محمد صفية (دمشق) -خدمة قدس برس
بينما يشكك البعض بجدية أنقرة في تنفيذ تهديداتها التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمهلة الزمنية التي حددها لانسحاب قوات النظام السوري من مناطق خفض التصعيد، يرى مراقبون أن تركيا عازمة هذه المرة على كبح جماح النظام ومن خلفه روسيا، ولكن ليس على قاعدة المواجهة المفتوحة مع الروس.
الرمال السورية المتحركة ترسم خرائط سيطرة متغيرة يبدو فيها الروس في عجالة من أمرهم قبل العودة إلى طاولة مفاوضات قد تتمخض عنها تفاهمات جديدة.
إدلب.. حسابات دقيقة
الخبير في الشؤون التركية سعيد الحاج، أوضح في حديث خاص لـ “قدس برس” أن الحسابات في إدلب دقيقة جداً بالنسبة لتركيا ولباقي الأطراف وخصوصاً روسيا بعد التطورات الأخيرة.
وأضاف: “أعتقد أن الموقف التركي جدي إلى حد بعيد في مواجهة النظام، إلا أن أوراق تركيا وأدواتها في تنفيذ رغباتها أو تهديداتها تبقى محدودة وحساسة”.
وأشار إلى أن تركيا تريد وقف تقدم النظام قدر الإمكان ولكنها في الوقت نفسه لا تريد المواجهة مع روسيا التي تسعى لاحتواء الموقف التركي الغاضب دون أن يؤدي ذلك لتراجع النظام عن المناطق التي كسبها، باعتبار ذلك يناقض الاستراتيجية الروسية التي تحاول فرض الأمر الواقع.
وأردف: “أعتقد أننا في المرحلة الحالية أمام ضغوط وضغوط متبادلة ورسائل رسائل متبادلة بين أنقرة وموسكو”.
اتفاق جديد يحفظ ماء وجه تركيا
وأوضح الحاج أن غاية تركيا في نهاية المطاف “التوصل لاتفاق جديد وتثبيت وقف إطلاق النار في ادلب وإرجاء سيطرة النظام عليها إلى ما بعد حل سياسي توافق عليه المعارضة ويؤدي إلى شكل جديد للحكومة السورية”
وأكد أن التصريحات التركية “عالية السقف” والتحركات الميدانية، وحتى الإيعاز للمعارضة بفتح جبهات شرق وغرب حلب، كل ذلك يمكن وضعه في سياق الضغوط التركية للتوصل إلى اتفاق جديد وتثبيت وقف إطلاق النار قد لا يكون بالضرورة اتفاق سوتشي السابق ولا أي تفاهمات سابقة.
وبيّن أن المعطيات الميدانية مختلفة وأن تركيا ترى أنها تعرضت لإساءة كبيرة وضربة موجعة وأنها دفعت ثمنًا باهظاً في إدلب من حياة جنودها ككلفة بشرية وكلفة سياسية أيضاً.
واستدرك: “لذلك تريد (تركيا) بدء مرحلة جديدة في إدلب لا يكون عنوانها تثبيت كل ما كسبه النظام وبالتالي المزيد من الإحراج فضلاً عن حرجها كضامن غير قادر على تغيير المعطيات الميدانية ولا حتى على تثبيت وقف إطلاق النار رغم أنها تفي بالالتزامات من الطرف المتعلق بالمعارضة السورية”.
ويرى الحاج أن المؤشرات حتى اللحظة تقول إن روسيا وأنقرة حريصتان على التوصل لاتفاق ما.
ونوه إلى صعوبة تحقيق ذلك لأن ما تريده تركيا غير ما تريده روسيا؛ فتركيا تريد أن يعود النظام إلى ما قبل الطرق الدولية والحدود المبرمة في اتفاق سوتشي لكن روسيا لا تريد للنظام أن يتراجع لأن ذلك سيكون سابقة قد يكون لها ما بعدها”.
المفاوضات والاحتكاك
ويعتقد الحاج أن المفاوضات هذه المرة أو الحوار التركي الروسي سيطول نوعاً ما، وقد لا يصل إلى اتفاق جديد في المدى المنظور ولذلك ربما لهذه الحساسية تركيا أعطت المهلة لآخر شهر شباط الحالي.
ونوه إلى أن تركيا قادرة على المناوشة والاحتكاك والالتحام مع النظام في زوايا محددة ولا تريد أن تغامر بعملية عسكرية لا تضمن بالنهاية مآلاتها وأثمانها التي قد تكون أكبر حتى من التي دفعتها حتى الآن في ظل وجود نقاط تركية محاصرة.
وتساءل عن إمكانية الإسناد الجوي دون التنسيق مع روسيا وعن حدود تلك العملية إن تمت.
ورجح الحاج أن يتوصل الطرفان التركي والروسي إلى اتفاق ما سيكون مرضياً لتركيا ولو جزئيًا يمكن تسويقه داخليًا على الأقل خاصة بعد الخسائر التي لحقت بها.
ومن جهة ثانية أن يكون مبنيًا على المعطيات الميدانية التي كسبها النظام مؤخرًا وبالتالي يمكن لروسيا أن تقبل بهكذا اتفاق.
إلا أن “الحاج” استبعد أن يتوصل الطرفان لاتفاق في المدى القريب فضلاً عن أن هذا الاتفاق المفترض سيكون هشًا بطبيعة الحال، لأن الطرفين مختلفان إلى حد كبير جداً.
تأثير الموقف الأمريكي
وأشار “الحاج” إلى الموقف الأمريكي وتأثيره على الموقف التركي عالي السقف. مبينًا: “أعتقد أنه متأثر بطريقة أو بأخرى بالدعم الأمريكي الذي ورد في كثير من التصريحات الأمريكية مؤخرًا”.
وأضاف: “أعتقد أن التفاهمات التركية الروسية ستعتمد إلى حد بعيد على الموقف الروسي وإلى أي مدى ستمضي روسيا في إغضاب تركيا وعدم الاكتراث بحساسياتها أو أنها يمكن أن تقدم تنازلات معينة وبالتالي يبنى عليها لاحقًا في ادلب بهذا الاتجاه أو ذاك”.
وشدد على أن المصير النهائي في نهاية المطاف سيفضي إلى تقسيم إدلب إدارياً ومن يديرها وما إلى ذلك.
وختم “الحاج” حديثه: “ما لا يمكن أن تتنازل عنه تركيا من وجهة نظري هو شريط حدودي معين أو منطقة آمنة في المناطق القريبة من الحدود، بحيث لا يصل إليها النظام؛ فضلاً عن أن هذا الشريط أو المنطقة الآمنة ستحميها من موجات اللجوء الكبيرة في حين ستكون المناطق البعيدة عن الحدود والأقرب للطرق الدولية تحت سيطرة النظام عاجلًا أم آجلًا”.

علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات