تحل اليوم الإثنين 14 ديسمبر 2020، الذكرى الـ25 لانتهاء حرب البوسنة والهرسك، والذي راح ضحيتها آلاف البوسنيين واغتصاب الآلاف من البوسنيات على مسمع ومرآي العالم.
وتتحدث الصحفية البوسنية بشبكة الجزيرة ألما ميليشيتش، عن ذكرياتها تحت حصار سراييفو (عاصمة البوسنة والهرسك) خلال حرب البوسنة.
تقول ميليشيتش: ولدتُ في سراييفو في يوليو/تموز عام 1991، قبل 9 أشهر من اشتعال حرب البوسنة. كان الحصار حديث الناس الوحيد، لذلك لم يكن مفاجئًا أن تكون كلمة (Opsada) (ومعناها حصار باللغة البوسنية) من بين الكلمات الأولى التي نطقتها.
حزم والداي المتزوجان حديثًا، ولديهما طفلتان صغيرتان، أغراضهما وتركا منزلهما الجديد طلبا للنجاة.
كانت سراييفو تحت الحصار الذي تحول فيما بعد ليصبح أطول حصار في تاريخ الحروب الحديثة، وكان الخيار الوحيد المتاح لوالدي هو التنقل من بلدية إلى أخرى في أنحاء المدينة، قبل أن يستقر بهما المقام في إحدى القرى الواقعة على جبل إيغمان قرب سراييفو.
كان أبي شاعرا طموحا في ذلك الوقت، أجبرته الحرب على تحويل شعره إلى شكل من أشكال الصحافة الشعرية، وسرد الأحداث ونقلها عبر الإذاعة المحلية. وقد كتب مئات التقارير والقصائد والملاحظات من الميدان على مدى سنوات الحرب.
اضطر والديّ فيما بعد إلى العودة إلى منزلهما في سراييفو بعد تعرض جبل إيغمان لهجوم عام 1993.
كان أبي قد التحق بالخدمة في الجيش آنذاك، لذلك بقيت أنا وأمي وأختي وحدنا، ولم يعد العيش في منزلنا آمنًا، فانتقلنا للعيش مع الجيران في البيت المقابل لمنزلنا مباشرة.
وكان منزل الجيران يحتوي على قبو حيث تعيش عائلات عدة، بما في ذلك عائلتنا. وكانت ذكرياتي الخاصة عن الحرب قد بدأت تتشكل في ذلك الوقت.
كانت نوافذ بيت الجيران الذي انتقلنا للعيش فيه مغطاة بأكياس الرمل، وشعاع الضوء الوحيد الذي كنا بالكاد نراه نراه كان يتسلل من باب المدخل الذي كان مغلقًا في أغلب الأوقات.
وغالبًا ما كنت أقوم بفتح الباب عندما لا يكون هناك من يراقبني، لأتأمل بيتنا وأتخيل كيف سيكون شعور العيش في مكاننا الخاص.
وتضيف ألما ميليشيتش: في الحرب يمكن أن تكون على بعد أمتار قليلة من منزلك، ولكنك تعيش في المنفى. وقد نما الشوق إلى منزلنا القديم على مدى العامين التاليين لانتقالنا منه. كنتُ وأختي نقضي ساعات عديدة مصغيتين إلى قصص والدتنا عما ستكون عليه حياتنا عندما نتمكن من العودة إلى بيتنا.
كان هناك نقص حاد في الطعام والأوراق النقدية في سراييفو آنذاك، ولكن كان هناك الكثير من السجائر، كنا نقايض 5 علب سجائر بكيلوجرام واحد من السكر، و20 علبة سجائر مقابل كيلوجرام من القهوة.
رافقت والديّ مرات قليلة في رحلاتهما عبر نفق سراييفو المعروف باسم “نفق الحياة”. كان الطريق الوحيد للدخول إلى المدينة والخروج منها، وكانا يحملان معهما حقيبة مملوءة بالسجائر على أمل مقايضتها بأي نوع من الطعام.
كان النفق ضيقًا، وكثيرا ما كان رأسي يصطدم بسقفه وتلامس جدرانه يداي، لكنني كنت بين ذراعي أبي ولم أكن أبالي بأي من ذلك.
كان أبي يجلب معه الحلوى والتفاح ومجموعة من الصحف التي تحوي كتاباته الجديدة في كل مرة يزورنا.
وبحلول عام 1995 أصبح الورق في البوسنة نادرا جدا، فكان أبي يجمع علب السجائر المستعملة ويكتب عليها.
وفي الـ19 من يوليو/تموز من العام نفسه، بعد أيام قليلة من عيد ميلادي الرابع، أصابت قنبلة يدوية منزلنا وأخذت معها الأمل الأخير في العودة إليه في أي وقت قريب.
وشهد ذاك العام منعطفا مهما آخر في حياتي، فقد انضممت إلى أبي لأول مرة في مقابلة عبر الراديو. لم أكن أستطيع القراءة وقتئذ، ولكن بفضل حفظي لمعظم كتاباته، شاركت معه في دور الشاهد على الحرب خلال 6 أشهر.
ومع التوقيع الرسمي على معاهدة دايتون للسلام، في الـ14 من ديسمبر/كانون الأول عام 1995، كتب أبي تقريره الأخير، وبعد انتهاء الحرب بعامين، نشر كتابه الأول.
قلت لأبي فيما بعد “عندما أكبر سأكون صحفية”، فأجاب “آمل ألا تضطري إلى تغطية الحرب مرة أخرى”.
معاناة مسلمي البوسنة والهرسك
يقول موقع “قصة الإسلام”: “منذ أضحت البوسنة والهرسك تحت إدارة النمسا بنص معاهدة برلين، والمسلمون يتعرَّضون للحروب المستمرَّة من عصابات الجوار الصليبية، وعلى الرغم من أنَّ معاهدة برلين نصت على احترام حقوق المواطن دون تمييز، فإنَّ المسلمين لم يسلموا من حرب التصفية المستمرَّة على أيدي العصابات الصربية والكرواتية المدعومة من النمساويين والهنغاريين.
هذه التصفية أخذت أشكالًا مختلفة خلاف القتل والتصفية البدنية، مثل: الضغوط المادية، والمعنوية، والحرمان من الحقوق المدنية.
ولمَّا كان سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى منبثقًا من الصرب الذين قتل أحدهم ولي العهد النمساوي، فقد دفع مسلمو المنطقة الثمن غاليًا؛ إذ قتل كثير منهم وتعرضوا للإهانة ومصادرة الأراضي. وهو ما تكرر في الحرب العالمية الثانية بتوسع أكبر؛ إذ أصبح المسلمون متهمين من الجميع، واتهمهم الصرب بموالاة المحور؛ وبالتالي فهم يستحقون القتل، كما اتهمهم الكروات بموالاة الصرب!!
وفي أثناء الحرب العالمية ساعدت ألمانيا النازية حليفتها كرواتيا لتضم البوسنة والهرسك إليها، ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلًا؛ فقد شكَّل تيتو سنة (1943م) حكومةً مؤقتةً مهَّدت لإنشاء يوغسلافيا الاتحادية وريثة المملكة الصربية، تلك الدولة الاتحادية التي وضعت أول لبنات تأسيسها بعد الحرب العالمية الأولى، وضمت ستَّ جمهوريات هي: (صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، مقدونيا، الجبل الأسود، والبوسنة والهرسك)، وقد أُلحقت بيوغسلافيا سنة (1945م).
قضى الشيوعيون في يوغسلافيا على الحركات الإسلامية كحركة “الشباب المسلم” سنة (1949م). وكانوا يلقون بالمسلمين أحياء في آبار طبيعية، و يضربون الأطفال الضعفاء على الصخور، و يذبحون من عاش منهم ويلقون بالجثث دون دفن.
وفي دستور (1974م) اعترفت الدولة اليوغسلافية الشيوعية بالقومية الإسلامية، إلا أن الاعتراف لم يلغ العصبية الصربية الهائجة وأطماعها الممتدة إلى بناء صربيا الكبرى، لكن ما لبثت الجمهوريات اليوغسلافية الست في التفكك والانفصال بعد وفاة تيتو، وبدء انهيار الشيوعية في شرق أوروبا عام (1988م). وكانت صربيا المنتفع الوحيد من جمهورية يوغسلافيا؛ فالجيش النظامي صربي في معظمه، والنسبة الكبرى من كبار الموظفين والقادة كانت صربية.
وبذلك فقد أعلنت سلوفينيا في (4 يوليو 1990م) تطبيق قوانينها الخاصة بدلًا من قوانين يوغسلافيا الاتحادية، وأيَّد التصويت الاستقلال التام في (24 ديسمبر 1990م). واعترفت ألمانيا بسلوفينيا وكرواتيا كدولتين مستقلتين؛ فحرَّكت صربيا دباباتها إلى كرواتيا عبر أراضي البوسنة لتُقاتل بها كرواتيا في (22 سبتمبر 1991م)، فتدخلت الدول الأوربية وقرر وزراء الخارجية في اجتماعهم ببروكسل إرسال قوات للبوسنة والهرسك لمنع انتشار القتال، خاصةً بعد أن أعلن برلمان سراييفو -عاصمة البوسنة- استقلال جمهورية البوسنة والهرسك عن بلجراد -عاصمة الصرب- في (15 أكتوبر 1991م).
استقلال البوسنة والهرسك
لم يأبه الصرب لذلك وأعلنوا في (5 يناير 1992م) قيام دولة جديدة من الصرب والجبل الأسود والمناطق الصربية في البوسنة والهرسك، عند ذلك اعترفت الدول الأوروبية والمجتمع الدولي بكلٍّ من كرواتيا وسلوفينيا، على أن يُترك المجال مفتوحاً أمام البوسنة والهرسك ومقدونيا لتقديم المزيد من الوثائق التي تثبت التزامها ووفائها بشروط الاعتراف باستقلالها!!، ومنها مثلاً القيام باستفتاء شعبي على الاستقلال، وبالفعل فقد أجرت الحكومة البوسنية استفتاءً, وقد قاطعته الغالبية العظمى من الصرب. وكانت نسبة المشاركة في الاستفتاء على الاستقلال 63.4% وقد صوت لصالح الاستقلال 99.7% من الناخبين, ليعلن بذلك “علي عزت بيجوفيتش” استقلال الجمهورية رسمياً في (4 مارس 1992م).
ولما كانت صربيا تريد تشكيل يوغسلافيا جديدة تضم البوسنة والهرسك إليها، فقد تفجر الموقف في البوسنة والهرسك في (9 مارس 1992م) عندما شن الصرب معارك في جمهورية البوسنة و الهرسك، ودخل الصرب بالمدرعات والدبابات بلدة “بوسانسكي برود”، فبعثت الأمم المتحدة بقوات في (23 مارس 1992م) إلى بلجراد لحفظ السلام، وإيقاف اعتداء الصرب على كلٍّ من كرواتيا والبوسنة، وبالفعل توقف الاعتداء على كرواتيا، بينما امتد على المسلمين واتسع حتى عمَّ بحلول (25 مارس 1992م) جميع مدن البوسنة والهرسك، فصار المسلمون يجاهدون وحدهم ضد الجيشين الصربي والكرواتي يدعمهم صرب البوسنة وكروات البوسنة.
وقد كان تركيز الصرب -في المناطق التي احتلوها- على أئمة المساجد ورجال الدعوة؛ حيث يشنقوا ويعلقوا على مآذن المساجد!!، كما حاول الصرب الأرثوذكس تنصير العديد من المسلمين، ونجح الرهبان في خطف (50 ألف طفل بوسني) من المستشفيات ومراكز اللاجئين، وتم شحنهم في حافلات إلى بلجراد، ثم إلى جهة تنصيرية ألمانية.
وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة قد اعترفت بالبوسنة والهرسك بتاريخ 22 مايو 1992م وقبلت عضويتها فإن حظر الأسلحة السابق الذي فُرِض على يوغسلافيا ككل لم يرفع؛ بل كان الأمر وكأن شيئًا لم يكن ولم يتغيَّر، فلقد كان القادة العسكريون الصرب يتفاخرون بأن لديهم أسلحة وذخيرة تكفي لخوض الحرب في البوسنة والهرسك لستِّ أو سبع سنوات قادمة؛ حيث لن يكون للحذر أيُّ تأثيرٍ فعليٍّ على قدرتهم العسكرية، ولكن على العكس منهم كان للحظر تأثيرٌ كبيرٌ على دفاعات البوسنة؛ حيث يمكن اعتبار أن حظر الأسلحة بالنسبة إلى الدفاعات البوسنية هو حكمٌ بالإعدام على المدى الطويل.
وضغطت الحكومتان الأمريكية والألمانية من أجل رفع الحظر، ولكن عارض وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد الفكرة بشدة، مدَّعيًا أنَّ ذلك “لن يؤدِّي إلا إلى إطالة مدَّة الحرب” فلم يُرفع حظر الأسلحة، ولكن استمر القتال، وطال أمده إلى نهاية عام 1995م.
مجازر صليبية في البوسنة
ارتكب الجنود الصرب فظائع كثيرة في حق المسلمين البوسنيين، وكان كل شيء بعلم الكنيسة الأرثوذكسية وأوامرها؛ فقام الجنود بقطع إصبعين وترك ثلاثة أصابع للضحايا كرمز على التثليث، ورسم الصليب على الأجسام بالسكاكين والحديد، كما أصدرت الكنيسة فتوى تبيح اغتصاب الصرب للمسلمات؛ فتم اغتصاب آلاف الفتيات، حتى أنه من كثرتهم لم يتوصل إلى إحصائية دقيقة تعبر عن عدد المغتصبات، وتشير بعض التقديرات إلى اغتصاب حوالي (60 ألف سيدة وفتاة وطفلة) بوسنية حتى (فبراير 1993م)، والمحزن أن كل واحدة من هؤلاء تم اغتصابها عدة مرات.
ومن الأمثلة المثيرة للشجن: اقتحم ثلاثة من الجنود الصرب منزل أسرة مسلمة تتكون من امرأة مسنة (جدة 60 عامًا) وابنتها الكبرى (أم 42 عامًا) وبناتها الخمس (19, 15، 12, 9, 6 عامًا) وقاموا -تحت التهديد- باغتصاب الجدة أمام ابنتها وأحفادها، ثم قاموا باغتصاب الأم أمام أمها وبناتها، ثم قاموا باغتصاب الفتيات الخمسة الصغيرات أمام الأم والجدة, مما نتج عنه موت اثنين من الفتيات الصغيرات بينما فقدت الجدة والأم النطق والعقل.
وكانت القوات الدولية -الفرنسية والأوكرانية- تبيع طعام المساعدات المجانية للبوسنيات بالنقود، والتي لا تملك النقود، فالاغتصاب مقابل الطعام، واستغاث مسلمو البوسنة بمسلمي العالم، فأرسل “علي عزت بيجوفيتش” -رحمه الله- 100 رسالة إلى زعماء العالم وخاصة المسلمين منهم.
نهاية الحرب البوسنية
توقف القتال في الحادي والعشرين من نوفمبر من عام 1995م مع توقيع اتفاقية دايتون للسلام، التي وُقِّع عليها بين رؤساء كلٍّ من البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش، والكرواتي فرانيو تودجمان، والصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، لوقف الحرب, في باريس في 14 من ديسمبر 1995م.
خلفت الحرب وراءها: 150 ألف قتيل, منهم 10 آلاف في “سراييفو” وحدها، بينهم ألفا طفل طبقًا لِمَا أوردته اللجنة التي شكلتها الحكومة البوسنية لجمع المعلومات، وهو رقمٌ متواضعٌ بالنسبة إلى ما خلَّفته الحرب بعد انتهائها؛ حيث قدرت الأمم المتحدة خسائر الحرب بحوالي (200 ألف قتيل) و(200 ألف جريح ومعاق). كما اكتُشِف العديد من المقابر الجماعية في مدينة “موستار”، وأكد الأطباء الشرعيون أن جميع الضحايا تقريبًا قُتلوا نتيجة إطلاق النار عليهم من مسافةٍ قريبةٍ وبأسلحةٍ أتوماتيكيَّة.
كما خلفت سنون الحرب وراءها تدمير60% من المنازل والمساكن, 33% من المستشفيات, 50% من المدارس، و85% من البنية التحتية, ومساحة300 كم مزروعة بالألغام بشكل مؤكَّد، طبقًا لتقدير مركز مكافحة الألغام التابع للأمم المتحدة في البوسنة UNMAC، هذا كله عن الأمراض العصبية والنفسية التي أصابت نصف الناجين من سكان البوسنة تقريبًا.
وبدأت الدول الأوروبية التي نزح إليها اللاجئون تشكو من وجودهم، وأسرعت بنقلهم جبريًّا إلى البوسنة ليجدوا أنفسهم دون مأوى؛ بعدما استولي الصرب علي منازلهم”.
مذبحة سربرنيتشا
مذبحة سربرنيتشا، مجزرة شهدتها البوسنة والهرسك سنة 1995م على أيدي القوات الصربية وراح ضحيتها حوالي 8 آلاف شخص ونزح عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين من المنطقة، وتُعتبر هذه المجزرة من أفظع المجازر الجماعية التي شهدتها القارَّة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
تم تحميل رادوفان كاراديتش الزعيم السياسي لصرب البوسنة والجنرال راتكو ملاديتش الذي قاد المليشيا الصربية بالإضافة للعديد من القادة السياسيين والعسكريين وشبه العسكريين المسئولية عن تنظيم عمليات قتل المدنيين وتشريدهم، فيما لا يزال معظمهم متواري عن الأنظار وملاحَقين من قِبَل الإنتربول وقوَّات الأمم المتحدة في البوسنة، كذلك اتهم أهالي الضحايا القوات الهولندية العاملة في نطاق قوات الأمم المتحدة بعدم الدفاع عن أهالي المدينة وتسليم من التجأ لثكنة هذه القوات لميليشا صرب البوسنة التي قتلتهم جميعًا لاحقًا.
في شباط/ فبراير 2007، أكدت محكمة العدل الدولية ما أصدرته محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة بأن ماجرى في سريبرينيتسا كان إبادةً جماعية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات