تباينت ردود الأفعال إزاء انقلاب 3 يونيو، الذي قاده عسكر كامب ديفيد ضد الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، وتقويض التجربة الديمقراطية الوليدة، وقد تعاطى البعض مع هذه الأحداث على أهميتها بسطحية شديدة، وحمّل مسؤولية الانقلاب وما تلاه من أحداث للرئيس مرسي وجماعة الإخوان، بزعم أن الرئيس مرسى لم يكن حاسما، أوكان ساذجا كما يحلو للبعض أن يصفه، وأن جماعة الإخوان أدارت البلاد بعقلية التنظيم، وقليل هم الذين فهموا أبعاد العملية الانقلابية، وأن المشكلة ليست فى مرسى والإخوان، بل القضية أكبر من ذلك بكثير.
فعلى سبيل المثال لا الحصر ما الذي يجعل دولة مثل الإمارات تدفع ثلاثة مليارات دولار وعدت بها في حال الإطاحة بمرسي، ثم انهمرت المليارات الخليجية على قائد الانقلاب وعصابته كالمطر بعد ذلك! وذلك لأن الأمريكان والغرب ومن ورائهم الصهاينة وبعض القوى الإقليمية أدركوا أن قيام كيان إسلامي في المنطقة خاصة فى بلد بحجم مصر، سيقلب الموازين رأسا على عقب، لذلك قرروا إفشال الإسلاميين، واعتبروا ذلك مسألة حياة أو موت، حتى لو نجح الإسلاميون وجلبوا التنمية وحولوا البلاد إلى جنة!
فلما وصلت القوى الإسلامية للسلطة، تمت محاصرتها داخليا وخارجيا، حيث توقفت المساعدات الخارجية، وعلى المستوى الداخلي، تم تجنيد أجهزة الدولة العميقة الموروثة عن نظام المخلوع لتعطيل دولاب التنمية، بل تم اختلاق الأزمات لإحداث فوضى عارمة، كما صرح بذلك قارون العصر؛ نجيب ساويرس فى أكثر من مناسبة.
كما أن تصريحات وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة، داعرة بني صهيون تسيبي ليفني، تُبيِّن لنا كيف تم التخطيط للانقلاب؛ فقد قالت: إن السكوت على الرئيس محمد مرسي، ينطوي على خطورة كبيرة، وتوعدته ورئيس الوزراء التركي أردوغان بدفع الثمن وقالت: هناك أشياء غير مقبولة، كل قائد وكل دولة في المنطقة يجب أن يقرروا إما أن يكونوا جزءًا من معسكر الإرهاب والتطرف، أو معسكر البراجماتية والاعتدال، وتعني بمعسكر الإرهاب والتطرف مناصرة القضية الفلسطينية والوقوف مع الحق الفلسطيني، واسترجاع الأراضي المحتلة، أما البراجماتية والاعتدال فتعني الانخراط في المشروع الصهيوني ضد كل أشكال المقاومة والتحرر والوحدة وبناء الأوطان.
وإذا قرر قائد دولة ما مسارا آخر فسيكون هناك ثمن لهذا.
مرسى فى تصريحاته التي قال فيها: إذا أردنا أن نمتلك إرادتنا فعلينا أن ننتج غذاءنا ودواءنا وسلاحنا، تلك العناصر الثلاثة هي ضمان الاستقرار والتنمية وامتلاك الإرادة، هذه التصريحات تجعل كل صاحب عقل سيلم يتوقع أنه سيتم الإطاحة به، إما من الداخل أو الخارج، أو من الداخل والخارج معا، مهما كلف الأمر، كما حدث بالفعل.
ووضح جليا من موقف قائد الانقلاب في التعاطي مع الأزمة الليبية، وقد نقلت صحيفة اليوم السابع الانقلابية نقلا عن مصادر مطلعة (كما هي عادتها) أن الضربة الجوية ضد تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا إثر مقتل عدد من المصريين هناك لن تكون الأخيرة، ضمن سلسلة الضربات المقرر توجيهها إلى الجماعات الإرهابية والعناصر المتطرفة خلال الفترة المقبلة، وسوف تتبعها ضربات وقائية لتأمين الحدود المصرية الغربية من أي محاولات اعتداء!
كما أن التسريبات التي بثتها قناة “ليبيا بانوراما” للمعلم عباس ترامادول مدير مكتب قائد الانقلاب عندما كان وزيرا للدفاع، كشفت عن تعاون سري بينه وبين شخصيات سياسية ليبية للانقلاب على المؤتمر الوطني العام, ناهيك عن الدعم الذي يقدمه الانقلاب بمساعدة دولة الإمارات لخليفة حفتر، والذي لم يعد خافيا على أحد.
وإذا تجاوزنا الأزمة الليبية إلى الثورة السورية، نجد أن قائد الانقلاب يدعم النظام النصيري الأسدي، وصرح بذلك، لأنه يعتبر دعم نظام بشار جزء من مهمة شرطي المنطقة لإفشال ما تبقى من ثورات الربيع العربي، فقد قال فى حواره مع التلفزيون البرتغالي: نحن ندعم الجيوش الوطنية، مثل ليبيا في محاربة الإرهاب”، ولما سأله المذيع: هذا الدعم ينطبق على الجيش الوطني في سورية؟ أجاب نعم، وكان ضمن الدعم للنظام الدموي فى سوريا إرسال ستة عشر طيارا للقتال بجانب مليشيات نظام الأسد.
كما أنه يدعم نظام الطائفي في العراق، مكيدة فى السعودية، بعد توقف الرز السعودي الفاخر، فقد كشف مصدر فى حكومة الانقلاب، عن اتفاق مع بغداد، يزوّد بموجبه العراق الجانب المصري بالنفط، في مقابل دعم سياسي ودبلوماسي مصري لقضاياه.
وإذا انتقلنا إلى اليمن نجد أن الانقلاب تورط فى تزويد الحوثيين باثني عشر زورقا وصواريخ متطورة قادرة على استهداف سفن وبوارج بحرية فى المياه الدولية، ظهرت خلال المناورات التي وقعت بين الحوثيين وقوات البحرية الأمريكية المتواجدة قبالة ساحل باب المندب، وتبين أن البحرية المصرية هي التي سهلت دخول السلاح للحوثيين، وفتحت لهم قنوات اتصال مع المخابرات المصرية.
وبدلا من أن ينهض جيش وعسكر كامب ديفيد للتحرك ضد العدو الحقيقي وهو الجيش الصهيوني، لحماية حدود البلاد الشرقية؛ يخوض حروبا وهمية كنوع من المراهقة العسكرية، كما فعل عبد الناصر من قبل، الذي أنهك الجيش فى حروب اليمن والكونغو وغيرها، ليبقى الزعيم الملهَم، ويستمرَّ حكمُ الفرد المدعوم بالإعلام المأجور.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات