موت حسني مبارك صباح الثلاثاء يذكرنا بوضع النظام السلطوي المصري. فالرجل الذي عاشت مصر في ظله ثلاثين عاما، وظل العالم يحسب حساب وفاته لمدة عشرين عاما، توفي في هدوء بعد أن فقد دوره بسنوات عديدة.
أنا من الجيل الذي كان في المدرسة الثانوية وأنور السادات رئيسا. والسادات معروف في الأوساط الدولية باعتباره قائد شجاع حقق لبلاده السلام والتحديث، ولكنه كان في نظر الكثير من المصريين مستبدا نرجسيا، سجن من عارضوه، وترأس منظومة من الفساد أثرت الأغنياء، واهتم بتلميع صورته في الخارج باستخدام مظاهر تحديثية كاذبة في حين غرقت البلاد في التحلل. وحين اغتيل، تنفس الكثيرون من أبناء جيلي الصعداء.
أكدت سنوات مبارك الأولى في الحكم هذا الشعور بالارتياح، فقد أطلق سراح المعتقلين السياسيين، وتخلى عن المظاهر الكاذبة لسلفه، وطارد رموز الفساد، ووضع إصلاح الاقتصاد والبنية التحتية المنهارة في بؤرة الاهتمام العام. لكن هذا الشعور لم يدم: فالنظام السلطوي الذي قاده السادات، ومن قبله جمال عبد الناصر، ظل كما هو.
كان مبارك واعيا تماما لمحدودية قدرات مصر، فلم يحاول السعي خلف الطموحات العظيمة التي سعى لها من سبقوه. لكنه كان أيضا واعيا لإحساس المصريين العميق بالكبرياء. وبدلا من أن يحاول إعادة هيكلة النظام السياسي السلطوي كي يطلق الطاقات الكامنة في المجتمع وينمي الإمكانيات المصرية، اختار الطريق الأسهل: أن يبقى البلاد طافية على سطح الماء، ويملأ المسافة الفاصلة بين واقعها المتردي وكبريائها من خلال الحفاظ على المظاهر.
ولهذا لم تأخذ مصر في عهد مبارك خطوات جادة في أي اتجاه بل ظلت تطفو في مكانها، وهو الخيار الأكثر أمانا في ظل جمود النظام السياسي وعجزه عن ترجمة رأس مال المجتمع وجوانب قوته إلى تنمية متواصلة.
وهذه هي تحديدا مشكلة حكم مبارك؛ فبينما تفاقمت مشاكل مصر، تضاعف عدد سكانها وتغيرت توقعاتهم وتوجهاتهم. ولم يكن النظام السياسي الذي ورثه مبارك عاجزا عن قيادة التنمية فحسب، بل كان أيضا أضيق من أن يحتوي الصراعات السياسية والاجتماعية. ونتيجة لحرص النظام الدائم على تفادي القرارات الصعبة، ظل ينحي جانبا مسألة إصلاح النظام السياسي. وهكذا قضت مصر ثلاثين عاما في حالة مستمرة من “إدارة الأزمات”: كأن لم يكن هناك وقت لفعل أي شيء ذي معنى؛ مثل النظر في تغيير المسار أو تبني إصلاحات سياسية واجتماعية جذرية.
لكن التغيرات الاجتماعية والثقافية تسارعت منذ التسعينات. وأدى انتشار الفضائيات ثم الانترنت لتوسيع عملية التنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة وكسر احتكار الدولة لصياغة السلوك السياسي والاجتماعي. وأدى التواصل المباشر مع العالم لاكتشاف شباب مصر لنسق قيمي وسلوكي مختلف تماما – وكذلك لحقائق سياسية مثل شيوع الانتخابات الحرة في كل مكان – حتى في البلاد الخاضعة للاحتلال – لكن ليس في مصر. وهكذا اتسعت الهوة بين النظام السياسي وبين توقعات الأغلبية من الدولة. وظل النظام يطفو، مستخدما مزيجا من القمع والانسحاب والاستمالة والتخويف من التطرف الإسلامي.
لكن المظالم كثرت والضغائن تراكمت خارج إطار النظام السياسي حتى وصلت الأمور لنقطة اللاعودة في فبراير ٢٠١١ حين أرغم الجيش مبارك على التخلي عن سلطاته لمجلس قيادي عسكري. وهو نفس الأمر الذي تكرر في ٢٠١٣ حين أطاح العسكريون بالرئيس محمد مرسي بعد عام من توليه. الأمر المثير للسخرية أن هؤلاء الرؤساء ذهبوا في حين بقي النظام السلطوي المسئول عن كل هذه المشاكل في مكانه.
اليوم، مازال النظام السلطوي المصري عاجزا عن القيام بوظائفه الحيوية، لكنه باق في مكانه نتيجة قمع مفرط وخوف من البديل. يدرك العسكريون الذين يحكمون مصر منذ عام ١٩٥٢ ان استراتيجية مبارك بالطفو في المكان لم تعد صالحة، لكنهم بدلا من أن يصلحوا النظام السياسي المنهار، يعملون بهمة ونشاط على إعادة هيكلة المجتمع كي يتلاءم مع السلطوية الفاشلة.
تماما مثل مبارك، فقدت السلطوية المصرية دورها منذ سنوات عديدة. السؤال هو متى يتسنى لنا دفنها؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات