أُثيرت في الأيام القريبة الماضية زوبعةٌ حول تصريحات الشيخ سالم عبد الجليل, وكيل وزارة الأوقاف المصرية السابق؛ حيث قال في إحدى الفضائيات: “إن عقيدة اليهود والنصارى فاسدة وضالة، لكن لهم عند المسلمين التعايش والمحبة والمعاملة الحسنة، والله المشايخ اللي بيطلعوا يقولوا للمسيحيين أنتم مؤمنين ضللوهم وما خدموهم، هيفرحوهم دلوقتي، ويوم القيامة سيقف هؤلاء على الصراط وهيقولوا يارب فلان ده قال لنا انتم مؤمنين ضللنا، جايز لو كان قال لنا لأ انتم غلط كنا فكرنا”!!
“سالم عبد الجليل” هو الذي وصف معتصمي رابعة العدوية والنهضة بأنهم خوارج وبغاة ويستحقون القتل، وعلى الجنود قتلهم، وقبل أيام قال لمتصلة ذكرت له أنها تحتفظ بكتاب “في ظلال القرآن” في بيتها، فما حكم ذلك؟ فطالبها بضرورة التخلص منه، وعدم قراءة مؤلفات “سيد قطب” ولو أمكن حرق ذلك الكتاب فلتقم بذلك!
وعلى غرار سالم عبد الجليل, قال يوسف زيدان: إن بعض الأفلام التاريخية مليئة بالمغالطات، وإن صلاح الدين الأيوبي ليس كما صوره الفنان أحمد مظهر في فيلم “الناصر”؛ فصلاح الدين من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني، وقد ارتكب جريمة إنسانية في حق الفاطميين عندما عزل الرجال عن النساء حتى لا يتناسلوا، وحقيقة هذا الرويبضة وأمثاله، من متصهينة العرب واضحة للعيان، فهو الذي شكك في حادثة الإسراء, وأن المسجد الأقصى ليس هو القائمَ في فلسطين الآن، ولا يمكن أن يكون كذلك، وليس إحدى القبلتين, ودافع عن الصهاينة ومزاعمهم في فلسطين.
وما يمكننا أن نقوله هو أن ما قاله سالم عبد الجليل ويوسف زيدان بمثابة إعلان استخباراتي مدفوع الأجر من سلطات الانقلاب، لإلهاء الشعب، بقصد التغطية على جرائم العسكر وفسادهم وفشلهم الاقتصادي، ثم يخرج أحد عملاء النظام الانقلابي محرضاً على القتل، ليقول هذا هو حكم الإسلام الصحيح في غير المسلمين، ثم تقوم ضجة ويعتذر بعد ذلك، لكن هذه الفديوهات سترسل للغرب، ليقال إن المسلمين يستحلون دم النصارى، وهناك اضطهاد ديني، وتطهير عرقي، وفتنة طائفية ونحتاج لتدخل دولي، وهو ما يقوم به أقباط المهجر الآن فى أمريكا.
وكي تكتمل فصول المسرحية قررت قناة “المحور” الداعمة للنظام الانقلابي إنهاء تعاقدها مع سالم عبد الجليل، كما أصدرت أوقاف الانقلاب بيانًا قالت فيه إن عبد الجليل مستقيل، ولا علاقة له بالأوقاف، وإنها قررت منعه من صعود المنبر ما لم يصحح ما أثارته تصريحاته من قلق وتوتر، ويتعهد صراحة بعدم التعرض لعقائد الآخرين، حيث إن الحديث عن مثل هذه القضايا لا يخدم ترسيخ أسس المواطنة والتعايش السلمي والسلام المجتمعي، الذي نسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع!
ثم قام سالم عبد الجليل بتوضيح أنّ ما صدر منه كان في سياق تفسيره لآية في سورة آل عمران، وأن البعض اعتبر فيه جرحا لمشاعر المسيحيين، فأنا عن جرح المشاعر أعتذر، وفسر كلمة الكفر بقوله :إنّ كلمة “كُفْر” الواردة في القرآن تعني المغايرة والتغطية وليس مقصودا بها من قريب أو من بعيد المعنى المتداوَل في مصر حديثا من كون كافر وصفا مهينا لاحتقار الشخص سيئ الخلق والفاجر في الظلم، فهذا المعنى لهذه الكلمة ليس في اللغة العربية، ولم يكن حتى على زمن نزول الوحي!
ونحن بدورنا نقول: إن الله تعالى قال فى كتابه العزيز: { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، قال ابن كثير رحمه الله: هذا حكم من الله تعالى بتكفير فرق النصارى من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله – تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس- .
وأكد مجمع البحوث الإسلامية أن ما صدر عن “سالم عبد الجليل” تعبير عن رأي شخصيّ له، وهو لا يعبر عن الأزهر الذي لا يملك تكفير الناس، ولا عن أي هيئة من هيئاته المنوط بها التفسير والتحدث باسمه! وأنه لا يمثل الأزهر الشريف إلا الإمام الأكبر شيخ الأزهر، والقرارات الصادرة من هيئة كبار العلماء مجتمعة، ومجمع البحوث الإسلامية مجتمعًا، أو دار الإفتاء فيما تصدره من فتاوى تلتزم بالأصول الإسلامية التي لا خلاف عليها فى الأزهر الشريف وبين علمائه، وأن ما صدر من الدكتور سالم عبد الجليل لا يعبر عن الأزهر الشريف الذي يحرص كل الحرص على البر والمودة والأخوة مع شركاء الوطن من الإخوة المسيحيين.
ومن حقنا أن نتساءل: ما موقف المجمع من قول النبي صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه عنه أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ـ: “وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ”؟
ولكن المضللين من أصحاب العمم البالية لا يهدأ بالهم، ولا تطيب نفوسُهم إلا بالتشويش في مثل هذه المسلَّمات؛ للتزلف للنظام الانقلابي، الذي رفع شعار “تجديد الخطاب الديني”، والطعن في ثوابت الإسلام ورموزه.
وإني لأعجب لقول المجمع إن الأزهر لا يكفر أحداً! فيا مجمع العار مَن وصفهم بالكفار هو الله، فكل من يقول إن المسيح ابن الله, أو ثالث ثلاثة, أو إله, أو أن مريم أم الإله، أو زوجه؛ فهو كافر باتفاق، كما أن المسلم الذي لا يؤمن بذلك ليس بمسلم.
وأين كان المجمع من تصريحات الأنبا مرقص أسقف شبرا، ومقرر اللجنة الإعلامية بالمجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية، عندما سأله غلام “علي جمعة” المدعو “علي الجفري” فى إحدى الفضائيات الانقلابية: هل تعتقد أن المسلمين كفار؟ فأجاب بنعم، وإلا لم أكن مسيحيا!
فهناك فرق بين أن يكون القرآن ضرب النموذج الأمثل في التعايش السلمي مع المخالفين في الاعتقاد من أهل الكتاب وغيرهم، وعصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم ماداموا مسالمين، وبين أن نلويَ عنق النصوص، ونتزلف لهم أو لغيرهم، بزعم إبعاد تهمة الإرهاب عن الإسلام!!
هذه هي حقيقة مسرحية سوسو وزوزو، التي يروج لها الإعلام الانقلابي هذه الأيام، ردًّا على مسرحية المحلل التوافقي لخوض انتخابات 2018.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات