على خطى انقلاب السيسي.. هذا مافعلته الثورة المضادة في تونس

كالمعتاد تُتبع الثورات الناجحة بمجموعةٍ من التحركات التي تحاول استعادة الأوضاع والمصالح التي كانت في فترة ما قبل الثورة، وهذه التحركات سميت «الثورة المضادة»، والتي تهدف إلى إبطال ما أحدثته الثورة من تغيرات في الأوضاع السياسية والديموقراطية وأحيانًا العسكرية.

في 15 يناير 2011، خرج الوزير التونسي الأول محمد الغنوشي كي يدلي بخطاب معلنًا شغور منصب رئيس الجمهورية ورحيل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى السعودية، الخطاب الذي كان بمثابة اعتراف بنجاح ثورة الياسمين التونسية التي ألهبت شرارة «الربيع العربي»، الذي عمد بنسائمه إلى ميدان التحرير في القاهرة، الميدان الذي نجحت من خلاله الثورة المصرية في خلع الرئيس المصري محمد حسني مبارك، وبعد القاهرة أصبح الربيع العربي خريف معمر القذافي الذي فقد حُكمه وروحه على يد ثوار ليبيا بعد أن شغل منصب الرئيس «الزعيم» لأكثر من 40 عامًا، ومن شمال أفريقيا عمت نسائم الربيع على اليمن ليحقق الربيع العربي آخر مكاسبه بإسقاط الرئيس اليمني علي عبد الله صالح.

وقد قوبل الربيع العربي في كل دولة من الدول الأربعة: «تونس ومصر وليبيا واليمن» بثوراتٍ مضادة استطاع بعضها تحقيق انقلابات على ثورة الربيع مثلما حدث في مصر وليبيا وما يُخطط له أن يحدث في اليمن، وهذه الثورات المضادة لا تتلقَّى دعمًا داخليًّا فقط بل دعمًا خارجيًّا أيضًا من بعض الأنظمة الخليجية التي تخشى أن ينهي الربيع العربي حكمها، وبالأخص السعودية والإمارات، أما السعودية فغرقت أكثر في حروبها مع إيران في سوريا واليمن بالإضافة إلى مشكلاتها العائلية والانقلابات الداخلية التي تمت في قصر آل سعود مؤخرًا.

الثورة التونسية “ثورة الياسمين”

كانت الثورة التونسية في يناير 2011، بمثابة إشارة البدء لثورات الربيع العربي، عندما واجه شاب تونسي هو محمد البوعزيزي ما يلقاه شباب كثيرون مثله من ظلم وتهميش، ما دفعه إلى الانتحار حرقاً أمام مقر المحافظة في سيدي بوزيد، في رسالة صادمة من شباب تونس إلى السلطة القائمة، يعلن فيها عدم استعداده لتقبّل الأمر الواقع وخروجه لكتابة فصل جديد من حياته، قبل أن يقود ذلك الحدث إلى انتفاضة التونسيين وهروب الرئيس في ذلك الحين، زين العابدين بن علي، من تونس، يوم 14 يناير 2011، لتدخل البلاد في طور جديد مختلف من تاريخها، يقودها إلى مصاف الدول الديمقراطية التي تقوم على المؤسسات وتعود إلى الشعب ليختار من يحكمه في انتخابات نزيهة وشفافة.

لا أحد كان يتصور رحيل ابن علي بتلك السرعة والمباغتة؛ بعد أن حصن نظامه بقوة الأجهزة البوليسية الضاربة، وجيش من المخبرين، وحالة قمع واسعة شملت مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.

بدأت الثورة انتفاضة احتجاجية، مدفوعة بالشعور بالفقر والحرمان وسطوة النظام وأجهزته وحزبه الحاكم.

لكنها ما فتئت أن أخذت بعدًا سياسيًا واضحًا مع تبلور الشعارات والمطالبة السياسية بصورة تدريجية ومتزايدة، خصوصًا مع انتقالها إلى مراكز المدن الكبرى، وإصرار المتظاهرين على إسقاط النظام، والتصميم على رحيل ابن علي.

وقد برز ذلك بصورة واضحة مع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” المستلهم من قصيدة أبي القاسم الشابي، ثم كلمة “ديقاج” الفرنسية أو “ارحل”.

الثورة المضادة 

مثّل سقوط زين العابدين بن علي في تونس، صدمة استراتيجية فعلية للقوى الدولية المتحكمة بمصائر المنطقة منذ عقود، ما بدا واضحاً في مواقف مرتبكة أبدتها هذه القوى المتنفذة، حيث لم تخف وزيرة خارجية فرنسا آنذاك، ميشال آليو ماري، رغبتها في دعم نظام بن علي، وأعلنت بوضوح، يوم 12 يناير 2011، استعداد بلادها لإرسال قوات أمنية لدعم نظامه في مواجهة المتظاهرين، وهو قرار لم يحل دونه إلا فرار بن علي نفسه، بعد يومين فحسب من التصريح.

وكان بن علي “كنزاً استراتيجياً” للكيان الصهيوني، واعتبر سقوطه لحظة مؤثرة، ستشكل خطرًا على أمنه الاستراتيجي، بل وحتى أفق بقائه المستقبلي.

 من هنا، عمدت هذه الدول الكبرى إلى الدفع بقوى محلية، من أجل وقف أي محاولة لتغيير بنية التحالفات في المنطقة، ونتذكر الموقف الفرنسي الحاد من تصريح وزير الخارجية التونسي السابق، رفيق عبد السلام، من التدخل الفرنسي في مالي، وهو موقف جعل القوى الموالية لفرنسا تصر على ضرورة مغادرته منصبه. وفي مصر، كان لموقف الرئيس محمد مرسي من العدوان الصهيوني على غزة دور في تقرير مصيره اللاحق، فما كان لأميركا أن تقبل بوجود قيادة مصرية تحتضن حكومة حماس في غزة، وتدعمها في مواجهةٍ، خرج منها الكيان الصهيوني خاسراً. 

ومن هنا، بدأ تحريك أدوات إقليمية لضرب النسق الثوري في المنطقة العربية، حيث كان من الطبيعي أن ينزعج عسكر الجزائر من ديمقراطية ناشئة في تونس، أوصلت الإسلاميين إلى السلطة، وهو الذي انقلب عليهم في بلاده سنة 1992، فاتحاً المجال أمام سنوات دامية في غاية الشناعة، الأمر نفسه الذي انطلقت منه دول، مثل السعودية والإمارات، فقد رأتا في الثورات العربية المتتالية تهديداً فعلياً.

إعلام مضاد

مثلما مثّل الإعلام البديل (إنترنت، فيسبوك، تويتر .. فضائيات حرة) منبراً مهماً وعاملاً أساسياً، في إنجاح الحراك الشعبي في بداياته، وتعرية أنظمة الاستبداد وضرب صدقية الإعلام الرسمي، فقد كان للإعلام المضاد دوره المركزي في التحريض على إنجاح الثورة المضادة، وهو أمر تجلى في تسويق لغة الإحباط، حيث سرعان ما تتراكم المشكلات على الثورات الناشئة، وتتراجع الآمال الطوباوية التي بناها قطاع واسع من الناس في أذهانهم، عن حالة الرخاء الآتية.

 وبما أن وقائع الثورات تكشف أنه “مثلما يجلب الفقر الثورة، فإن الثورة تجلب الفقر”، كما يقول روسو، فإن الثورة المضادة تستفيد من الوضع الناشئ للتحريض، وإيجاد حالة من “النوستالجيا” المبالغ فيها للنظام المنهار، وهو دور لعبته قنوات فضائية وصحف ومجلات استغلت جو الحرية السائد، وغياب محاسبة حقيقية، في تونس وفي مصر، لتدعو علناً إلى إسقاط الحكام الجدد في لحظة أولى، والإعداد لعودة بنية النظام القديم بوجوه جديدة ـ قديمة.
 
وبالفعل، تمكن إعلام الثورة المضادة من تزييف الوعي العام، بصورة قوية، وكاد ينجح في إلغاء أي شعور بضرورة بناء تجربة سياسية جديدة، لولا وجود الإعلام البديل الذي شكل فرصة لنشطاء ومواطنين، لتبادل الآراء وصناعة رأي عام مضاد، سمح بتواصل جذوة الحرية في النفوس، سواء عبر تنظيم حراك شعبي واسع في الشارع المصري ضد الانقلاب، أو في توعية قطاع عريض من الناس في تونس، إلى خطورة ما تقود إليه قوى الثورة المضادة بمختلف تشكيلاتها.

دور الإمارات

في يونيو 2017، صرّح الصحافي صالح عطية مدير موقع «الرأي الجديد» في إحدى الفضائيات التونسية وقال: هناك 30 ضابطًا ينتمون لجهاز المخابرات الإماراتي وصلوا إلى تونس تحت عنوان صوري «حماية السفير الإماراتي» -طبقًا لرأيه – وتابع حديثه بأن هؤلاء الضباط ما هم إلا محاولة جديدة من الإمارات العربية المتحدة لإفشال العملية الديمقراطية التونسية.

ولم تكن هذه هي الحادثة الأولى من نوعها التي تُبادر فيها الإمارات إزاء تونس، فمنذ اندلاع الثورة التونسية التي ألهبت شرارة الربيع العربي واظبت الإمارات على لعب دورها الذي اعتادت أن تلعبه ضد الثورة من عرقلة الديمقراطية من ناحية ودعم الثورات المضادة من ناحيةٍ أخرى، وكان أوّل موقف رسمي أخذته أبوظبي ضد تونس كان بعد موقف تونس من رفض عزل الرئيس المصري محمد مرسي على يد الجيش المصري بقيادة وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي؛ إذ أنها أوقفت إصدار التأشيرات للمواطنين التونسيين وأوقفت مشروع شركة سما دبي الاستثماري الضخم الذي كان من المقرّر أن يبدأ في تونس عام 2013، وكما اعتدنا من الإمارات هناك دائما وجوه وشخصيات سياسية تلعب بهم ضد من يمثل الربيع العربي، وأشهر تلك الشخصيات السياسية في تونس: «محسن مرزوق».

اتخذ محسن مرزوق جبهة الإمارات كثيرًا في السنوات القليلة الماضية في محاولةٍ منه لشغل مكانة السبسي عند الإمارات، فأثناء الانتخابات الرئاسية الماضية حاولت الامارات بشتّى الطرق مساعدة الباجي قائد السبسي للوصول إلى كرسيّ الرئاسة على أمل أن يحقق أجندتها في مواجهة الثورة التونسية، ولكنه أدار ظهره لهم عندما وصل إلى الحكم، مما مهد الطريق أمام محسن مرزوق لكي يصبح هو رجل الإمارات في اللعبة السياسية في تونس، ومنذ فترة نشر موقع عربي 21 وثيقة يقال إنها مسربة من مكتب السفير الإماراتي تفيد أن جبهة إنقاذ تونس «حزب مشروع تونس وحزب الاتحاد الوطني الحر» تطلب من السفير الحصول على الدعم المادي من الإمارات من أجل الوقوف في وجه تمدد حركة النهضة أو الإسلام السياسي في تونس، وإن صحت هذه الوثيقة فهذا دليل على أنّ جبهة الإنقاذ سوف تكون الجسر الذي  تقدم من  خلاله الامارات الدعم  لمحسن مرزوق.

ومنذ أن قرر محسن مرزوق أن ينضم لمعسكر الإمارات، ربطته علاقات وطيدة بمجموعة من السياسيين والمسؤولين العرب الذين تتوافق أجندتهم مع أجندة الإمارات لدعم الثورات المضادة، وعلى سبيل المثال علاقته بخليفة حفتر الرجل الذي تدعمه الإمارات بالسلاح والتمويل في ليبيا، وعندما تحقق مُراد الإمارات بوصول عبد الفتاح السيسي لمنصب رئاسة الجمهورية؛ قدم محسن مرزوق من تونس لتهنئة الرئيس الجديد في قصر الاتحادية بالقاهرة.

بجانب ذلك، يمتلك محسن مرزوق تاريخًا يصفه البعض بـ«المشبوه»، وذلك لعدَّة أسباب أهمها أنه في العام الماضي عندما خرجت للعالم تسريبات بنما، جاء محسن مرزوق على رأس قائمة التونسيين الذين انخرطوا مع شركة «موساك فونسيكا» في بنما، إذ إن مرزوق أرسل لهم بريدًا إلكترونيًّا عام 2014 ليسألهم عن إمكانية إنشاء شركة خارج تونس دون وجود تتابعات ضريبية.

ويمكن القول أنه بالرغم ما حققه التحرك المضاد لثوراتٍ الربيع العربي، إلا أن الثورات المضادة لم تجد توازنها إلى اليوم، ولم تحقق نجاحاً كبيراً، لكنها لازالت، على الرغم من كل شيء، متواصلة، وما يؤسف له أن قوى سياسية ترفع شعارات ثورية تخندقت في مواقع الثورة المضادة، من حيث الممارسة والواقع، وإن ظلت تجتر شعارات قديمة، تناقض حتى المنطق الداخلي للإيديولوجيات التي تتبناها، شكلاً ومضموناً. ونختم، هنا، بما كتبه ماركس، في مطلع كتابه “الثامن عشر من برومير إلى لويس بونابرت” (1851)، أن “تقاليد جميع الأجيال الغابرة تثقل كالكابوس على أدمغة الأحياء، وحتى عندما يكونون مشغولين بتحويل أنفسهم، والأشياء من حولهم، وإيجاد شيء ما جديد كلياً، فإنهم، تحديداً، في هذه الحقب من الأزمة الثورية يستعيدون، بخشية، أرواح الماضي، وأسماءها وشعاراتها ولباسها، للظهور على المسرح الجديد للتاريخ، تحت هذا التنكر المحترم، وهذه اللغة المستعارة”. 

فليس كل من رفع شعار الثورية ثورياً، وليس من اجتر ماضياً ثورياً هو بالضرورة من يدفع بالحراك الثوري إلى مداه الأقصى، فشعارات وأسماء كثيرة ليست إلا صيغة من صيغ الخداع والتمويه، قد تخدع بعض جماهير الشعب بعض الوقت، لكنها سرعان ما تنهار، مثل كل الأوهام 

شاهد أيضاً

الاحتلال يمارس أعنف عمليات القمع بحق الأسيرات بسجن الدامون

أفاد مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين، اليوم الخميس، بأنّ إدارة سجن الدامون الإسرائيلي “نفذت في الـ …