لماذا أقال السيسي صهره من رئاسة أركان الجيش المصري؟

لم يكن مجرد قرار جمهوري، ذاك الذي أعلنه المتحدث العسكري لسلطة الانقلاب العسكري في مصر، أمس السبت، بإنهاء خدمة رئيس الأركان؛ الفريق محمود حجازي, وتعيينه مستشارا للتخطيط الاستراتيجى وإدارة الأزمات.

فالقرار يمس صهر السيسي المقرب، الذى تولى المنصب في 27 مارس 2014، أما تعيينه مستشارا للرئيس فهو المنصب الذي لا معنى له ولا قيمة وفق العرف المصري.

وقد كان يُنظر لحجازي باعتباره من أقرب العسكريين للسيسي؛ فابن الأخير متزوج من ابنة حجازي منذ عام 2010، كما أن رئيس الأركان المقال تولى في وقت سابق قيادة المخابرات الحربية في أغسطس 2012 خلفًا للسيسي الذي ولاه الرئيس مرسي وزيراً للدفاع, قبل أن يخونه وينقلب عليه.

حزمة من التساؤلات تلاحق قرار الإقالة التي جاءت مفاجئة للجميع، وبعد ساعات من وصول «حجازي» من واشنطن، بعد حضور اجتماعات رؤساء أركان الدول المشاركة في الحرب على الإرهاب، بالعاصمة الأمريكية واشنطن, الأمر الذي أثار التكهنات حول ما جرى في واشنطن, ومن ذلك ما ذكره البعض عن اجتماع بين حجازي ومسئولين أمنيين أمريكيين استكشفوا, ثم لمحوا, ثم صرحوا, برغبتهم في الانقلاب على السيسي.

ومنذ نحو عام، برز اسم حجازي، كمنسق للملف العسكري والسياسي الليبي، وكان دائم السفر في جولات خارجية بشكل ملفت تجاوز فيها دور وزير الدفاع؛ صدقي صبحي، وتردد أنه بات الرجل الأول فعليا في المؤسسة العسكرية.

خيانة في «الواحات»

كما أنه من المرجح أن تداعيات مجزرة «الواحات»، الجمعة قبل الماضي، التي طالت العديد من ضباط الشرطة, لم تكن بعيدة عن حركة الإقالات والتغييرات التي أجراها السيسي، وطالت رئيس الأركان، كما طالت قيادات في وزارة الداخلية منهم رئيس جهاز الأمن الوطني اللواء محمود شعراوي، ومدير أمن محافظة الجيزة، اللواء هشام العراقي، التي وقعت مذبحة الشرطة في نطاقها, ومدير الأمن الوطني بالجيزة اللواء إبراهيم المصري، كما ضمت الحركة تغيير مدير إدارة العمليات الخاصة بالأمن المركزي، وقيادات أخرى.

حركة الإقالات تعزز صحة التسريب الذي أذاعه الصحفي أحمد موسى، القريب من الدوائر الأمنية, ثم نفته وزارة الداخلية لاحقا، وأظهر حجم التقصير الأمني الذي شاب عملية الواحات، التي كبدت الشرطة خسارة هي الأسوأ منذ سنوات.

التسريب أثار الكثير من البلبلة حول كفاءة جهاز أمني، تُنفق عليه المليارات, لكنه يعاني ارتباكا واضحا، يصل إلى حد تجريد قياداته من السلاح، واحتجاز أفراد منهم كرهائن، ولا تصل التعزيزات الأمنية إلا لجمع جثث القتلى والجرحى.

وفق تقارير استخباراتية، فإن ثمة تهاونا كبيرا جرى قبل وأثناء وبعد تنفيذ عملية «الواحات»، وسط اتهامات بالخيانة، خرجت للعلن من قيادات بارزة كانت تتولى مناصب عليا في الجيش، أخطرها جاء من رئيس الأركان الأسبق، الفريق سامي عنان، الذي تساءل: «هل أبناؤنا أعز وأكفأ ما نملك يكونون ضحية الخيانة وضعف وسوء التخطيط وعدم دقة المعلومات؟».

