على مدى عقود، كان رفض (إسرائيل) ورفض الاعتراف بها، أساسًا للسياسة العربية، وتوحيد البلدان المتصارعة ضد عدوٍ مشترك.
لكنّ المواقف بدأت تتغير في بعض أجزاء العالم العربي خلال السنوات الخمس الاخيرة، وقد أشار محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، مؤخرًا إلى درسٍ للتعايش من الماضي الإسلامي.
قال «العيسى»، وهو وزير سابق للعدل في السعودية: «كان جار النبي صلى الله عليه وسلم يهوديًا، وعندما مرض اليهودي، زاره النبي وواساه بكلماتٍ طيبة»، وأضاف أنّ «المتشددين لا يرغبون في معرفة ذلك».
أصبحت هذه النبرة الجديدة تجاه اليهود، وبدرجة أقل تجاه (إسرائيل)، بارزة بشكلٍ خاص في دول الخليج، بقيادة المملكة العربية السعودية، وبالنسبة لهذه الدول السنية الغنية، فإنّ إيران الشيعية الفارسية هي التي تشكل التهديد الأكبر لمصالحها حاليًا، وبالتالي فإنهم ينظرون إلى الدولة اليهودية، وهي عدو للنظام في طهران ووكلائها الإقليميين، بما في ذلك ميليشيا حزب الله، كحليفٍ بحكم الأمر الواقع.
وقد بدأت هذه الشراكة المستبعدة في التشكل مع صعود ولي ولي العهد السعودي الجديد «محمد بن سلمان»، مهندس الحرب اليمنية، الذي يرغب في ردٍ أشد قوة على إيران، وقد تلقت زخما جديدًا منذ انتخاب دونالد ترامب، المرشح الأمريك المفضل لـ (إسرائيل) ولدول الخليج كذلك.
وقال اللواء «أحمد عسيري»، مستشار وزير الدفاع السعودي في فبرايرالماضي: «لدينا نفس العدو ونفس التهديد”. وأضاف: “ويعد كلانا حليفًا وثيقًا للأمريكيين».
دول الخليج وحماس
ويقال إن ضغوط دول الخليج، لعبت دورًا رئيسيًا في قرار حركة حماس مؤخرا، برفع خطابها المعادي لليهود من ميثاقها المعدل، وقد سخرت (إسرائيل) من هذه التغييرات، مشيرةً إلى أنّ حماس قد أبقت على هدفها المتمثل في تحرير كامل فلسطين التاريخية، الأمر الذي يعني القضاء على الدولة اليهودية.
ومع ذلك، أشاد بعض المسؤولين الإسرائيليين بتحول دول الخليج مع حماس، وقال «أيوب قرا»، وهو عضو في حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو»، وهو الوزير العربي الوحيد في الحكومة:«كان معظم الدعم الذي تحصل عليه حماس من السعودية والخليج في الماضي».
وتشكل دول الخليج أيضًا الرأي العام في جميع أنحاء العالم العربي، حيث أنّ معظم القنوات التلفزيونية المؤثرة والصحف العربية مملوكة للسعوديين أو القطريين أو الإماراتيين، وقال «أحمد الإبراهيم»، رجل الأعمال السعودي: «في التلفزيون، لم نعد نسمع العبارات المعتادة، مثل (العدوان الإسرائيلي)، يتعلق الأمر الآن بالعدوان الفارسي».
لكن لا يزال التعاطف مع القضية الفلسطينية ورفض (إسرائيل) عميقًا في المنطقة، لاسيما في البلدان البعيدة عن إيران التي لا تعتبرها تهديدًا كبيرًا، وتنتشر هذه المشاعر على نطاقٍ واسعٍ بين شعوب دول الخليج أيضًا، لذلك فإنّ معظم التعاون الأخير مع (إسرائيل)، والذي يركز على الاستخبارات والمسائل الأمنية، قد حدث سرًا.
ولكن بعض الخطوات الصغيرة كانت علنية، وقام وفدٌ سعوديٌ غير رسمي، برئاسة جنرال متقاعد بزيارة القدس العام الماضي، والتقى مسؤولين إسرائيليين، وقد سمحت الإمارات ببعثة إسرائيلية صغيرة إلى وكالة الطاقة المتجددة التابعة للأمم المتحدة ومقرها أبوظبي، ويدرس المسؤولون الإماراتيون ما إذا كانوا سيسمحون بمشاركة إسرائيلية منخفضة المستوى فى معرض إكسبو العالمي عام 2020.
تسريع وتيرة التطبيع
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية من جهتها قالت إن دولا خليجية صاغت اقتراحا يقضي بتطبيع العلاقات مع (إسرائيل) في حال قامت حكومة نتنياهو ببوادر إيجابية تجاه الفلسطينيين من بينها تجميد البناء الاستيطاني في أجزاء من الضفة الغربية، وتخفيف القيود على التجارة في قطاع غزة.
ونقلت الصحيفة عن تقارير أمريكية، أن الاقتراح جاء في وثيقة تم إعدادها خلال نقاشات مع عدد من الدول العربية تقودها السعودية والإمارات لتسريع وتيرة التطبيع.
وبحسب الصحيفة، تقترح الوثيقة اتخاذ خطوات من بينها إقامة خطوط اتصال مباشرة بين (إسرائيل) وعدد من الدول العربية والسماح للطيران الإسرائيلي بالتحليق في أجواء دول الخليج وإزالة القيود على التجارة مع (إسرائيل)، بالإضافة إلى دراسة خطوات تشمل منح تأشيرات للرياضيين ورجال الأعمال الإسرائيليين الذين يرغبون في زيارة الخليج.
وتطالب الوثيقة في المقابل (إسرائيل) باتخاذ خطوات هامة لدفع العملية السياسية مع الفلسطينيين وبشكل خاص تجميد الاستيطان خارج الكتل الاستيطانية الكبيرة.
ويهز هذا التآكل في العداء العربي لـ (إسرائيل) العديد من الفلسطينيين، وقال أمين الكتلة العربية في البرلمان الإسرائيلي، «أيمن عودة»: «أؤيد التطبيع بين (إسرائيل) وجميع الدول العربية بعد دقيقة من إقامة دولة فلسطينية مستقلة»، وأضاف أنّ «الاتفاقات بين (إسرائيل) والدول العربية قبل حل مسألة فلسطين ستضعف القضية الفلسطينية».
ويتغاضى الكثيرون في الخليج عن مثل هذه الاعتراضات، وقال «أحمد الإبراهيم»: «تريد السعودية دائمًا دعم القضية الفلسطينية، وقد تفاوضت نيابةً عنهم، وأنفقت الكثير من المال نيابةً عنهم، لكن للأسف، لا يريد الزعماء الفلسطينيون التوافق ولا يعملون لصالح شعبهم، لا يمكنك فقط أن تقول لا لكل شيء» .
يذكر أن (إسرائيل) تفرض حصاراً خانقاً على قطاع غزة منذ أن نجحت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية عام 2006، ثم عززت الحصار بعد سيطرة حماس على القطاع في يونيو 2007. ويشتمل الحصار منع أو تقنين دخول المحروقات والكهرباء والكثير من السلع.
وخلال الأشهر القليلة الماضية تنامت العلاقات بين (إسرائيل) وعدة دول خليجية على رأسها الإمارات ثم السعودية وكذلك الكويت.
ففي أكتوبرالأول 2016، شارك السفير «الإسرائيلي» بالأمم المتحدة، «داني دانون» في أعمال المؤتمر الدولي للتنمية الذي استضافته إمارة دبي، وحضر «دانون» المؤتمر بصفته الرسمية كرئيس لجنة القانون في الأمم المتحدة، بيد أنه لم يُخفِ هويته كدبلوماسي «إسرائيلي».
وفي نوفمبر 2015، افتتحت تل أبيب ممثلية دبلوماسية لها لدى وكالة الأمم المتحدة للطاقة المتجددة (آيرينا) في أبوظبي.
وكانت مشاركة الرئيس الإسرائيلي الأسبق، «شيمون بيريز»، في افتتاح مؤتمر أمني انعقد في مدينة أبوظبي في بداية نوفمبر 2013، بحضور 29 من وزراء خارجية الدولة العربية والإسلامية، الصورة الأبرز للتطبيع «الإسرائيلي» والإماراتي، وهي الصورة التي لم يتناولها الإعلام العربي ولا الإماراتي، فيما حرص الإعلام الإسرائيلي على إبرازها.
والعام الماضي، أثارت زيارة ضابط المخابرات السعودي السابق اللواء «أنور عشقي» لـ«إسرائيل» جدلا واسعا، على المستوى السياسي والإعلامي، لا سيما أن الرجل معروف بقربه من دائرة صناعة القرار في البلاد، وقد شغل سابقا عدة مناصب رفيعة في الجيش السعودي، وفي وزارة الخارجية السعودية.
و«عشقي» البالغ من العمر 73 عاما، يعمل رئيسا لـ«مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية» في جدة والمستشار السابق للأمير بندر بن سلطان, السفير السابق في الولايات المتحدة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات