في الرد على “بيضون” .. بل خلافة واحدة

في صحيفة القدس العربي، في عددها الصادر بتاريخ 1 /4 /2016م، كتب الكاتب اللبناني الأستاذ أحمد بيضون مقالا بعنوان: “خلافتان” وعرض قضية الخلافة وكأنّها مسألة خلافية بين حقوقيّ اسمه عبد الرزّاق وأزهريٌّ اسمه عبد الرازق، فكأنّها لم ترزق على مدى تاريخ الأمّة بمن يتصدَّى لها ويبين أحكامها؛ فانحصر مصيرها بين هذين العبدين.

وبما ختم به مقاله أبدأ مناقشتي له، فالرجل بعد أن صال وجال، ووطيء بمعارضاته وبما أثاره من إشكاليات, حضارةَ أمَّة وتاريخها، ختم جولاته باللوم على مؤلف كتاب: “فقه الخلافة وتطورها” عبد الرزاق السنهوريّ؛ لكونه اجترأ على أن يقارن بين ذلك النظام الذي جرّ على الإسلام والمسلمين الويلات وبين الديمقراطية!، فيقول: “ولكنَّ هذا المؤلّف يَنْكَبُّ على المقارنة بين هذه المؤسسة الإسلامية ونظام الحكم الديمقراطي الذي كان قد استوى في أيّامه مثالاً وفرض مزاياه على أهل النظر”.

 وليسمح لي الأستاذ أن أواجهه – ابتداءً – بهذه الحقيقة الْمُرَّة: إنّ الديمقراطية – التي طَوَيْتَ الحديث عنها في نهاية مقالك بما يُشْعر بجلال قدرها – لن تبلغها أنت ولا جميع من وافقك أو خالفك من المسلمين أجمعين، فإن كنت مُكَذِّبي فاسأل التاريخ، فإن لم يسعفك لكونك تعودت ألا تتريث معه فاسأل الواقع؛ فهو أصدق شاهد، فإذا وجدت التحول الديمقراطي الذي جاء بكرزاي والمالكيّ وأمثالهما قد غمر أمَّتنا بنعيم الديمقراطية ثم تبين لك أنَّ نَبْتَة الديمقراطية في مصر بعد ثورتها قد تَعَهَّدها الاتحاد الأوربي بالرعاية والعناية؛ فأنت على حقٍّ وتستحقّ أن نغير لك حقائق التاريخ لتوافق مذهبك، ثم تحامل على نفسك العَجْلَى واسأل كل الأنظمة المستبدة التي حكمتنا عقوداً بالوكالة عن الاستعمار مُتَغَنِّيةً كلها بمبادئ الديمقراطية، فإن عدت بعد طول البحث بخفي حنين فاقعد واسمع مني.

إنك يا سيدي، وسائر من يقول بقولك – وإنّهم لَكُثْرٌ وما أنت إلا مجرد ناقل لأقوالهم البالية – تَجْرُون وراء سراب، وتَجُرُّون الأمّة كلها للجري وراءكم، لكنّ الفرق بينكم وبين من يجري وراءكم أنّهم يرونه ماءً، وأنتم ترونه سرابا، وهل يخفى على مثقف مثلك ما صدرته أمريكا للعالم من أهوال، باسم التحول الديمقراطيّ، وباسم الدفاع عن حقوق الإنسان، وهل تجهل أنّها في أغلب ممارساتها استظلت بمظلة هيئة (الرمم)؟!

 إنَّني لا أرفض كل ما جاءت به الديمقراطية، وأبادر إلى توضيح حقيقة تساعدنا على سرعة الخروج من هذه النقطة، وهي أنّ الديمقراطية وافقت الإسلام في ركن من أركان  النظرية السياسية وخالفته في ركن. وافقته في مبدأ الشرعية السياسية، وفي أنّ الأمّة مصدر شرعية الحاكم ومصدر السلطات، وخالفته في عنصر السيادة، السيادة التي هي – حسب تعريف جان بودان – التفرد بالحقّ في إنشاء الخطاب الملزم، والملاحظ باستقراء الواقع والتاريخ المعاصر أنَّ المالك الحصريِّ للديمقراطية يُصِرُّ على أن يهبك منها ما يخالف شريعتك، ويحرمك مما يوافقها، فهل بإمكانك أن تخالفني في ذلك؟.

وسوف أطوي كل ما قيل عن الديمقراطية من مفكري الغرب أنفسهم، وأدخره لعله يفيد يوم أن توقع ما هددت به في آخر مقالك أحد العبدين للرازق الرزّاق، وهو أتعسهما حظاً معك، ذلك (الحقوقيّ!) الذي بلغ من انحطاط ذكره أنّه مرجع العرب والعجم جميعاً في القانون المدنيّ: العلامة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوريّ!!

أَجَلْ أطوي ذلك كله؛ لأدلف إلى صلب موضوعنا، وهو الخلافة، التي رأيت أنت أنّها فرقت الأمّة الواحدة وجرت عليها الويلات، ونسيت أو أردت أن تنسينا أنّ الذي جرّ على الأمّة وعلى الخلافة الويلات هم أجداد من يجرون الويلات اليوم على لبنانك وشامك وعربك أجمعين ، هم المجوس الذين أرسلوا سمهم في ذؤابة خنجر أبي لؤلؤة ليكسر باباً كان موصداً في وجه الفتن، التي ماجت بعد ذلك موج البحر، والتي كان  باعثها الأول السبئية، الأب الشرعيّ للرافضة بكل فرقها، ذلك الأب المشئوم الذي قتل الاستقرار بقتل عثمان ثمَّ بإشاعة الفتنة بين جناحي الأمّة.

كيف تقرأ التاريخ إذا كنت تتجاهل الجهة المسئولة تاريخياً عن قَتْل مَنْ قُتِل من الخلفاء، ثم تُعَيِّر الأمّة بأنّ ثلاثة قتلوا من خلفائها؟ أَجَلْ، قُتِل ثلاثة من خلفائها، فهل كانت الخلافة هي سبب قتلهم؟! وهل كانت النبوة سبباً في أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض للغدر وأكل من الشاة المسمومة؛ حتى إنّه ليقال – وللمقال وجاهة – إنّ رسول الله قد مات بالسمّ الذي دسَّته له اليهودية فجمع الله له بين مقاميّ النَّبوة والشَّهادة؟! لا شكَّ أنَّنا نرتكب جريمة في حقِّ أنفسنا إذا نظرنا إلى ماضينا بهذه الطريقة الظالمة للماضين والآتين على السواء.

الردة ومانعو الزكاة

وبطريقة ليست جديدة تعالج مسألة الردَّة، وترى أنّ مانعي الزكاة لا يستحقون قتالاً، مع أنك لو سُئِلْتَ اليوم عن قوم رفضوا أداء الضريبة للدولة وامتنعوا عن ذلك بقوة السلاح، لَمَا ترددت أنت ولا سائر الخائضين في تاريخ الأمّة عن الإفتاء – قانوناً وشرعاً وعرفاً سياسياً – بوجوب قتالهم حتى يدخلوا في الطاعة للدولة – الدولة التي تتسول الأساس الشرعيّ لوجودها أصلاً – والذي يجهله كثير ممن لا يعلمون إلا ظاهراً من الأقاصيص أنّ الإجماع انعقد على ما عزم عليه أبو بكر بعد مراجعة عمر له، وأنّ هذا الإجماع لم يُنقض، فلم ينازع أحد من العلماء في هذه الجملة: أَيُّما طائفة ذات شَوْكَة ومنعة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ حال كونها ذات شوكة ومنعة؛ فإنّها تُقَاتَل على ذلك، وإن كانت تشهد بالشهادتين، ومستند الإجماع ليس واقعة قتال مانعي الزكاة، وإنّما قول الله تعالى: ” فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله” وتطبيق رسول الله لذلك مع أهل الطائف حين امتنعوا عن تحريم الربا بعد إسلامهم، والرجوع في ذلك لكتب أهل العلم كمعالم السنن للخطابيّ وغيره.

جوهر السلطة

إنّها مسألة متعلقة بجوهر السلطة قبل أن تتعلق بمقتضياتها، فجوهر السلطة هو احتكار الدولة لأدوات الإكراه الماديّ، ومقتضياتها ومقتضيات الشرعية كذلك دخول الجميع في طاعة الدولة، هذا ما يقرره علم السياسة، وهذا ممّا يؤكد وجود نظام سياسيّ ونظرية سياسية في الإسلام.

 والأشدَّ مما مضى عجباً أنّك تماري فيما لا يجرؤ على المماراة فيه شرقيّ ولا غربيّ، وهو تَمَيُّز الأمة الإسلامية في عهد النبوة والخلافة الراشدة بمبدأ الشورى والبيعة، فتدعى أنّ المسلمين إنما نقلوه عن غيرهم ولم يكن لهم فيه سبق، فقل لقرائك مَنْ هم الذين أخذ العرب عنهم الشورى والبيعة، أهم أكاسرة فارس أم قياصرة الروم؟ فهاتان هما الحضارتان المتاخمتان للعرب، فأيتهما كانت ينبوع الشورى ومهد (الديمقراطية)؟!، إنَّ أقوى كلمة قيلت حين أراد معاوية رضي الله عنه أن يأخذ البيعة لولده وهو حيّ، أن شَبَّهَت فعله بفعل القياصرة والأكاسرة، وجَرَت على لسان عبد الرحمن بن أبي بكر كصوت التاريخ: ” أهرقلية؟ كلما هلك قيصر خلفه قيصر؟ والله لا نبايع، فإمّا أن تَرُدَّها على سُنَّة أبي بكر وعمر أو نَرُدَّها عليك جزعة”.

بل خلافة واحدة

أمّا عن فرية الخلافتين فليست في الحقيقة سوى خلافة واحدة، وليس ثَمَّ خلافةٌ غيرها، هكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سفينة: “الخلافة ثلاثون سنة، ثم يكون ملكاً” وغيره من الأحاديث، وتسمية العلماء والرواة وغيرهم لما بعدها بالخلافة إنما هو من قبيل التساهل في إطلاق المصطلحات، أو من جهة كونها خلافة بالمعنى العام، لا بالمعنى الشرعيّ الخاص الذي عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يُستشهد به على وجود النظام السياسي الإسلاميّ المميز، وعلى أسسه ومؤسساته وشكله وهيكله.

وأمّا عن تاريخ الدول الإسلاميّة الذي طال ليله وتتابعت كوارثه، ودلالة ذلك على بعد الشُّقة بيننا وبين بزوغ شمس الأنموذج المثاليّ الذي لم يعمر سوى ثلاثين سنة, فهذا يحتاج إلى تفصيل لإزالة أكوام الغبش التي تراكمت عليه، فينبغي – ابتداء – أن نُسَلِّم بوقوع المخالفات الصارخة، والكوارث الصادمة، لكنَّها لو قيست بتواريخ الأمم بما في ذلك أمم الديمقراطية في العصر الحديث؛ لظهر أنَّ نارها الملتهبة أندى من جنّة الحضارة الغربية بما فيها من زيف ورياء، فإن كنت مقارناً فاجتهد في أن تحصي عدد الذين ماتوا في الحروب الإسلامية بأسرها – سواء منها الداخلية أو الخارجية – لعلك تظفر برقم يقترب من عشر معشار الخمسين مليوناً من المدنيين – على حسب أكثر الإحصائيات تفاؤلاً – الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية وحدها، فإن ظفرت بذلك فلن نسألك عن الحرب الأولى ولا عن حروب السنوات السبع، وسنغفر لك قصور همتك عن الإحصاء، وسنغفر لهم كذلك محوهم لأمَّة برمتها من الوجود كانت تسمى بالهنود الحمر، وسنطوي لهم سجل 210 مليونا – بحسب تقرير اليونسكو – من الأفارقة الذين اصطادوهم واستعبدوهم ببشاعة تفوق الوصف، وسنطمر جوانتانامو في البحر، ونطرح على أبو غريب رداء الصحراء، أمّا فيتنام وهيروشيما ونجازاكي فالنسيان سيكون قبرها ومثواها.

إنّ الدول الإسلامية التي حكمت, كانت منحرفة بمقياس الحقّ الذي جاءنا من الله وبالقياس على الأنموذج المثاليّ الذي طبقته الأمّة واقعاً في حياتها، أمّا بالقياس على غيرها من الأمم – السابق منها واللاحق – فهي رحمة واسعة، وحسبك أن تتأمل كم حل على ديارنا من البلاء بسبب سقوط الدولة العثمانية، برغم ما عليها من مآخذ.

 

فرق بين الأمر الشرعي والتطبيق البشري

أنصحك أن تفرق بين الأمر الشرعيّ وبين قيام الناس به، فإن وجدت الناس أساءوا استخدامه في مرحلة ما، كإساءة الفاطميين للخلافة قديما وإساءة الدواعش لها حديثاً؛ فلا ترجع باللوم على الأمر الشرعيّ ذاته، فإن أبيت إلا الإعراض عن نصيحتي فعليك أن تسلم بفساد الديمقراطية لكون حكامنا انتسبوا إليها وأساءوا استخدامها.

ولقد تعجبت من قولك إنّ كتاب السنهوريّ لا يجسد إلا خلافة حائرة بين كونها أمراً أوجبه الدين وكونها أمراً صنعه المسلمون لحماية الدين؛ لأنني لم أجد في كتابه ما وجدت، ومن حقك أن تخالفني في هذا ومن حقي أن أخالفك، لكن ليس من حقي ولا من حقك ولا من حق أحد أن يجادل أو يماري فيما أجمعت عليه الأمة في عهدها الأول من وجوب الإمامة، وهو الدليل الذي اعتمد عليه السنهوري، وليس كما زعمت أنه اعتمد على خصائص الخلافة الثلاثة، فبيانه للخصائص ليس للاستدلال على وجوبها، ولكن لتحديد الأمر الذي يقع عليه حكم الوجوب بشكل واضح.

ودليل الإجماع اعترض عليه أحد “العبدين”، وهو الأحظى لديك، برغم أنّه مطرود من هيئة كبار العلماء أيامها، ومتهم بأنّه ناقل عن أحد المستشرقين.

والواقع أنّ جميع الآيات التي اشتملت على أحكام الجهاد والمعاهدات والحدود والمعاملات والأسرة وغير ذلك مما لا يمكن إقامته إلا بالدولة هي كلها دليل على وجوب قيام الدولة، وعلى أنّها يجب أن تكون على صفة خاصة تؤهلها لإقرار منهج الله في الأرض، بل إنّ المستقريء لآيات القرآن والأحاديث النبوية سيجد جملة عظيمة منها تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتأمر بالعدل والشورى وغير ذلك، فهل كان الشرع يأمر بذلك ملوك فارس والروم أم زعماء ربيعة ومضر؟!

إنَّ الأدلة على وجوب الخلافة وعلى أنّ الإسلام دين ودولة كثيرة وبالغة مبلغ العلم واليقين، وقد سردتها في كتابي: “النظرية العامة لنظام الحكم في الإسلام”، وهو موجود على الشبكة العنكبوتية لمن شاء.

ومع ذلك فإنّ الله وسع علينا من جهتين: الأولى جهة رفع الحرج، فإذا لم نستطع أن نقيم الخلافة واستطعنا أن نقيم نظاما يقترب من النموذج الإسلاميّ فإنّه لا حرج علينا في ذلك، بل إننا إذا لم نجد بداً من اختيار أحد أمرين: إما الديمقراطية أو النظام الشمولي اخترنا الديمقراطية، وكنا مأجورين غير مأزورين.

الجهة الثانية فيما وُسِّعَ علينا فيه هي التدرج، وهذا ما يمكن أن تُحَلَّ به العقدة التي عقدها لنا الكاتب بزعمه إنّ أكثر المسلمين ليس من أهدافهم تطبيق الشريعة، فلو صح هذا – ولا أظنه إلا وهما – لوجب علينا أن نتريث بإقامة نظام الخلافة حتى يتم البلاغ وتكتمل التربية وتبنى القاعدة التي تقوم عليها الدول الصالحة.

وأخيرا أعترف بأنني لم أوَفّ الموضوع حقه؛ فإنّ الرجل قد أثار في صفحات قليلة جملة كبيرة وخطيرة من الشبهات فهل يكون مناسبا أن نرد على الصفحات في صحيفات؟ فما أسهل ذَرّ التراب وما أشقّ الاستبراء منه.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …