبنائها من يجدد لها أمر دينها بصيحة واعية مخلصة مدركة للصورة الكاملة لما يحيط بها من أخطار تكاد تهلكها، وأشد هذه الأخطار في داخلها، نابع منها، فليس يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية، والميكروب لا يهاجم إلا الجسم الضعيف، والرياح لا تُسقط إلا أوراق الأشجار الذابلة، وكذلك فالعدو الخارجي والتآمر والتكالب لا يحدث إلا لأمة كغثاء السيل.
وفي الحديث الصحيح عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت).
وهنا حدد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم داء هذه الأمة ومنبعه وأصله، فالداء ليس مؤامرة كونية علينا ــ وإن كنت لا أنفي نظرية التآمر جملة ـــ ، والداء ليس ابتلاءً للتطهير وإنما بلاء للتأديب، داء الوهن الذي نزع من قلوب الأعداء المهابة رغم مليارية الأمة، ومقدرات الأمة، وجغرافيتها الشاسعة، وخزائنها الممتلئة، داؤها الداخلي الذي دفعها للانحراف والتخلي عن أسباب القوة فنسيت أنها كانت أمة من الهمل لولا الإسلام، أمة من الرعاة لولا الإسلام، أمة أبعد ما يكون عن المسمي الحضاري لولا الإسلام.
فماذا يريد الله من المسلمين؟ هل يريد لهم العذاب والجوع والذل والمهانة والهزائم والتقوقع والتخلف باسم الابتلاء؟
هل تاريخ الأمة يوحي لنا بذلك؟
هل ما تعلمناه من كتاب ربنا فيه ما يشير لما نحن فيه اليوم؟
إن فترة التربية في مكة على ما بها من شدة وتعذيب وتهجير ومطاردة لا تحمل أيا من تلك المعاني، وإن فترة التدافع في المدينة المنورة ثم الفتوحات الإسلامية بعد ذلك لا تحمل إلا معاني الرفعة والظهور والتماس أسباب القوة جميعها، والعلم جميعه، والعدالة الكلية أبعد ما يكون عن معاني الابتلاء التي يروجها البعض اليوم.
لسنا نعاني من ابتلاءٍ يختبرنا الله به، إننا نعاني أعراض مرض نحن من تسببنا فيه لأنفسنا، ولنستعرض معًا آيات الله لنرى أين نحن منها لنعرف ونتيقن أننا نعاني وبشدة مرض التخلي عن التكليفات فابتلانا الله بالتكالب والهوان
التكليف الأول: يقول ربنا تبارك وتعالي في سورة الذاريات ” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ “56
العبادة المقصودة في الإسلام، عبادة البيت والمسجد والشارع والعمل والدراسة والبحث والعمل الجاد وبناء الأرض وإقامة العمران ومعاني العدالة والحرية والعزة، عبادة شاملة تنظم كل مناحي الحياة وليست عبادة لاهوتية كنسية منفصلة عن حركة الحياة مستمدة من قوله تبارك وتعالي في سورة الأنعام ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾163، فهل أدت الأمة ما عليها من عبادة بحق؟
التكليف الثاني: ” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ” 110 ، آل عمران.
الخيرية ليست هبة لأمة ما، الخيرية عمل لا يفتر, وجهاد لا يتوقف, وبذل ومسئولية ” تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ” فهل أدت الأمة المهمة فاصطدمت بالآخر أثناء تأديتها؟ أم أنها تخلت؟ أم أصابها داء الأمم من قبل ” كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه”؟
التكليف الثالث: ” وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ” 143 البقرة، إن وسطية الأمة مستمدة من منهجها الوسطي، وحين تنفض عن نفسها المنهج وتتبرأ منه فأنى لها تلك الوسطية، وأنى لها تلك الشهادة؟ أتقبل الشهادة من غائب؟ إن أمة الإسلام غائبة عن ركب الحضارة التي يجب أن يكون من صنيعتها كما كان من قبل، فكيف يشهد الغائب علي الحاضر؟ سقطت شهادة الأمة أيها المسلمون.
التكليف الرابع: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (54) المائدة
الارتداد عن الدين ليس يعني أن نسجد لصنم مصنوع على أيدي الهواة وإن كانت الأمة في جملتها تسجد وتخضع وتدين لأصنام صنعتها بأيديها اتخذت أشكالا أكثر تعقيدا من الأصنام التي كانت منثورة في صورة بسيطة حول الكعبة في صدر الإسلام. إن الأمة صنعت طواغيت تعبدها من دون الله بأيدٍ محترفة في الإجرام، تدين لها بالولاء والبراء والطاعة المطلقة، تلتمس عندها الرزق والحياة لمجرد العيش، ومجرد البقاء قيد الحياة، تقبل البقايا، والانبطاح للحفاظ على كرسي مصلت على رقاب الخلق، فصار بأسها بينها شديدًا، وصار التقتيل في كل مكان ضحاياه مسلمون، والدماء كلها مسلمة، والمتناحرون مسلمين، وصارت مدنا مهجورة من سكانها هاربين من جحيم صنعوه ليحيوا فيه, والمنتهك في كل الحالات مسلم.
فماذا تبقي لهذه الأمة كي تستحق عليه نصرا وتغييرا وخروجا من مأزقها؟ أي شئ تبقي منها كي تستحق معية الله وظهورها على باقي الأمم, وقد جعل الله التغيير قرارا ذاتيا حين قال في كتابه العزيز ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾11 الرعد
النصر ليس منحة، والتمكين ليس أمنية، والحضارة ليست هبة وإنما تُصنع صناعةً، ويُسهر عليها بكد وتعب وجهد لا يتوقف، ” لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) النساء
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات