في أغسطس من عام 1956، حدث أن غباراً ذرياً منبعثاً من اختبار سوفيتي على الأسلحة الذرية في سيميبالاتينسك في كازاخستان، اجتاح مدينة أوست- كامينوجورسك الصناعية في كازاخستان، وأُدخل بسببه 638 شخصا المستشفى مصابين بالإشعاع، وهذا العدد أكبر من حالات كارثة مفاعل تشيرنوبل التي بلغت 134 حالة، بأربع مرات، ولا أحد يعرف كم شخصاً منهم ماتوا، فقد ظلت تفاصيل الحادث مبهمة حتى اليوم بحسب “ذا نيو ساينتست” .
هي كارثة نووية أسوأ لا من ناحية عدد الحالات المصابة بالإشعاع الحاد فحسب، لكن لتواطؤ موسكو بالتستر على آثارها على صحة الناس وعلى تفاصيل الكارثة وأسبابها, الأمر الذي يثير القلق حتى الآن, خاصة في المنطقة العربية مع توجه مصر لانشاء محطة نووية غرب الإسكندرية بالتعاون مع روسيا .
تقرير سريّ للغاية ينكشف
اطلع موقع New Scientist على تقرير تم كشفه حديثاً، وعرف منه أنه كانت هناك بعثة علمية من موسكو كشفت التلوث الإشعاعي المتفشي في أعقاب الكارثة التي تم التكتم عليها، وبينما كانوا يتتبعون العواقب, استمرت الاختبارات النووية بشكل معتاد، دون أن يتم إخبار الأشخاص الذين تأثروا بها, أو إعلان ذلك العالم الخارجي.
التقرير السري للعلماء الذين جاؤوا من معهد الفيزياء الحيوية في موسكو، وُجد في أرشيف معهد الطب الإشعاعي والبيئة في سيمي بكازاخستان، وقد قال مدير المعهد؛ كازبيك أبساليكوف، الذي وجد التقرير: «لقد بقي سراً لعدة سنوات».
وقع المزيد من الاختبارات على القنابل النووية في سيميبالاتينسك أكثر من أي مكان آخر في العالم منذ خمسينات القرن الماضي وحتى الستينيات، وقد تحدث صحفيون غربيون منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عن الآثار الصحية الواضحة على القرويين الموجودين في اتجاه الريح القادمة من أماكن الاختبارات، وقدرت بعض الدراسات الحديثة جرعات الإشعاع التي تعرض لها الناس باستخدام طرق مثل قياس النشاط الإشعاعي في مينا الأسنان.
التقرير الذي كُشف عنه النقاب حديثاً، والذي يتناول «نتائج الدراسة الإشعاعية لمنطقة سيميبالاتينسك»، والذي تم اعتباره «سري للغاية»، أظهر للمرة الأولى مدى معرفة العلماء السوفيت بالكارثة الإنسانية آنذاك وتسترهم عليها.
شبح يتجول في القرى ليقتل
وفي منتصف سبتمبر 1956، أي بعد شهر من من انبعاث الغبار الذري، كانت مستويات الجرعات الإشعاعية في أوست- كامينوجورسك ما تزال عالية بمستوى 1.6 ميلليريم في الساعة، وهو ما يقدر بمئة ضعف المستوى الذي اعتبره التقرير نفسه «معدلاً مسموحاً»، وما تعتبره اللجنة الدولية للوقاية من الإشعاع آمناً.
وفي الشهر التالي، تنقلت البعثة العلمية بين عدد من القرى، وقد قال التقرير إن الغبار الذري في منطقة بالقرب من زنامينكا، كان خطيراً على الصحة، وأنه كان أكثر جدية وخطورة من الغبار الذري في منطقة أوست – كامينوجورسك.
ووجد الأطباء العسكريون الذين زاروا القرية بعد اختبار أغسطس ثلاثة أشخاص مصابين بالإشعاع الحاد. وتتفق النتائج مع التقارير السابقة حول مسار سُحُب الغبار الذري، ففي 2002 نشر كونستانتين جورديف في معهد الفيزياء الحيوية في موسكو خريطة تبين أنه في 24 أغسطس 1956، تحركت سحابة ذرية فوق كل من زامنكا وأوست- كامينوجورسك.
وفي وقت سابق من ذلك التاريخ، وتحديدا في 12 أغسطس 1953، حدث اختبار ذري أرسل سحابة ذرية عبر كارول، وهي التي وصفتها البعثة العلمية بعد ثلاث سنوات بأنها «خطيرة على الصحة».
أسوأ من تشيرنوبل بـ4 مرات
أحد نتائج البعثة العلمية تمثل في إقامة عيادة خاصة، تحت سيطرة موسكو، لتتبع الإشعاع وآثاره الصحية، وفي نهاية المطاف سجلت عدداً يصل إلى 100 ألف حالة تعرضوا للاختبارات مع أطفالهم.
هذه العيادة عُرفت باسم «المستوصف المضاد للبروسيلا رقم 4»!، وقد اختير هذا الاسم لكي لا يجذب الانتباه إلى نشاطه الحقيقي، والذي صنف باعتباره سريا للغاية حتى عام 1991.
وعندما انهار الاتحاد السوفييتي في تلك السنة، تغير اسم المستوصف إلى معهد الطب الإشعاعي والبيئة، لكن العديد من التقارير في أرشيفه انتقلت إلى موسكو أو دمرت، وفقاً لإفادة «بوريس جوسيف» الذي عمل في المستوصف عام 1962.
أفلت من رقابة السوفييت
التقرير الذي كُشف حديثاً كان أحد التقارير التي أفلتت من رقابة الاتحاد السوفيتي، وقد وجد أنه كان هناك «تلوث إشعاعي كبير في التربة والخضروات والطعام» في شرق كازاخستان، وأن عينات البراز المأخوذة من الأشخاص العاملين في مزرعة في جنوب أوست- كامينوجورسك احتوت على مستويات عالية من الإشعاع، وهو النشاط الإشعاعي الذي لم يعد موجوداً بعد تحولهم إلى تناول طعام مستورد بدلا من الطعام المحلي.
البعثة دعت لعدم تناول الحبوب المحلية، واقترحت أنه من غير المناسب إجراء اختبارات ذرية (خاصة انفجارات أرضية) قبل الحصاد الكامل للأرض، وبهذا يكون الطعام محمياً من الغبار، لكن هذا التنبيه ذهب أدراج الرياح، فقد تم رصد الغبار الناتج عن الاختبارات فيما بعد؛ في أغسطس 1957 وأغسطس 1962.
وحاول التقرير التقليل من المخاطر، قائلاً إن الأطباء سجلوا تغييرات عديدة على الجهاز العصبي للناس ودمائهم، لكنه قالوا إنه لا يمكن نسبة هذه التأثيرات إلى الإشعاع وحده، وإنما يوجه اللوم كذلك للصرف الصحي السيئ والنظام الغذائي المحبط، وأمراض عديدة مثل البروسيلا والسل.
أول سجل معاصر للاختبارات السرية
اختبارات القنبلة الجوية في سيميبالاتينسك توقفت عام 1963، وبالرغم من أن المنطقة الموجودة في اتجاه الريح القادمة من ذلك المكان آمنة الآن للسكن، فإن بعض المناطق لن تعود لطبيعتها أبداً، والوضع في البعض الآخر غير مؤكد ويحتمل أن يكون خطيراً.
ورحب رومان فاكولشوك من المعهد النرويجي للشئون الدولية بالانفتاح الجديد من كازاخستان بشأن هذه المسألة، وقال إن التقرير هو أول سجل معاصر للبحث في آثار هذه الاختبارات على السكان المحليين، فحتى العام 1956، لم تجر الحكومة السوفيتية أية دراسات.
ولكن ما يزال هناك عدم يقين بشأن مدى استمرار التلوث والآثار الصحية، ورغم أن بعض الأماكن لا تظهر خطراً، إلا أن هناك أماكن تحتاج للوقاية من الخطر إلى ما لا نهاية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات