KOS, GREECE - AUGUST 15 : Mostly Syrian, refugees and migrants celebrate upon arrival on the Greek island of Kos after crossing a part of the Aegean Sea between Turkey and Greece in Kos, Greece on August 15, 2015. (Photo by Evren Atalay/Anadolu Agency/Getty Images)

قضية الهجرة والمهاجرين .. وأزمة الغرب الأخلاقية حيالها

في غضون عامين قفزت قضية المهاجرين إلى صدارة الاهتمام الغربي واحتلت موقعها المتقدم على قائمة أولويات العمل السياسي المشترك خصوصا في أوروبا، بعدما قدرت تقارير منسوبة للأمم المتحدة أعداد المهاجرين واللاجئين بـ65 مليون شخص، معظمهم من البلدان النامية، يحاولون الوصول إلى بلدان آمنة مثل الولايات المتحدة أو أوروبا, مرجعةً الأسباب للحروب الأهلية، وفشل الدول، والكوارث المناخية، والانفجار السكاني.

وكان لذلك نتائج عديدة كذلك من بينها دفع البريطانيين لاتخاذ قرار الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، وصعود اليمين المتطرف، وتكلل ذلك بفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية. وخلال أسبوعه الأول في الرئاسة  أصدرت إدارته قرارا يتصف بالرعونة بشأن مواطني سبع دول يقضي بمنع مواطنيها من دخول أمريكا ( إيران والعراق وسوريا والصومال والسودان وباكستان وافغانستان)، كما قام ترامب بتعيين شخصيات معروفة بإنكارها لتغير المناخ في مناصب حساسة، وقطع المساعدات الأمريكية عن بعض المنظمات الصحية التي تعمل في البلدان النامية لينتج لنا “عجينة الفوضى” التي يمكن أن يتسبب فيها المرء عبر تنفيذ بعض الأشياء، ولكن من دون الربط بينها واستشراف تأثيراتها بحسب الكاتب الأمريكي توماس فريدمان بصحيفة “نيويورك تايمز” .

تساؤلات حول الأزمة

ما دلالات وجود أزمة تتعلق بالمهاجرين؟ وأين موقع المبدأ الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن للإنسان حرية التنقل والسفر واللجوء؟ وهل تنحصر هذه الظاهرة ضمن العالم الغربي؟!

وثمة تساؤلات كذلك عما إذا كانت شعارات الحرية والديمقراطية والقانون الدولي الإنساني واللجوء السياسي وحكم القانون المطلق بعيدا عن اعتبارات العرق أو اللون أو الدين، ما تزال حية في العقول والنفوس؟

الاتحاد الأوروبي ومفهومه للمهاجرين

فديريكا موجيريني الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي اكدت أن «الهجرة لا يمكن أن تدار إلّا من خلال التعاون والشراكة», مضيفة: «هناك قوى في العالم تسعى إلى اتباع نهج مختلف قائم على (…) بناء الجدران بدلاً من الشراكات» من دون الإشارة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأوضحت أن «هذه ليست الطريقة الأوروبية»، مشيرة إلى أن «أوروبا لا تغلق أبوابها ولن تفعل ذلك (…) لكننا بحاجة إلى وضع حد للمأساة في البحر والصحراء. هناك أشخاص يموتون يومياً».

ميركل ومواقف متضاربة  

بينما يسجل لرئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل موقفها التاريخي, العام الماضي حين استقبلت قرابة مليون لاجئ وشجعت نظراءها الأوروبيين على فتح الأبواب أمام اللاجئين, نجدها من جهة أخرى تخصص 40 مليون يورو العام الحالي للصرف على اللاجئين الذين يقررون العودة طواعية إلى بلدانهم.

وبموجب برنامج “ميركل ” يمنح 1200 يورو لكل لاجئ عمره فوق 12 عاما يقرر سحب طلب لجوئه والعودة لوطنه و800 يورو لكل لاجئ رفض طلبه وأن يشترط على نفسه العودة إلى بلده وأن لا يطعن في رفض طلبه.

وبغض النظر عن مدى صحة ذلك القرار، فالواضح أن العالم تجاهل أسباب الهجرة وأهمها الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلدان التي ينحدر منها اولئك المهاجرون، وفي الاسبوع الماضي اتخذت أوروبا قرارات عدة ذات صلة بالهجرة تعمق الشعور الأوروبي بضرورة غلق الحدود أمام المهاجرين خصوصا الدول الإسلامية, كما حصل تركيز إعلامي وسياسي منصب على اللاجئين المسلمين الذين عبروا بين ضفتي البحر المتوسط ليصلوا إلى أوروبا.

استطلاع رأي أوروبي

أظهر استطلاعٌ قام به معهد العلاقات الخارجية البريطانية (تشاتام هاوس) قبل أيام وشمل 10 آلاف مواطن من عشر دول اوروبية نتائج مقلقة أبرزها أن موجة العداء للمهاجرين في تصاعد, وأن غالبية الأوروبيين يرفضون هجرة المسلمين إلى بلدانهم.

وبيّن البحث، أن هذا القلق الأوروبي من الإسلام، لا علاقة له بانتخاب الرئيس الأمريكي ترامب وقراره منع دخول مواطني سبع دول إسلامية إلى بلاده، بل هي موجة قلق واسعة الانتشار زادت من حدتها التقارير التي ضخمت من عدد المسلمين في بعض الدول الأوروبية لتكشف لنا أن دولا يعتبرها البعض صديقة ومتفهمة لطبيعة المهاجرين ومع ذلك نكتشف أن نسبة كبيرة من مواطنيها صوتت مع اقتراح بوقف أية هجرة قادمة من الدول الإسلامية: بريطانيا: 47%، إسبانيا، 41 %، فرنسا 61 %، ألمانيا 53 %، النمسا 65 %، بلجيكا 64 %، بولندا 71 %، المجر 64 %، إيطاليا 51 بالمائة واليونان 58 %.

هذه النسب مقلقة لأنها تعكس تعمق النفور الأوروبي من استقبال المهاجرين، وهو أمر سينعكس على العلاقات مع المسلمين في هذه البلدان.

الغرب يعيش أزمات اخلاقية كثيرة، ومن أكثرها وضوحا حالة انقسام الذات الغربية بين ما تعتقده من مبادئ تنظم الديمقراطية وتحمي حقوق الإنسان، وضغوط الأوضاع السياسية والاقتصادية والدينية.

كندا والمهاجرين

رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو قال أثناء اجتماع مع الرئيس الأمريكي، إن كندا قبلت 40 ألف لاجئ سوري العام الماضي، وأضاف خلال مؤتمر صحافي: لقد استقبلنا لاجئين من سورية وكنا ناجحين للغاية لكننا دائما نتحمل مسؤوليتنا تجاه الأمن بجدية بالغة، وقال: إن آخر شيء يتوقعه مني الكنديون هو أن آتي لبلد آخر وأعطيهم دروسا عن الكيفية التي اختاروا أن يحكموا بها أنفسهم.
 

الخطاب الديني والمهاجرين

وبرغم المواقف الإيجابية من جانب الكنيسة الداعمة للمهاجرين، فإن الكنيسة يخالجها أمران: ضرورة التقارب بين الأديان، والحساسية من انتشار الإسلام وتوسع دائرته.

أيا كان الأمر فإن تراجع الخطاب الديني في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، أمر غير بناء. فإذا كان التعاطي مع ظاهرة الهجرة يتم على أسس الانتماء للدين أو العقيدة أو الايديولوجيا، فالمطلوب أن تسود المشاعر الإنسانية هذه الظاهرة فيتم التعاطي معها بإنسانية بحتة لا تخالطها مشاعر الانتماءات الأخرى. الغرب أمام تمحيص مهم؛ بين الالتزام بالمشروع الديمقراطي، نصا وروحا، أو أن يكون ساسته وكلاء لقوى التشطير والتمزيق و«شيطنة» الآخر. اللجوء حالة إنسانية لا يجوز إخضاعها للاعتبارات الأخرى، والتخلي عنها يعني تراجع الغرب عن التزاماته الإنسانية والسياسية.

يجدر الاشارة إلى عدد من الحقائق الإسلامية والإنسانية في هذا الموضوع بحسب الدكتور سعيد الشهابي؛ فقد شهد الإسلام ظاهرة الهجرة في وقت مبكر من ظهوره، عندما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة قائلا: إن فيها ملكا لا يُظلم الناس عنده, فالأمن لا يتوفر إلا في ظل النظام العادل.

وقد حدثت هجرتان إلى الحبشة، أولاهما في السنة الخامسة للبعثة وشملت 12 رجلا وأربع نساء, والثانية شملت 83 رجلا و 18 امرأة. وكانت الهجرة الثالثة, وربما هي الأهم في التاريخ الإسلامي، عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، برغم الخطر الذي كان محدقا, بعد أن تحالفت القبائل لقتله.

وما أكثر الهجرات اللاحقة في التاريخ الإسلامي.

وتحتوي دفتا القرآن الكريم آيات عديدة تحث على الهجرة حين تضيق الدنيا على الانسان، حتى قرنها بالإيمان والجهاد (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا). فالهجرة ليست هربا من الواقع المر، بل هي تغيير في المواقع لممارسة المهمات المقدسة من إصلاح وبناء وإعمار للأرض وإقامة العدل والتصدي للظلم.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …