عز الدين الكومي يكتب: “الاصطفاف” في الماء العكر!

مع اقتراب ذكرى ثورة الخامس العشرين من يناير, بدأت تتعالى أصوات (الاصطفافيين) التي تنادي بضرورة توحيد القوى الثورية، لإسقاط النظام الانقلابي، وهذا شيئ جيد ولا يمكن لعاقل أن يعارضه أو يرفضه، فمُنَى الثوار أن تتوحد صفوفهم وتجتمع على كلمة سواء، لمواجهة الثورة المضادة، واستبداد وقمع العسكر، وكسر الانقلاب، وإنقاذ البلاد من العصابة الانقلابية، وإعادة المسار الديمقراطي. 

لكن إذا كنا نتحدث عن دعوات الاصطفاف، فهل يعنى ذلك أن الاصطفاف سيكون مع من شارك في إراقة دماء الأبرياء ورضي به، ودعم النظام الانقلابي، أو من الذين لا مبدأ لهم سوى المصلحة، ولما شعر بأن النظام الانقلابي يركله، ولم يأخذ حظه من كعكة الانقلاب عاد ليتمسح بالثورة والثوار، وينادي بضرورة الاصطفاف؟

كما يلاحظ أن بعض (الاصطفافيين) الذين يتحدثون عن الاصطفاف صباح مساء، دون أدنى إشارة إلى الشرعية، بمفهومها الشامل، وإعادة الاعتبار لاختيارات الشعب، التي أهدرتها دبابة العسكر، هؤلاء؛ الاصطفاف معهم مرفوض ومردود؛ فهذا ليس اصطفافا، لكنه انتهازية مرفوضة. 

وإلى المنادين بضرورة الاصطفاف: فالثوار فى الشارع لم يبرحوه منذ الانقلاب العسكري، ولم يعترفوا بالنظام الانقلابي، ولم يقبلوا بالأمر الواقع، كما أرادت لهم كاترين آشتون، ولم يتوقفوا عن التضحيات من أجل تحقيق مبادئ ثورة يناير في العيش والحرية والكرامة الإنسانية، والديمقراطية. 

أمّا الاصطفاف على أرضية نشطاء السبوبة، أو تغريدات البرادعي، مع التجاهل التام للمطالب الحقيقية للثورة والثوار، فهذه خيانة لدماء الشهداء والثورة. 

فكيف يكون الاصطفاف مع هؤلاء الذين يسوون بين الرئيس المنتخب، الذي جاء بإرادة شعبية حرة ونزيهة، وبين نظام المخلوع المغتصب للسلطة، الذي زوّر إرادة الشعب لعقود، امتدادا لجرائم العسكر، منذ انقلاب يوليو1952 فى حق الشعب، ويقولون إنهم أزاحوا نظامين فى أقل من سنتين؟

 من يريد الاصطفاف على مبادئ ثورة يناير، فمرحبا به، والشارع مفتوح على مصراعيه، وليس حكرا على أحد، أما اصطفاف الحناجر، ومنصات الفيس بوك، أو عن طريق من يقدمون أنفسهم على أنهم الطرف الثالث؛ أي أنهم ليسوا إخوانا وليسوا عسكرا بزعم أن الفريقين أفسدوا الحياة السياسية، أو على أساس العودة إلى ما قبل يناير2011 دون نظر للأوزان النسبية وغيرها من هذه الأطروحات التي يقصد منها الالتفاف وليس الاصطفاف، فهذا مضيعة للوقت؛ لأن هؤلاء فى حالة نجاح الاصطفاف الثوري المزعوم على أكتاف الإخوان، سوف يتفقون فيما بينهم، على شيئ واحد فقط، هو إقصاء الإخوان، “الذين باعوهم فى محمد محمود، وباعوا شباب النصارى فى ماسبيرو”!, وغيرها من المماحكات، فضلا عن الحديث عن شكل الدولة، ومدنية الدولة، والفاشية الدينية من الذين يتاجرون بالدين على حد زعمهم.

أين كان الاصطفافيون، بعد أن تمت تبرئة أركان نظام مبارك، وعودتهم إلى الواجهة، من خلال برلمان العسكر، والحكومات الانقلابية المتعاقبة؟

 ثم كيف يكون هناك اصطفاف، مع من قبلوا بالتعايش مع العسكر، حفاظاً على مدنية الدولة المزعومة، والتي هي في حقيقتها علمانية لا دينية، والتي انتهى بها الأمر إلى دولة عسكرية تكمم أفواه الجميع، وحولت البلاد لسجن كبير، لأن البديل فى نظر هؤلاء هو الإسلام الذي يكنون له كل حقد وكراهية، لأنهم فقط يريدون أن يحكموا بمفردهم، وإن فشلوا ولم يتمكنوا من تحقيق مآربهم، فلا مانع لديهم أن تحكمهم وتتحكم فيهم بيادة العسكر ودبابة العسكر!

ومن يتابع الدعوات الاصطفافية عن كثب؛ يرى أن الاصطفاف يقوم على مقومات أساسية عند (الاصطفافيين)، وهى لا حديث عن شرعية الرئيس المنتخب لا من قريب ولا من بعيد، وأمثلهم طريقة من يتحدث عن ثورة يناير، ويطالب باصطفاف كل شركاء الثورة، حتى الذين أيدوا النظام الانقلابي، وباركوا القتل وسفك الدماء! 

ومنهم من يريد الاصطفاف مع البرادعي الذي قال إن المبعوث الأوربي برناردينو ليون، هو الذي خطط للانقلاب والإطاحة بالرئيس الشرعي محمد مرسي، وأنه وقع على ذلك، ولكن ما حدث بعد ذلك كان عكس ما وقّع عليه، فقد وقّع على انتخابات رئاسية مبكرة، وعلى خروجٍ مشرف للرئيس مرسي، والوصول لنهج شامل تكون جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميون جزءا منه!  وقّع على الخطة التي وضعها بالفعل برناردينو ليون، ولكن بعد ذلك، كل هذا تم إلقاؤه من النافذة، وبدأ العنف، بحيث لم يعد هناك مكان لشخص مثله، وليس هناك مجال سياسي.  كما اعترف بأنه كان يتجول في أوروبا، لإقناع الأوربيين بضرورة الإطاحة بالرئيس المنتخب، كما قبل بتعيينه مِن العسكر نائباً لعدلي منصور، الذي كان من بين المسؤولين عن مجازر العسكر، ولكنه استقال بعد مجزرة رابعة!  وبعد أن اعترف بجريمة الخيانة العظمى، التي يعاقب عليها القانون بالإعدام .. بأي وجه تقبلون الاصطفاف معه لمجرد أن كتب بعض التغريدات، التي يتبرأ فيها من النظام الانقلابي، وهو مسؤول عن كل الدماء التي سالت، وله كفل منها مثله مثل قادة العسكر؟ 

كما أن هناك فريقا اصطفافيًّا آخر، يصف أحمد ماهر بالبطل ويخلع عليه شارات البطولة، وكأنه ليس هو الذي قاد مظاهرة بالملابس الداخلية فى عهد الرئيس مرسي، وقاد مظاهرة بحزم البرسيم ونثرها أمام منزل الرئيس مرسي، وهو الذي أيد هو وحركته فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة المسلحة، كما أيد قتل وحرق الآلاف من المعتصمين السلميين.

      

شاهد أيضاً

إسرائيل تنفي انسحابها من جنوب لبنان “إلا بعد نزع سلاح حزب الله”

أعلن مسؤول إسرائيلي، اليوم الخميس، أن تل أبيب لن تسحب قواتها من جنوب لبنان “إلا …