وأضاف: «نَحّوا العواطف جانباً الآن، لغة العقل والرشد، هي ما نحتاجها حالياً، ابحثوا عن الأسباب والدوافع وضعوهما في سياقهما الصحيح، شخَّصوا المرض بواقعية وبعقلانية، أدركوا حجم الكارثة التي نمر بها ونعيشها».

الإشارة إلى الخيانة، تكرر أيضا، من المرشح الرئاسي السابق الفريق «أحمد شفيق»، الذي وصف ما حدث في هجوم الواحات بأنه «لم يكن مجرد اغتيال كمين منعزل»، على حد تعبيره, متسائلا: هل ظلمتهم الخيانة، أو ضعف التخطيط لهم، أو كل الأسباب مجتمعة؟».

وتابع قائلا: «أرجوكم.. لا تتعجلوا في الانتقام قبل أن تستوعبوا وتفهموا حقيقة ما دار أمس على أرض بلدنا الجريح، وفي عمقه. أرجوكم.. أدركوا أن ما حدث لم يكن مجرد اغتيال كمين منعزل، ولا هو مهاجمة بنك في مدينة حدودية، أبدا، لمن لا يفهم ولمن لا يريد أن يفهم ـ ما دار كان عملية عسكرية كاملة الأركان».

لغز «شفيق» واتصالات «فوزي»

«عملية عسكرية كاملة الأركان»، كان التعبير الأخطر في تدوينة شفيق، الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع قيادات حالية في الجيش، يبدو أنها سربت له ما حدث في «الواحات»، بما يشير إلى احتمالية تورط محمود حجازي في المأزق الأمني الذي وقعت فيه قوات الداخلية خلال العملية, وربما التقاعس عن دعمها بالإمدادات أو طائرات استطلاع، والتأخر عمدا عن إغاثة الجرحى حتى فجر اليوم التالي، علما أن تلك المنطقة تدخل ضمن نطاق تغطية المنطقة العسكرية الغربية.

الأزمة تفاقمت، من اتهامات بالخيانة، إلى حالة من الخلاف بين وزارتي «الدفاع» و«الداخلية»، استدعت تدخلا استخباراتيا من رئيس جهاز الاستخبارات العامة، خالد فوزي، لتهدئة الأجواء بين الجانبين، بحسب صحيفة «العربي الجديد».

وأجرى «فوزي» سلسلة اتصالات بكل من وزير الدفاع؛ صدقي صبحي، ووزير الداخلية؛ مجدي عبد الغفار، ورئيس أركان الجيش؛ محمود حجازي، في محاولة لإنهاء الخلافات، ما يعني أن تداعيات مجزرة «الواحات» طالت المستوى الأول من قيادات المؤسستين، وربما تعرض الجانبان لتوبيخ رئاسي، جراء تفاقم حجم الخسائر، في يوم كان يحتفل فيه السيسي مع زعماء العالم بالعيد الماسي لمعركة العلمين بالحرب العالمية الثانية .

وتشير تقارير متداولة، إلى أن سبب غضب المؤسسة العسكرية، يعود أولا، إلى أن «قيادات وزارة الداخلية فضّلت القيام بتلك العملية بمفردها من دون تنسيق مع الجيش، أو إبلاغ الجهات المختصة بالقوات المسلحة للتنسيق معهم، حتى لا يُنسب لهم في النهاية الفضل في القبض على هشام العشماوي (ضابط صاعقة مفصول من الجيش ومتهم بتنفيذ العملية) ومجموعته, وتكون الداخلية صاحبة “اللقطة” الأولى للحدث وليس المؤسسة العسكرية.

بينما يرجع غضب قيادات وضباط وزارة الداخلية في أعقاب مقتل زملائهم، إلى الموقف الرسمي، الذي وصفوه بالمتخاذل والمتجاهل لتضحياتهم، وتجاهل السيسي لمدة يومين، التعليق على المذبحة، رغم ضخامتها، وعدم إعلان الحكومة حدادا رسميا في البلاد، أو تنظيم جنازة شعبية لضحايا الهجوم.

الخلاف بين الوزارتين، ليس جديدا من نوعه، وسط أجواء مشحونة بالصراع على النفوذ، ففي يوليو الماضي، بدت حالة من الغضب داخل الجيش، عقب إعلان وزارة الداخلية مداهمة معسكر تدريبي لعناصر مسلحة في محافظة الإسماعيلية، شمال شرقي البلاد، وتصفية 14 شخصا تبين لاحقا أنهم من المختفين قسريا.

وتحتضن الإسماعيلية، مقر الجيش الثاني الميداني، واستراحة رئاسية، ومقرا للاستخبارات الحربية، أي أن المدينة تخضع لإشراف عسكري.

وقالت مصادر عسكرية وقتها، إن هذا الإعلان بمثابة توجيه أصابع الاتهام للمؤسسة العسكرية بالتقصير في تأمين منطقة القناة، تحديدا رغم أن طلعات الاستطلاع لا تتوقف عن رصد كل المناطق التي يحتمل أن تكون بؤرا إرهابية.

والشهر الجاري، كشفت مصادر صحفية النقاب عن عيوب هندسية خطيرة في بناء المقر الجديد لوزارة الداخلية، بمنطقة التجمع الخامس، شرقي القاهرة.

وأفادت المصادر، بحدوث ميل للمبنى الضخم، قد يهدد بانهياره، مؤكدة حدوث أزمة بين وزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، التي تولت الإنشاءات.

اجتماع رؤساء الأركان

ومن الصعب استبعاد ما دار في اجتماعات واشنطن، التي ضمت رؤساء أركان الدول المشاركة في الحرب على الإرهاب، عن أسباب الإقالة التي طالت صهر السيسي، الذي شارك بدعوة رسمية من رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية.

فقد شارك حجازي في الاجتماعات إلى جانب رؤساء جيوش  السعودية، الإمارات، الأردن، ودول حلف شمال الأطلسي، وأستراليا، يتردد أنه التقى رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال جادي أيزنكوت، وأن ثمة شيئا ما دار في الكواليس، دفع تل أبيب إلى تحذير السيسي من طموحات صهره.

الكاتب الصحفي وائل قنديل، ذهب إلى ذلك، قائلا في تدوينة عبر «تويتر»، «كان حجازي في أمريكا، بينما السيسي في فرنسا. ما الذي سمعه رئيس الأركان الإسرائيلي من حجازي، فلما عاد الأخير وجد قرار الإقالة في انتظاره؟».

مراقبون يلمحون إلى سبب ثالث قد يكون وراء الإقالة، يتعلق بتصريحات حجازي خلال المؤتمر الذي ناقش التحديات الأمنية المشتركة والتقييمات للأوضاع والتطورات في مجال الأمن، التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، والتي اعترف خلالها بعجز مصر عن مواجهة الإرهاب، وتفاقم المأزق الأمني في البلاد، الأمر الذي أغضب السيسي، في ظل توبيخ أمريكي جراء هذا الفشل، مقارنة بما تلقته القاهرة من مساعدات اقتصادية وعسكرية سخية من الولايات المتحدة ودول خليجية.

الوزير السابق في عهد د. محمد مرسي؛ عمرو دراج، ألمح إلى ذلك، قائلا في تدوينة عبر «تويتر»: «يبدو أن المشاركة في الاجتماع ده بحضور السادة الأمريكان والصهاينة جعله يقع مع نسيبه، مبروك فريق حجازي منصب مستشار للتخطيط، يعني وقت فراغ ممتد».

وكان السيسي أطاح بعدد من رفاق انقلاب 3 يوليو 2013، على فترات  متلاحقة، أبرزهم وزير الداخلية السابق؛ اللواء محمد إبراهيم؛ منفذ مجزرتي «رابعة» و«النهضة»، ومدير المخابرات العامة السابق اللواء «محمد التهامي»، و21 قائدا عسكريا من أعضاء المجلس العسكري، لأسباب غير معروفة.

وخلال 3 أعوام أطاح بأكثر من 1500 ضابط من مواقعهم في الجيش، وأحال قرابة 100 من مسؤولي الاستخبارات للتقاعد، ضمن تصفيته لغير الموالين له في جهاز المخابرات العامة منذ

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …