تمددت ظاهرة سجون المليشيات الشيعية التي تتسع في العراق بشكل كبير، على مرأى من القوات النظامية وحكومة حيدر العبادي الموالية لإيران، لتصل إلى 24 سجناً في بغداد وبابل وكربلاء والبصرة وذي قار وديالى، تديرها فصائل مختلفة من مليشيات مسلّحة تنضوي تحت مسمى “الحشد الشعبي”.
هذا الرقم أعلنه أخيراً تقرير صادر عن منظمة حقوقية عراقية، أكدت فيه وجود ما لا يقل عن 24 سجناً تابعاً للمليشيات، قضى بداخلها العشرات من المعتقلين جراء التعذيب، وجميعهم من السُنة، يجري اعتقالهم بحملات المليشيات الشيعية على المدن والبلدات المختلفة أو خلال عمليات تحرير المدن من سيطرة داعش.
وسجون داعش للسنة أيضًا!
فيما تؤكد تقارير محلية عراقية وجود نحو 30 سجناً لتنظيم “داعش” يمارس بداخله جرائم تعذيب وانتهاك بحق “السُنة” الذين يدعي أنه يدافع عنه بتهم مختلفة، مثل التجسس والعمالة والانتماء لجماعة “الإخوان المسلمين”، أو الحركات السياسية الأخرى، والعمل بالأجهزة الأمنية سابقاً أو لمخالفتهم تعليمات شرعية للتنظيم!
ولا تزال الأنباء تتوالى عن سجون المليشيات في العراق وما يجري داخلها من انتهاكات وعمليات تعذيب بحق المعتقلين، ومعظمهم من العرب السنة.
ومن بين ذلك ما تقوم به مليشيات الحشد الشعبي التي تحتجز مئات من العرب السنة في جرف الصخر (شمال محافظة بابل) منذ استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية قبل نحو عام ونصف العام.
غير أن مليشيات الحشد الشعبي ليست إلا واحدة من عدد كبير من المليشيات التي تدعم حكومة (إيران) العراقية بعضها وتموّلها بشكل رسمي.
يتحدث الناشط الحقوقي العراقي محمد الشيخلي، عن معلومات مؤكدة ومثبتة بالفيديوهات عن انتهاكات تصل إلى جرائم حرب، ارتكبتها المليشيات وفي مقدمتها الحشد الشعبي، التي تأسست بفتوى المرجع الشيعي علي السيستاني وأصبحت دولة داخل الدولة.
يورد الشيخلي معلومات عن إعدام المئات ودفنهم في مقابر جماعية بجرف الصخر، وخطف 250 في ناحية العلم وإعدام 150 في معسكر أشرف على يد قوات بدر.
“أكثر من خمسين مليشيا شيعية؛ لكل واحدة منها معتقل وراية ترفعها”، هذا ما يبدأ به النائب في البرلمان العراقي عن تحالف القوى العراقية أحمد السلماني، ويضيف أن المليشيات تعمد إلى مساومة الأهالي الذين قد يبيعون كل ما لديهم لكي يفتدوا أبناءهم.
حزب الله الشيعي
في سيطرة الرزازة (جنوب الفلوجة) التي تتحكم بها ميليشيا “حزب الله” الشيعية، فر 65 معتقلا من أصل 1400، وتحدثوا عن “مآس يندى لها الجبين من صعق المعتقلين بالكهرباء والسحل”، بحسب ما يشرح السلماني.
وأكد أن رجالا مسنين تعرضوا لتعذيب وحشي، ورجالا وشبابا عزلا تتكالب عليهم مجموعات تعمل فيهم ضربا وشتما، أما إذا وُجد من يستنكر ويسأل: لماذا يجري هذا بحق مواطنين عراقيين؟ يجيب السلماني “من يتكلم يتهم بأنه داعشي”.
ويضيف إن “حالات الخطف تتزايد بشكل لا يمكن السكوت عنه أكثر في مناطق سيطرة الدولة”. ويوضح لـ”العربي الجديد” أنه “منذ ما يقارب الشهر يتعرض الشباب إلى حالات خطف في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بالأنبار. كما أن هناك حالات خطف تمت في منطقة الثرثار”، مشيراً إلى أنه “خلال هذه الفترة لا تزال مجموعات مسلحة تقدم على خطف المدنيين أثناء قدومهم من مدن الأنبار إلى بغداد أو عودتهم”. ويضيف “لقد تجاوز عدد المخطوفين حتى اليوم 1200 مختطف”.
وطالب السلماني رئيس الوزراء والوزراء الأمنيين والقادة الميدانيين بـ”الكشف عن الجهات التي تنفذ عمليات خطف المدنيين واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة لمنع اختطاف المدنيين والكشف عن مصير المدنيين الآخرين ممن تم اختطافهم أخيراً”.
ويؤكّد عضو لجنة الأمن البرلمانيّة، رعد الدهلكي، أنّ أعمال الخطف تتصاعد بشكل مستمر، خصوصاً في محافظة ديالى.
ويقول إن “المليشيات تنتشر بمناطق كثيرة من العراق وتنفّذ أعمال الخطف، بلا رادع تنفيذاً لأجنداتها بالتغيير الديموجرافي”، مبيناً أنّ “القوات الأمنيّة والأجهزة الحكومية تقف عاجزة عن إيجاد حل للمليشيات”.
ويحذّر الدهلكي “من خطورة استمرار الوضع الأمني على ما هو عليه، وعدم اتخاذ قرارات أو تدابير حكوميّة رادعة بحق المليشيات”، مؤكّداً أنّ “السكوت على هذه الحالة سيفاقم ويعقّد المشهد الأمني في البلاد، ويأزّم الوضع المتأزم أصلا”ً.
ويخلص إلى أنّ “المسؤوليّة الأخلاقيّة والقانونيّة تحتّم على الحكومة، بل وعلى الرئاسات الثلاث (الحكومة والجمهورية والبرلمان) الوقوف بحزم وقوة تجاه تلك الانتهاكات التي تضرب النسيج العراقي، وإيجاد حلول ناجعة وجذريّة، وفقاً للقانون الذي يجب أن يطبق على الجميع، وخصوصاً المجرمين الذي تسببوا بأعمال العنف”.
تعذيب في إيران
وكشف “الشيخلي” عن سجون عابرة للحدود، مؤكداً إن المعتقلين وجميعهم من العرب السنة، يجرّون من أماكن سكناهم في ديالى وصلاح الدين والأنبار وشمال الحلة، إلى الأحواز في إيران، ليذوقوا هناك صنوف العذاب.
وقال مسئولون عراقيون، إن 50 سجينًا و12 شرطيًا قتلوا في عملية تهريب سجناء دبرها تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن هناك روايات أخرى للحادثة؛ حيث ذكر ناشطون عراقيون أن عصائب أهل الحق، وهي ميليشيا شيعية، اقتحمت السجن؛ وقتلت 60 سجينًا، معظمهم من السجناء السنة، وأطلقت سراح السجناء الموالين لها.
وترك مسلحو العصائب السجن مفتوحًا؛ الأمر الذي سمح بفرار عشرات السجناء. وفور وصول رجال الأمن إلى الموقع، اشتكبوا مع السجناء؛ ما أدى إلى مقتل عدد آخر من السجناء، ولا يزال مصير نحو 100 من السجناء مجهولًا.
ولا تتوقف المأساة عند السجون السرية، بل إن الشيخلي يتحدث عن أقبية سرية داخل السجون العلنية كسجني الكاظمية والتاجي، وعما هو أخطر من ذلك وهو دفاع سياسيين عراقيين عن هذه السجون.
في هذه السجون العلنية لا يختلف الوضع بحسب السلماني، ففيها أيضا تحدث مساومة الأهالي ماليا إذا ما أرادوا رؤية أبنائهم.
ومن موقعه نائبا بالبرلمان، يقول السلماني إن رئيس الوزراء حيدر العبادي، يعلم الجهة التي تختطف المواطنين العراقيين في سيطرة الرزازة، وأُبلغ بضرورة إدخال عناصر الجيش للمنطقة، لكنه لم يقم إلا بتشكيل لجنة, والدستور الذي يحصر السلاح بيد الدولة، ضربت به الحكومة عرض الحائط، بل إن المليشيات تأخذ رواتبها من الدولة، أما التقارير الأسبوعية المرفوعة بشأن ممارسات المليشيات، فلا تعطيها الحكومة إلا أذنا صمّاء!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات