عز الدين الكومي يكتب: رابعة ..  دماء على جدران التاريخ

مذبحة رابعة وما سبقها وما تلاها من مذابح على يد عصابة الانقلاب الدموي ليست مجرد مذابح عادية، ولكنها مذابح لن تمحى من ذاكرة التاريخ؛ لأن من قام بها جيش بلادي الوطني!

من ذا الذي يستطيع أنْ ينسى شباب الطهر والعفاف وهم يداسون تحت جنازير المدرعات والجرافات, عندما قام جيش كامب ديفيد بآلياته العسكرية وجرافاته وقناصيه وطائراته الحربية ومِن خلفِهم جلاوزة الشرطة وجيوش البلطجية ليسحقوا آلاف المعتصمين مِن النساء والأطفال والشيوخ قتلا وحرقا ودمارا وانتقاما؟!

وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش مذبحة رابعة بأنها إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث، وأنّ ما حصل لم يكن مجرد حالة مِن حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبَّرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية.

وكان مجلس وزراء الانقلاب قد اجتمع قبل مذبحة رابعة بيومين لمناقشة قرار فضِّ اعتصامي رابعة والنهضة، وقرر تنفيذ المذبحة, وكان القرار بالإجماع بحجة أنّ الحياة توقفت في القاهرة والجيزة، حتى قال حسام عيسى وزير التعليم العالي في حكومة الانقلاب: قرار فض الاعتصام كان سينفذ سواء كان الاعتصام مسلحًا أم لا!

النية ـ إذنْ ـ كانت مبيتة للمذابح على يد عسكر كامب ديفيد, لأن اعتصامي رابعة والنهضة كانا – حسب زعمهم- يخلقان دولة داخل الدولة، وأن مجلس وزراء الانقلاب لم يشهد خلافات حول قرار فض الاعتصام، ونسبة الإجماع على القرار كانت 100%!

وقال رئيس وزراء الانقلاب آنذاك حازم الببلاوي إن قرار فض الاعتصام كان قاسيا جدا لأننا نعلم أن هناك أرواحا ستزهق، لكن لم يكن أمامنا بديل آخر!

والواقع أنه كانت هناك بدائل كثيرة, لكنها خسة ونذالة الانقلاب.

ومع ذلك يقول: قلبي كان ولازال مطمئن تجاه القرار ولو عاد بي الزمن لوافقت على الفض لاستعادة هيبة الدولة وسيادة القانون، وأحيانا نضطر لتطبيق قرارات صعبة لها آثار سلبية لكن في مجملها إيجابية. هذا ما حدث في قرار الفض الذي تم وفقا للقانون والدستور، وأن المعتصمين هم أول من أطلقوا النيران على قوات الفض وأن الشرطة التزمت بأقصى درجات ضبط النفس وبذلت جهدها لتقليل الخسائر.

وقد روج الإعلام الانقلابي أن اعتصام رابعة كان مسلحا، وأن المعتصمين يقومون بترويع الآمنين ومضايقة السكان، وتعالت الأصوات الانقلابية مطالبة بفض الاعتصام وإبادة المعتصمين! ناهيك عن شائعات إعلام “فاهيتا” وأساطير جهاد النكاح ووجود سوريات ومقاتلين من حماس في الميدان إلى آخر تلك الترهات.

كما أنّ نائب عام الانقلاب هشام بركات أصدر أمرًا بناءً على طلب من داخلية الانقلاب بفض اعتصامات المعارضين للنظام بميادين رابعة العدوية والنهضة في القاهرة والقائد إبراهيم بالإسكندرية.

وكان عدد من ناشطي السبوبة والمؤيدين للانقلاب قد طالبوا بفض اعتصام رابعة بالقوة، وهاهم اليوم يطالبون بالاصطفاف الثوري المزعوم!

فقد قالت الناشطة ليلى سويف: إن اعتصام رابعة العدوية ملئ بالأسلحة ويجب فضه بالقوة، أما نجلها علاء عبد الفتاح فأكد أن اعتصام النهضة لا يجب أن يستمر! وقال الأسواني؛ حرامي الروايات إن مبدأ فض اعتصام رابعة العدوية بالقوة صحيح وإن اعتصام رابعة العدوية كان اعتصامًا مسلحًا! وقال “الكومبارس” إن قرار فض اعتصام رابعة كان صحيحا لأنه كان مطلبا شعبيا من الأحزاب؛ يقصد الأحزاب الكرتونية وعبيد البيادة والراقصات والعاهرات, كما أن البدوي (أبو قفا) عضو جبهة الخراب قال إن فض اعتصام رابعة بالقوة كان حتميا لأن الإخوان كانوا يشعرون بأن قوتهم أكبر من قوة الشعب والجيش والشرطة, أما الأراجوز باسم يوسف فقد أظهر الشماتة في أحط صورها ومعانيها حيث غنى ورقص على أنغام الموسيقى بكلمات في غاية السقوط والوضاعة.

وعقب الانقلاب العسكري الدموي خرج زعيم عصابة الانقلاب على شاشات التلفزة وطالب الشعب المصري بالنزول إلى الشوارع يوم الجمعة لتفويض الجيش والشرطة لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل ـ بزعمه ـ قائلا: الجيش المصري جيش محترم, وأسد بجد والأسد لا يأكل أولاده!..

لا يأكلهم ولكن يقتلهم بدمِ بارد في الميادين والشوارع ويعتقلهم بتهم ملفقة!

وفى يوم المذبحة تحركت قوى الشر من عسكر وشرطة وبلطجية من بعد صلاة صبح يوم الرابع عشر من أغسطس وحتى غروب شمس هذا اليوم حتى إن الواحد من المعتصمين لم يكن بمقدوره الذهاب لقضاء حاجته كما كان حال المسلمين يوم الخندق.

واقتحمت المدرعات والمجنزرات والدبابات الميدان وانتشرت سحب الدخان والغاز المسيل للدموع وجحافل عسكر كامب ديفيد وشرطة الانقلاب وقطعان البلطجية تمطر المعتصمين بالرصاص الحي، وطائرات الأباتشي تصب قنابل الغاز والرصاص لقنص المصورين ومعداتهم لطمس الحقيقة وإخفائها عن أعين العالم.

ياله من مشهد مرعب؛ قصف متواصل وهدير الآليات العسكرية وأزيز الطائرات وصافرات سيارات الإسعاف والاستهانة بحياة المعتصمين العزل الذين لا يملكون إلا مصاحفهم وقد حاصرهم الموت من كل جانب. اندفع الناس يبحثون عن ملاذ آمن لكن هيهات هيهات؛ حيث كانت رصاصات الغدر والخيانة والخسة والندالة لهم بالمرصاد، بل كانت تقتل من يحاول أن ينقذ جريحا, فمنهم من حاول أن يلوذ بالمستشفى الميداني ظنا منه أنه سيكون بمنأى عن القصف والقنص، وآخرون دخلوا المسجد طلبا للأمان، ولكن قنابل الغاز ورصاص القناصين ظل يلاحقهم, والبعض حاول الفرار ولكن عسكر كامب ديفيد لم يرحموا سلميتهم ولا صراخهم, قاقتحموا المستشفى وأشعلوا فيها النار وأجهزوا على الجرحى, وحرقوا جثث الموتى, واعتدوا على الأطباء والمسعفين, وهددوهم بالقتل بل قتلوهم بالفعل.

ومع كل هذه المشاهد المرعبة كان عسكر كامب ديفيد الذين فقدوا إنسانيتهم وشرفهم العسكري يضحكون ويأكلون ويشربون ويمرحون، بل وصلت الخسة ببعضهم أن يلتقطوا الصور التذكارية مع ابتسامات صفراء خبيثة وسط ركام الجثث الملقاة على الأرض؛ بعضها متفحم, وبعضها تفجرت رؤوس أصحابها, وبعضها خرجت أحشاؤها، ومصاحف ممزقة وأخرى مشتعلة فيها النيران وأغراض المعتصمين مبعثرة في أرض الميدان.

لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص والقنابل والطائرات حتى إنك تكاد لا ترى إلا الموت في جنبات الميدان. قُتِل آلاف المعتصمين السلميين واعتقل الآلاف من المصابين والجرحى, وكل من انخدع بممرات العسكر الآمنة, والتي وصفها أحد الناجين بأنها ممرات الموت, أو ممرات سربرينتسا البوسنوية التى أمر بها بطرس غالي في البوسنة والهرسك دعما لنصارى الصرب.

ومع غروب شمس ذلك اليوم كانت الدماء تغطي أرض الميدان، وتم نقل الجثث إلى مسجد الإيمان، والجرافات تجمع الجثث لإخفاء معالم الجريمة، وفى المقابل كانت الجريمة الأكبر من بعض سكان الحي؛ رجال ونساء اصطفوا وبعضهم في الشرفات مغتبطين يصفقون على جثث الضحايا المحمولة إلى خارج الميدان في ملايات لأنها لم تجد أكفانا تسترها، وعلى الجانب الآخر دوريات الجيش تجوب الشوارع المحيطة بالميدان تطلق دفعات من الرصاص ابتهاجا واحتفاءً بانتصارها على المعتصمين السلميين.

ألا فليعلم هؤلاء أن تلك المجازر التي تدخل بجدارة ضمن الجرائم ضد الإنسانية لن تسقط بالتقادم، وأنّ حقوق الضحايا لا يمكن أن تضيع, طال الزمان أم قصر.

أما الشامتون والراقصون على الجثث والدماء فلينتظروا عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة.

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14].
×

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …