ليلة لم ينم فيها ولي العهد .. قصة الإطاحة بمحمد بن نايف

«أريدك أن تتنحى، لأنك لم تستمع للنصيحة بأن تتلقى العلاج من إدمانك الذي يؤثر بصورة خطيرة على قراراتك».

هكذا تحدث الملك سلمان بن عبد العزيز، منفردا، لولي عهده السابق محمد بن نايف، الذي استدعي، يوم الثلاثاء، 21 يونيو الماضي، عبر اتصال هاتفي، للقاء الملك في الطابق الرابع من القصر الملكي في مكة.

الرواية الجديدة، نفاها مسؤول سعودي كبير، أمس الأربعاء، في بيان تلقته «رويترز»، قائلا إن «القصة الواردة هنا محض خيال ترقى إلى قصص أفلام هوليوود»، على حد تعبيره.

وقال المسؤول السعودي، الذي طلب عدم كشف هويته، إن «محمد بن نايف أُعفي من منصبه لاعتبارات المصلحة الوطنية ولم يتعرض لأي ضغط أو عدم احترام»، مضيفا أن أسباب الإعفاء «سرية».

لكن التفاصيل الجديدة التي نشرتها «رويترز» تتطابق مع الرواية التي توافقت زمنيا مع ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، الأمريكية، أمس الأربعاء، بشأن الاجتماع الاستثنائي بين الملك وولي عهده، تذهب إلى التأكيد على حدوث «انقلاب قصر».

وحسب مانشر فإن مصدر سياسي سعودي مقرب من بن نايف، وصف تلك اللحظات بـ«الصدمة»، قائلا: «كانت صدمة لمحمد بن نايف.. كان انقلابا.. لم يكن مستعدا».

ورفض مسؤولو القصر الرد على الأسئلة المفصلة بشأن مسألة إدمان محمد بن نايف، لكن مصادر مطلعة أفادت بأن الملك كان عازما على تصعيد ابنه لولاية العرش واستغل مشكلة بن نايف مع الإدمان للإطاحة به.

ثغرة «المورفين»

ويبدو أن سيناريو الانقلاب أعد بدهاء، بدايةً من ايجاد ثغرة قوية تزلزل وضع بن نايف، كولي للعهد، وتطعن شخصية تعد الأقوى في الجهاز الأمني السعودي على مدى العقدين الماضيين، باعتباره غير لائق صحيا ليكون وريثا للعرش، وانتهاءً بإخراج مشهد مبايعة محمد بن سلمان وليا للعهد.

ووفق مصادر سعودية وعربية، منها مصادر مقربة من بن نايف، فإن الأخير كانت لديه مشكلات صحية زادت بعد محاولة مهاجم من تنظيم القاعدة تفجير نفسه أمامه في قصره عام 2009.

مصدر عربي له علاقات بالسعودية قدم هو الآخر، رواية مماثلة عن الاجتماع الذي طلب فيه الملك سلمان، من بن نايف التنحي بسبب إدمانه المزعوم للعقاقير المسكنة.

تقول المصادر، إن هناك شظية مستقرة في جسد محمد بن نايف لم يتسن إخراجها وإنه يعتمد على عقاقير مثل المورفين لتخفيف الألم.

وعولج بن نايف في مستشفيات في سويسرا ثلاث مرات في السنوات القليلة الماضية، لهذا الغرض، وفق رواية المصدر, ولم يتسن لـ«رويترز» التأكد من الرواية على نحو مستقل.

ويقول «بروس ريدل»، وهو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية ومدير مشروع الاستخبارات في مؤسسة بروكينجز: «تقول الأدلة التي شاهدتها إنه أصيب بجروحٍ أكبر في محاولة الاغتيال مما تم الاعتراف به، وإنه قد اعتمد على الأدوية المسكنة تماما، ما جعله مدمنا عليها. وأصبحت أموره تزداد سوءا تدريجيا، بحسب ما نقلته «نيويورك تايمز».

مادة المورفين يبدو أنها كانت مداد الحبر الذي كتبت به الرسالة التي صاغها مستشارو محمد بن سلمان، ومفادها أن بن نايف يعاني من مشكلة صحية وهي إدمان العقاقير وأنه جرت محاولات منذ أكثر من عامين لإقناعه بالتماس العلاج لكن دون جدوى.

جرى إطلاع مجلس البيعة، الذي يتألف من كبار أعضاء أسرة آل سعود، على رسالة ممهورة بتوقيع الملك، يحمل فحواها إشارات إلى الوضع الصحي لـ«بن نايف»، الأمر الذي يبرر تنحيته، ويمنح سلمان معبرا آمنا لتوريث العريش إلى نجله المقرب.

لحظة الاستسلام

على عجل، تُلي خطاب التنحية عبر الهاتف على أعضاء هيئة البيعة، بينما ظل «محمد بن نايف» معزولا في غرفة طوال الليل، وتم سحب هاتفه المحمول وقطع الاتصال بينه وبين مساعديه، واستبدال حراسه من وحدات القوات الخاصة في وزارة الداخلية.

وأرسل القصر مبعوثين إلى أعضاء هيئة البيعة للحصول على توقيعاتهم، ووقع جميع الأعضاء وعددهم 34 باستثناء ثلاثة ونجحت الخطة.

وسُجلت مكالمات أعضاء هيئة البيعة المؤيدين لعزل بن نايف وأذاعها عليه مستشار للديوان الملكي لإظهار شدة القوى المؤيدة لتنحيته، وإثناء ولي العهد البالغ من العمر 57 عاما عن أي رغبة في المقاومة.

ووفقا لما ذكره مصدران سعوديان على صلة بالأسرة الحاكمة، فإن ثلاثة أعضاء فقط بهيئة البيعة عارضوا الإطاحة به هم أحمد بن عبد العزيز؛ (وزير الداخلية الأسبق لبضعة أشهر عام 2012)، وعبد العزيز بن عبد الله؛ ممثل أسرة الملك السابق؛«عبد الله»، و«محمد بن سعد» النائب السابق لأمير الرياض. ولم يتسن الوصول للثلاثة للتعليق.

بحلول الفجر كان الأمير «محمد بن نايف» قد استسلم وأبلغ مستشارا بالديوان الملكي أنه مستعد لمقابلة الملك. كان الاجتماع مقتضبا ووافق «بن نايف» على التنحي وتوقيع وثيقة تفيد بذلك.

«محمد بن نايف» لم يتوقع أن يفقد منصبه لمصلحة «محمد بن سلمان» الذي لم يتجاوز من العمر 32 عاما، ويرى أنه ارتكب عددا من الأخطاء السياسية مثل تعامله مع الصراع في اليمن وإلغائه المزايا المالية للموظفين الحكوميين، وعندما يصبح ملكا فسوف يقود مملكة تواجه أوقاتا صعبة وتشهد تراجعا في أسعار النفط وحربا في اليمن وتنافسا مع إيران وأزمة دبلوماسية كبرى في الخليج.

لحظة الحسم أو النهاية لحبك سيناريو الانقلاب، جاءت حين غادر «بن نايف» مقر إقامة الملك، ففوجئ بمحمد بن سلمان في انتظاره، مقبلا عليه، ليقوم باحتضانه وتقبيله، هنا سجلت كاميرات التلفزيون المشهد، وكان هذا هو المقطع الذي أذاعته وسائل الإعلام في الساعات والأيام التالية، لتأمين الغطاء الإعلامي للقرار.

ويؤكد المصدر أن محمد بن نايف لا يزال قيد الإقامة الجبرية ليظل معزولا بعد الإطاحة به ولا يسمح له باستقبال زوار باستثناء أفراد أسرته. وأضاف أنه لا يتلقى اتصالات هاتفية. وفي الأسبوع الأخير لم يسمح له إلا بزيارة والدته المسنة بصحبة الحراس الجدد الذين كلفوا بمرافقته مؤخرا.

وذكر المصدر أن بن نايف يود أن يصطحب أسرته إلى سويسرا أو لندن، لكن الملك سلمان وابنه محمد قررا أنه يجب أن يبقى.

وامتنع البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن التعليق، وقال مسؤول كبير بالإدارة الأمريكية إن واشنطن كانت تعلم أن بن سلمان هو المفضل لدى الملك لكن ما هو أكثر من هذا يلفه غموض شديد.

وقال مسؤول أمريكي وأحد مستشاري واحد من الأسرة المالكة السعودية، إن بن نايف عارض الحظر المفروض على قطر، وهو موقف ربما سرّع من عملية الإطاحة به.

وفُرضت الإقامة الجبرية عليه، وعلى اللواء عبد العزيز الهويريني في منزله، وهو أحد رجال الأمن المقربين من بن نايف، وكان حاسمًا في العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، وفقًا لمسؤولين حاليين وسابقين في واشنطن.

وحل محل محمد بن نايف وزيرًا للداخلية ابن شقيقه البالغ من العمر 33 عامًا، عبد العزيز بن سعود بن نايف، الذي كان مستشارا لعمه، والذي يعتقد بأنه مقرب من بن سلمان.

وتشير «نيويورك تايمز» في ختام تقريرها إلى أن مدى الدعم لمحمد بن سلمان داخل الأسرة المالكة غير واضح، ويقول بعض المسؤولين الأمريكيين والسعوديين ذوي الصلة إنّ هناك حالة من السخط داخل الأسرة.

ولم يحضر الملك «سلمان» ولا ابنه اجتماع قمة مجموعة العشرين في هامبورج بألمانيا، ويقول المحللون إنّ النزاعات الأسرية قد تكون أجبرت الرجلين على البقاء في الداخل، أو أنّهما لا يريدان أن يواجها انتقاداتٍ حول الحصار التي فرضته السعودية، مع ثلاث دول عربية أخرى، على قطر.

ويقول السعوديون الذين صدموا من التغييرات أنّهم قد يخسرون الكثير إذا ما خرجت الانشقاقات داخل الأسرة إلى العلن، الأمر الذي قد يؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد.

ويقول أحد أفراد الأسرة المالكة: «ليس الأمر أنّ الناس سيخرجون للشارع ليهتفون بعودة بن نايف، لكن نحن نريد أن نحافظ على هذه العائلة واستقرارها».

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …