لم آخذ إعلان ترشح المحامي خالد علي للانتخابات الرئاسية عام 2018 في مصر مأخذ الجدية، فالإعلان واضح أنه مجرد حركة سياسية تستبق أولى جلسات الاستئناف على الحكم بحبسه 3 شهور (تم تأجيل القضية حتى 3 يناير المقبل)، وهو حكم لو تم تثبيته فإنه سيحول دون ترشح خالد قانونا، ولذا أراد المحامي الحقوقي أن يستبق ذلك الحكم بالإعلان عن اعتزامه الترشح بهدف نقل قضيته من الإطار القانوني الروتيني إلى إطار سياسي باعتباره مرشحا رئاسيا يريد النظام منعه من الترشح عبر حكمٍ يصدر عادة بـ”التليفون”، وهذا “التليفون”- بالمناسبة – يرصد الآن ردود فعل قوى المعارضة المدنية على ترشح خالد – دعما أو رفضا أو صمتا- ليقرر الحكم على ضوء ذلك.
لا يمكننا أن نقيم الآن خطوة ترشح خالد علي التي لا تزال مجرد مناورة سياسية، يمكن أن تتحول إلى ترشح حقيقي، أو يمكن العدول عنها، وقد فتح خالد نفسه الباب لذلك في مؤتمره الصحفي حين أكد أن الترشح النهائي سيكون ضمن توافق للقوى الوطنية، وبعد توفر ضمانات كافية لنزاهة الانتخابات، وإن لم يتوفر التوافق أو الضمانات فالإنسحاب سيكون هو القرار، وإذا كان الشرط الثاني وهو الخاص بالضمانات بيد النظام الذي لن يعطي خصمه سكينًا ليذبحه به، فإن صناعة التوافق الوطني – سواء لخوض الانتخابات أو مقاطعتها- مهمة قوى المعارضة ومنها خالد نفسه، ولا أظنه بذل الجهد المطلوب لتحقيقه.
تعرية النظام
ليس مطلوبا من قوة أو تيار سياسي الآن أن يعلن تأييدا أو رفضا لمحض مناورة سياسية، لكن الشيء الذي يتفق عليه الجميع هو ضرورة مواصلة فضح وتعرية هذا النظام الذي “يتفنن” في إيلام المصريين، ومع ذلك يخشى انفجارهم ويطالبهم بعدم التحرك كما فعل السيسي نفسه في مؤتمر الشباب حين حذر المصريين من التحرك (التظاهر) بدعوى أن هذا يهدم الوطن، أي أن السيسي يبرر لنفسه كل الإجراءات والسياسات التي تفقر المواطنين، وتخرب بيوتهم، ثم يحذرهم من التحرك للتعبير عن ألمهم!
“ألقاه في اليم مكتوفا ثم قال إياك إياك أن تبتل بالماء”.
أما طرق فضح النظام, فالناس فيها مذاهب، فبينما يعتقد رافضو الانقلاب أن المشاركة في الانتخابات هي شرعنة له، وهي مجرد مشاركة ديكورية في مسرحية هزلية، وأن الطريق الصحيح هو استمرار الضغوط على النظام بكل الطرق السلمية الممكنة، فإن فريقا آخر من المعارضة يرى أن المشاركة في الانتخابات هي الفرصة المتاحة لمواجهة النظام وفق دستوره وقوانينه، وأن هذه المشاركة حتى وإن كانت لن تصل بهم إلى كرسي الحكم إلا أنها ستمكنهم من فضح النظام، وتعريته، عبر مطالبته بمجموعة من الضمانات لنزاهة الانتخابات وتوفير الأجواء المناسبة لها، وهو ما سيعجز النظام عن توفيره، كما أن هذه القوى ترى أن المشاركة ستتيح لها تحريك المياه الراكدة في مستنقع السياسة الآسن، وستتيح لها تنشيط قواها الشبابية والحركية، وربما اكتساب جمهور جديد، وهو أمر “أفضل من لا شيء”.
رفض الانقلاب
مقاطعو الانتخابات ينطلقون من موقف مبدئي هو رفضهم لانقلاب الثالث من يوليو 2013 وما نتج عنه من تداعيات، ولا يزالون يتمسكون رغم مرور 5 سنوات على الإنقلاب بمطلب اسقاطه، واستعادة الحكم المدني عبر استمرار الضغط على النظام، وهم يرون أنهم رغم ضعف حراكهم الميداني إلى أدنى درجة إلا أنهم لا يزالون يمثلون شوكة في حلق السيسي ونظامه، ويشعرون العالم أن نظامه غير آمن وغير مستقر رغم كل مظاهر البهرجة ومهرجانات التسويق، وهو ما ينعكس صدودا للمستثمرين والسياح الأجانب عن القدوم إلى مصر في ظل هذا الحكم، لكن الجديد الذي نسمعه من مواقف غالبية هذا التيار المقاطع هو حرصه على قصر غضبه واشتباكاته على نظام السيسي فقط، وعدم الاشتباك مع أي مرشحين آخرين في مواجهته، وهو موقف يفتح الباب لتقارب جديد بين قوى يناير (المشتتة)، وما يعزز هذا الأمل أيضا هو انفتاح الكثيرين من قوى المشاركة على القوى الإسلامية، والدخول في حوارات جدية معها حول سبل التخلص من هذا النظام، ووضع رؤية مشتركة لمصر المستقبل.
ارباك السيسي
بغض النظر عن الموقف من الانتخابات وكونها مجرد مسرحية عبثية، فإن ترشح أي شخص قوي في مواجهة السيسي يربكه، لأنه ببساطة لا يقوى على المنافسة الحقيقية في صناديق شفافة وهو الذي وصل إلى الحكم بصناديق البارود، وهو الذي لم يستطع أن يخفي قلقه من الغضب الشعبي في كلمته في مؤتمر الشباب حين حذر المصريين من أي تحرك ضده، فلو كان الرجل يثق في نفسه وفي شعبيته لفتح الميادين ليعرف بها حجم هذه الشعبية، ولسمح بانتخابات نزيهة ومنافسة حرة، ومتكافئة، ولكنه أصبح يخشى من خياله، ويرفض توفير أي ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات، بل يطلق العنان لأجهزته الأمنية والقضائية والإعلامية لتنهش لحم أي منافس، وهو ما نراه الآن مع بعض الشخصيات التي يشك السيسي في احتمال ترشحها، فالسيسي يمنع الفريق أحمد شفيق من العودة إلى مصر، ويهدده بفتح ملفات محفوظة في الأدراج، وقوات السيسي تقتحم المطبعة التي تولت طباعة البيان الصحفي للمحامي خالد علي، وهي ذاتها التي تراقب تحركات الفريق سامي عنان، كما ترصد وتشوه أي تحركات لقوى ورموز المعارضة بهدف بناء جبهة وطنية واسعة.
يختلف عن حمدين
وبغض النظر عن الموقف من ترشح خالد علي، فإنه يختلف عن المرشح السابق حمدين صباحي، سواء من حيث موقفه السياسي من الحكم العسكري، أو من حيث القبول بفكرة المرشح “الكومبارس”، ولكن المؤكد أيضا أن الإنقلاب هو ذاته الذي يحكم مصر سواء في 2014 أو 2018، وأن الأسباب التي دفعت خالد لمقاطعة الانتخابات في 2014 لا تزال هي هي لم تتغير في جوهرها، فهذا الإنقلاب لن يقبل بفكرة المنافسة الشريفة، ولن يوافق على أي ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات، وأنه مستعد لفعل أي شيء لضمان بقاء السيسي، فقد كانت المقاطعة واسعة في 2014 تجاوزت 90% ومع ذلك خرجت نسبة التصويت (المزورة) بنسبة مشاركة 48%، حصد منها السيسي 96% حسب الإعلان المزيف، بينما حصد صباحي 3% ليحتل المركز الثالث بعد الأصوات الباطلة التي تجاوت 4%، وهو أمر مرشح للتكرار في المسرحية الجديدة ولا أظن أن أي شخص محترم يقبل ذلك.
قطب العربى
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات