علو الهمة خلق رفيع، تهفو إليه الفطر القويمة، وتعشقه النفوس الكريمة، وأهل الهمة العالية هم صفوة الأمة، وأهل المجد والكرم، فالحياة عندهم ايمان وجهاد وبر وفلاح، وصبر وثبات، فهم فرسان بالنهار رهبان بالليل تغلبوا على شهواتهم فسمت أرواحهم وارتفعت درجاتهم .
ولقد حث القرآن الكريم والسنة النبوية على علو الهمة، وبين مكانتها في الإسلام. ولعلو الهمة أسباب كثيرة أولها الإخلاص لله تعالى، ثم طلب العلم، واليقظة والتنافس في الصالحات، والتطلع إلى الكمال والترفع عن النقائص، والحرص على الوقت وتوظيفه، والاهتمام بواقع الأمة والسعي لإصلاحه، ومصاحبة أصحاب الهمم ومطالعة سيرهم، وهذه الأسباب يمكن تحصيلها في رمضان لأنه طريق إلى علو الهمة، وتفصيل ذلك كما يلي:
مفهوم علو الهمة
العلوُّ لغة: مصدر من علا الشيءُ، ويقال: عَلا فلانٌ الجبل إذا رَقِيَه، وعَلا فلان فلانًا إذا قَهَره .
والهمَّة لغةً كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: فعلة من الهمّ، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالهمُّ مبدؤها، والهمَّة نهايتها .
وفي الاصطلاح هو توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو لغيره، واستصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وطلب المراتب السامية.
الهمة عمل قلبي، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه، وكما أن الطائر يطير بجناحيه، كذلك يطير المرء بهمته، فتحلق به إلى أعلى الآفاق، طليقةً من القيود التي تكبل الأجساد.
وقال الراغب الأصفهاني: والكبير الهمة على الإطلاق: هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبدَ رعاية بطنه وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة.
مكانة علو الهمة
وهمَّة المؤمن أبلغ من عمله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ( من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة) البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) رواه مسلم وغيره
وقال فيمن تجهز للجهاد، ثم أدركه الموت: ” قد أوقع الله أجره على قدر نيته ” رواه أحمد وغيره
صاحب الهمة سباق: وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية، قال صلى الله عليه وسلم: ( سبق درهم مائة ألف)، قالوا: يا رسول الله، كيف يسبق درهم مائة ألف؟!، قال: ( رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، وآخر له مال كثير، فأخذ من عَرْضها مائة ألف) رواه أحمد وغيره.
وقال ابن القيم: ( فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل, ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل) الفوائد .
علو الهمة في القرآن والسنة
وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالرجال الذين هم أصحاب الهمم العالية، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، ووفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته طاعته.
وسجل القرآن ثناء الله تعالى على أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) 35 الأحقاف .
وعبر سبحانه عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف الرجال في مواطن الطهارة والعزيمة والثبات على الطاعة، والقوة في دين الله، فقال تعالى: ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) 108 التوبة .
وقال تعالى: ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) الأحزاب 23.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا) رواه البخاري .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهَا أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ يُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) مرفوع
وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات