كثير من الأنظمة الحاكمة فى بلاد العالم تمارس القمع والظلم والفساد، وتسخر كل ما أوتيت من قوة للوقوف فى مواجهة أى صوت يحاول كشف حقيقة الظلم أو يطالب بالقضاء على الفساد أو يمس السلطة الحاكمة. قد يبدو ذلك أمرا اعتياديا, لكنه فى أرض الإمارات يختلف تماما، فقد تجد نفسك بين يوما وليله مجردا من جنسيتك وأموالك .. فقط لأنك صُنفت من المعارضة.
قمع الحريات والاعتقال التعسفى والحرمان من السفر والطرد, والحرمان من الجنسية, وتجريدك مما تملك، كل هذه الأمور استخدمتها السلطة الحاكمة فى الإمارات لا سيما فى العام الماضى 2015 وما زالت تتفنن فى أشكال التعذيب والاعتقال حتى يومنا هذا، وهي تستخد عقوبة سحب الجنسية لتخويف بقية الشعب وإخضاعهم لسلطته البوليسية.
لقد كنت مواطنا، والآن.. أنت لست بمواطن، هذه الكلمات كفيلة بأن تحول حياة العديد من أبناء الإمارات الأحرار إلى جحيم حقيقى بعد أن يسمعوها من موظفى الدولة المعنيين.

سحب الجنسية يعد من أبرز الانتهاكات الحقوقية التى تمارسها حكومة الإمارات تجاه أبنائها، وقد كان أخرها نزع الجنسية عن الشيخ المربي عبيد علي الكعبي أحد شيوخ ووجوه قبيلة بني كعب الإماراتية العُمانية. ويعد سحب الجنسية من أخطر الانتهاكات الحقوقية، وقد طبقت على الكعبي بعد أن تم تكريمه كأفضل معلم في التربية الإسلامية, لكن ذلك لم يشفع له أن ينزعوا عنه جنسيته وجنسية عائلته الإماراتية.
محاكمات جماعية وفردية

نشر مركز الإمارات للدراسات والإعلام “ايماسك” تقرير الربع الأول لعام 2016 حول المحاكمات التي جرت في المحكمة الاتحادية العليا خلال شهور يناير وفبراير ومارس الماضية.
وحسب التقرير الصادر عن المركز فقد صعدت الإمارات من هجمتها ضد حرية الرأي والتعبير خلال الربع الأول لعام 2016م الحالي، مستخدمة القضاء لإجراء محاكمات جماعية وفردية.
وقال المركز إن 35 قضية مثلت أمام دائرة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا تتعلق بقانوني مكافحة الإرهاب وتقنية المعلومات سيئي السمعة واللذين تعرضا لانتقادات واسعة، ويبغ عدد المتهمين (146) شخصاً بينهم (61) جرى الحكم عليهم و(85) ماتزال محاكماتهم مستمرة حيث من المقرر الفصل فيها خلال الربع الثاني من عام 2016م، وتضم 17 جنسية، شملت الإمارات الإمارات منها 74 شخصا.
واعتمد التقرير في الحصول على الإحصاءات من الصحافة الإماراتية الرسمية، مما تم نشره، ويعتقد معدو التقرير أن هناك العديد من القضايا لم يتم الكشف عنها.
ووفق التقرير فإن معظم المعتقلين تعرضوا للتعذيب الجسدي والنفسي بأنواعه كالصدمات الكهربائية والضرب والسجن الإنفرادي، والتهديد بالإعتداء الجنسي، والتهديد بمسّ حياة عائلات المعتقلين، كما يتعرضون لإساءة المعاملة، والإهانة، والشتم والبصق، وكانت السيدة جابرييلا كنول، المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين بالأمم المتحدة قد نشرت تقرير زيارتها للإمارات في 2014م مؤكدة وجود مزاعم ذات مصداقية بأن المخفيين قسراً يتعرضون للتعذيب.
المواطنون السبعة

من أبرز قضايا سحب الجنسية فى الإمارات، من سُحبت جنسيتهم فى ديسمبر2011 بعد توقيعهم على عريضة الإصلاح الشهيرة التى طالبت بإصلاحات سياسية وإجراء إنتخابات حرة نزيهة للمجلس الوطنى الإتحادى ومنحه سلطة رقابية حقيقية على عمل الحكومة.
وكانت نتيجة سعيهم للإصلاح سحب جنسياتهم أولا ومن ثم اعتقالهم فى أبريل 2012 وظلوا لفترة طويلة بعيدا عن الأعين تحت وطأة التعذيب والتنكيل ثم نالوا أحكاما جائرة وصلت إلى السجن 10 سنوات.
لكن سحب الجنسية لم يكن أمرا محصورا فى قضية هؤلاء السبعة بل امتد إلى أسرهم وإلى العديد من المواطنين الآخرين، لكن الخشية من بطش القبضة الأمنية يجعلهم مختفين عن الأنظار ولا يخرجون للمطالبة بحقهم خوفا من أن يسوء الحال وتمتد القضية إلى ما هو أكثر من سحب الجنسية.
يعتبر إسقاط الجنسية عن المواطنين خرقا للقانون الدولى واختراقا صارخا لحقوق الإنسان السياسية، حيث تنص المادة الثانية من الإعلام العالمى لحقوق الإنسان على أن لكل إنسان حق التمتع بالحقوق كافة والحريات الواردة فى هذا الإعلان من دون أى تميز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو النوع أو الجنس أو الدين أو الرأى السياسى أو أى رأى أخر، أو الأصل الإجتماعى أو المادى أو أى وضع أخر دون أى تفرقة بين الرجال والنساء.
كما تنص المادة الخامسة عشرة من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على أن “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها”.
أحكام قضائية باتة
وتعد هذه الأحكام في هذه الدائرة ذات درجة تقاضٍ واحدة وأحكامها نهائية وباتة لا تقبل الاستئناف, ودائما تواجه هذه المحكمة انتقادات حقوقية دولية وأممية من جانب منظمات حقوق الإنسان لعدم توفر ضمانات العدالة والتقاضي.
وأكدت السيدة، جابرييلا كنول، المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين بالأمم المتحدة فى تقريرها عن زياراتها التي استهدفت الاطلاع على النظام القضائي الإماراتي والوقوف على مدى استقلال القضاء والمحامين، أكدت أنّ الدستور الإماراتي «لا يعترف بالفصل بين السلطات» ما يعني أنّ استقلال السلطة القضائية ليس مضموناً دستورياً ولا فنياً.
وبينت أن تعيين القضاة فى هذه الدائرة يكون من جانب السلطة التنفيذية، وهو ما أنتقدته الأمم المتحدة، وأن هذه التعيينات والترشيحات من جانب السلطة التنفيذية قد تؤثر على مواقف القضاة وسلوكهم، وخلصت “كنول” إلى أنّ “هذه الآلية تفتقر إلى الشفافية وقد تعرّض القضاة لضغوط سياسية غير لائقة”.
وتابع التقرير: “مقارنة بعام 2015 بالكامل فقد مثل فقط 76 شخصاً باتهامات متعلقة بالقانونيين، وهو ما يؤشر أن جهاز أمن الدولة يدفع بكل قوته باتجاه تأكيد رؤى المنظمات الدولية بكون الإمارات دولة بوليسية حتى وإن أخفت ذلك ناطحات السحاب، أو وجه مبتسم يدعيّ السعادة”.
هزيمة الضمير الإنسانى
حسن الدقى، أمين عام حزب الأمة الإماراتى يقول تعليقا على أحكام القضاء، إنه على القضاء الإماراتي المسيس ذي التوجهات والتوجيهات الأمنية، أن يعيش هزيمة الضمير الحقوقي والإنساني. عليه، أن يواجه نفسه، وأن يجيب عن تساؤلات الشعب الإماراتي: أين الأدلة التي حوكم عليها سجناء الرأى وما مدى حجيتها؟ أين الخطط والمخططات المزعومة؟ أين ضمانات العدالة وحق الحصول على محاكمة عادلة؟.
وتابع الدقى فى بيان لحزب الأمة حول اعتقال الشيخ الدكتور سلطان بن كايد القاسمي، سليل أسرة القواسم الحاكمة لإمارة رأس الخيمة، الخبير التربوي، أن الجمعيات الحقوقية الإماراتية، التي تدافع عن جهاز أمن الدولة، ترتكب خطايا حقوقية لا تتوقف. إن سكوت هذه الجمعيات على باطل محاكمة الشيخ وزملائه، هو السكوت الذي يبارك الظلم، ويغطي “عري” جهاز الأمن وسلوكه المقيت.
وتابع، نقول لهذه الجمعيات: إذا لم تكونوا قادرين على قول الحق، فلا تكونوا شركاء في الباطل. لا تشيدوا مراكز “الضرار” الحقوقية!
كذبة وزارتى التسامح والسعادة
ولاحظ مركز “ايماسك” أن أغلب تلك المحاكمات السياسية والمنتهكة لحرية التعبير والرأي قد جرت عقب الإعلان عن اعتزام الدولة إنشاء وزارتين للسعادة وأخرى للتسامح في البلاد، واشتدت وطأة الأحكام السياسية وضراوتها بعد تعيين وزيرين لهما ضمن تشكيلة الحكومة، ما ينسف أي ادعاءات بالتسامح.
وقال “ايماسك” إن جميع هذه القضايا هي قضايا تعبير عن الرأي حتى ولو كانت تحمل مضمونا متطرفا فيجب النظر فيها في محكمة طبيعية وليس محكمة أمن الدولة ذات الاحكام الباتة التي لا تقبل الاستئناف.
وأغلب القضايا تحت القانونين سيئيي السمعة يتعرض المتهمون فيها لإخفاء قسري لأشهر عديدة دون توفر أي معلومات لعائلاتهم أو السماح بلقاء محامٍ، أو معرفة الاتهامات، ومايزال العديد من هؤلاء المختطفين في تلك السجون السرية لا يعرف مكان اختطافهم أو التهم الموجهة لهم، ومنهم الخبير الاقتصادي الدكتور ناصر بن غيث المختطف منذ أغسطس الماضي، وأربعة من عائلة محمد العبدولي بينهم فتاتان إحداهما في الـ(18) من عمرها منذ نوفمبر الماضي، وقدمت للمحاكمة في ابريل بتهمة الإساءة للإمارات على “تويتر”، عندما كتبت عن والدها الذي قضي في معارك ضد نظام الأسد في سوريا.
القضايا التي جرى الحكم فيها خلال الربع الأول
14 قضية جرى الحكم فيها ما بين الإعدام والسجن المؤبد والسجن 5 خمس سنوات فيما تم تبرئة ليبيين اثنين, وبريطاني ومدون عُماني.
بينها ثلاث قضايا فقط تتعلق بمزاعم التفكير بالانتماء لجماعات إرهابية, والبقية بتهمٍ تتعلق بحرية الرأي والتعبير والتدوين، فيهم 51 إماراتيا، واثنان من سلطنة عمان، و2 من بنجلادش، وليبييّن، وشخص واحد من كل من الجنسية السورية والبريطانية وآخر من جزر القمر, فتم الحكم على (45 شخص) بموجب القانونين معاً، و(6) غيابياً بموجب قانون مكافحة الإرهاب فيما تمت محاكمة (10) بموجب قانون تقنية المعلومات.
قضية شباب المنارة

وسلط التقرير الضوء على بعض القضايا الهامة التى تظهر الإمارات فى أبشع صورها وكان من بينها قضية شباب المنارة، التى تضم 41 متهما 39 إماراتياً وأحدهم يحمل جواز جزر القمر وآخر سوري الجنسية.
ويحاكم شباب هذه القضية بتهم إنشاء تنظيم إرهابي ودعم جماعات إرهابية في سوريا وبلوشستان الإيرانية، وهي تهم باطلة حيث جرى اعتقالهم قبل صدور القانون بعام ونصف العام، ويقول المقربون منهم ” إنهم كانوا يبحثون عن تبرعات للاجئين السوريين المتواجدين في تركيا والأردن”، وقامت السلطات باعتقالهم بعد أسبوع من بداية بحثهم عن التبرعات.
وقد قضت دائرة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا، في القضية بالسجن المؤبد على تسعة متهمين حضورياً، واثنين غيابياً، والسجن 15 سنة على متهمين اثنين، و10 سنوات على 13 متهماً، وثلاث سنوات على ستة متهمين، وخمس سنوات على اثنين من المتهمين، وحبس أربعة لمدة ستة أشهر لحيازة أسلحة غير نارية، فيما قضت ببراءة سبعة أشخاص وإبعاد أربعة بعد انقضاء العقوبة.
وخلال العشرين عاماً الماضية على الأقل لم يعرف عن “السلفية الجهادية” في الإمارات أن قامت بأي عمل عدواني، أو “تكفيري”، كما يقول السياسيون والوقائع، فيما الكثيرون يرون أنه لا وجود لتنظيم حقيقي وفق جمعيات يديرونها، وهم أقرب للسلفية العادية, التي تؤمن بطاعة ولي الأمر وتحريم الخروج على الحاكم كما يقول كثيرون احتكوا بهم، ونشرا آراءهم على شبكات التواصل.
العديد من التقارير الحقوقية، المحلية والدولية سلط الضوء على قضايا انتهاك حقوق الإنسان فى الإمارات، وطالبت الحكومة الإماراتية بالرجوع عن هذه الانتهاكات الصارخة بحقوق أبناء الإمارات المخلصين وممن أفنوا حياتهم وأعمارهم فى خدمتها وسبيل رفعتها، لكن، “لا حياة لمن تنادى”.
المثير للسخرية أن الحكومة الإماراتية وفى الوقت التى تسحب فيه الجنسيات من أبناء وطنها المخلصين، أصبحت تمنحها للمرتزقة من كولومبيا وغيرها نظير خدمتهم فى حماية أمنها فى الوقت الذى تراجعت فيه الدول الغربية عن سحب الجنسية ممن حتى ثبت تورطهم فى أعمال عدائية راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات