عز الدين الكومي يكتب : ” وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك”

سمعنا وقرأنا قديماً عن علماء السلطان الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم يشرعنون باطل الحكام باعتبارهم أولياء الأمر ، مستدلين بأحاديث أخرجوها عن سياقها لتأكيد انحرافهم .

وقد كثر هذا الصنف في زماننا بصورة مرعبة .
فهذا أحدهم وهو الداعية السعودي”عبد العزيز الريس” يقول : “لو قام الحاكم بالزنا لمدة نصف ساعة ، وشرب الخمر “مباشرة” على التلفزيون الرسمي ، فإنه لا يصح الخروج عليه ، أوانتقاده على العلن” !!!!! .
و “إنه في حال أراد أحد نصح ولي الأمر فلا يذكره بالاسم” .
كما حذر من أي نصيحة قد تدفع الناس للخروج على الحاكم ! .
كذلك رأينا الداعية الإماراتي “محمد بن غيث” يستشهد بحديث منسوب للرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول فيه: “ألا مَن ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة” فقال غيث معلقاً على هذا الحديث : “كلمة شيئاً جاءت نكرة لتعني أن الحاكم يحق له أن يزني ويشرب الخمر ، ويسرق ، ويأكل الربا ، بمعنى قُل ما شئت من الموبقات ما عدا الكفر ، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعته” !!!! .
وغالباً ما يكون مستند هؤلاء حديث حذيفة رضى الله عنه وما ورد فيه من زيادة في صحيح مسلم “اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك” ، بالرغم من أن الدارقطني أعلَّ هذه الزيادة بالإنقطاع وقال : “إن حذيفة مات قبل أن يدركه أبوسلام وأن حديث حذيفة في الصحيحين ليس فيه هذه الزيادة ، ولكن وردت الزيادة بإسناد ضعيف عن أبي داود” .
وكذلك قال النووي في شرح مسلم : (هو كما قال الدارقطني) .
وقال المزي في ترجمة أبي سلام ( روى عن حذيفة ويقال مرسل) ، وقال ابن حجر : “أرسل (أبو سلام) عن حذيفة وأبي ذر وغيرهما”
وحديث جلد الظهر وأخذ المال – الذي هو عمدة علماء وفقهاء السلطان – ليس المقصود منه كما يتوهم هؤلاء أن الحاكم يجلد الظهور ويأخذ الأموال بحق وبدون حق ويفعل كافة الموبقات وأنه لايسأل عما يفعل !! .
ليس هذا هو المقصد ، وإنما المقصد أن هذا الحاكم قضي بمالك بحكم الشرع لخصمك، أويقيم عليك الحد لجناية أو جريمة اقترفتها ففعله هذا بك لا يسقط حق الطاعة الذي له عليك .
ولعل في تطبيقات قضاة الإسلام ما يؤكد هذا المعنى ، فهذا علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين في قضية درعه عند النصراني ، فأقبل به إلى شُريح القاضي يقاضيه ، فقال علي رضي الله عنه للقاضي شريح : درعي فلم أبع ولم أهب ، فسأل القاضي شُريح النصرانيَّ : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قال : ما الدرع إلا درعي ، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب ، فالتفت شُريح إلى علي يسأله في شجاعة أدبية : هل من بينة؟ فضحك عليٌّ وقال : ما لي بينة ، فقضى بالدرع للنصراني ، فأخذها ومشى .
والشاهد هنا أن لا القاضي ولا أمير المؤمنين قالا للنصراني أن هذا ولي الأمر ، فلو جلد ظهرك وأخذ مالك فلاتشكو ولاتئن؟! ولكنه سأل أمير المؤمنين – وليس حاكماً عادياً لدويلة لا قيمة لها – عن البينة !! .
وخذ مثالاً آخر ، عندما كتب أبو جعفر المنصور إلى سوار بن عبدالله قاضي البصرة : “انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر ، فادفعها إلى القائد ، فكتب إليه سوار : “إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر ، فلست أخرجها من يده إلا ببينة”، فكتب إليه المنصور : “والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنَّها إلى القائد” ، فكتب إليه سوار : “والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجنها من يد التاجر إلا بحق” ، فلما جاء الكتاب قال المنصور : “ملأتها والله عدلًا” ، وصار قضاتي يردونني إلى الحق ردًّا” .
وهنا انصاع الخليفة لأمر القاضي ولم يقل الخليفة أو القاضي أن ولي الأمر يسلب المال بدون بينة أو يلهب الظهور بغير حق .
وقبل هذا وذاك فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يعدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو غير مستويٍ في الصف، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالعدل، فأقدني قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم استقد قال: يا رسول الله إنك طعنتني وليس علي قميص قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: استقد قال: فاعتنقه، وقبل بطنه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضرني ما ترى، ولم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير))
فهل غاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكِّر هذا الجندي بأنه ولي الأمر الذي لا يحق لأحد أن يراجعه أو يقتص منه وما على الجندي إلا السمع والطاعة .
فإلى متى يبقى مدّعي العلم هؤلاء يمارسون الدجل باسم الدين لنشر ثقافة الخنوع والخضوع ، بزعم أن من يعارض الطغاة ويفضح ممارساتهم ويكشف فسادهم من الخوارج ؟ ليبقى الحاكم الفاسد سيفاً مصلتاً على رقاب العباد ؟؟ !!
د/عزالدين الكومي

شاهد أيضاً

حماس في ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي: جرائم الاحتلال لن تسقط بالتقادم

 أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس، يوم الأربعاء، أنَّ جرائم الاحتلال لن تسقط بالتقادم ولن تفلح …