مؤتمر الشيشان واللعب بورقة الدين (2)

لماذا الشيشان؟

لقد عقد المؤتمر في الشيشان التي اجتمعت فيها مقومات ودلالات؛ وأهم مقوماتها أن رئيسها ينتمي لحركة باطنية وبالتالي لديه الحافز الكبير لرعاية وإنجاح المؤتمر؛ فهو يعتبر عمله دينا يتقرب به إلى الله، وكذلك جميع التقارير التي ذكرناها في الحلقة السابقة وندوة مركز نيكسون ركزت على الشيشان باعتبار أغلب أهلها ينتهجون التصوف، ولذا فهي محل اتفاق بين الروس والأمريكان، ومع أن أمريكا تختلف مع روسيا في ملفات كثيرة إلا أن هذا الملف محل اتفاق بينهما.

وبالنسبة لدلالات المكان؛ فهي سياسية, فجمهورية الشيشان إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفيتي، والروس ذاكرتهم ليست قصيرة ولا ينسون انهيار الاتحاد السوفيتي، وبينهم وبين المسلمين ثأر لا يمكن نسيانه، فهم يعتبرون أحد أسباب انهيار محورهم ومعسكرهم الكبير هو استنزافهم في حروب أفغانستان والشيشان وغيرها من الأماكن التي كانت تحت سيطرتهم، ولا يخفى أن دور المسلمين كان كبيرا في هذه الحروب وخصوصا المسلمين العرب الذين جمعوا الأموال وهاجروا للجهاد بعلم أغلب دولهم، وروسيا تعتبر المملكة العربية السعودية الداعم الأكبر للمسلمين في تلك المناطق آنذاك، ولذا تريد استخدام نفس السلاح الذي أرهقها وفككها من قبل، وتحديدا مع السعودية  فضلا عن محاولة تفكيك الإسلام بصفته دينا.

فتى بوتين المدلل راعي المؤتمر

جاء مؤتمر الشيشان برعاية الرئيس الشيشاني رمضان أحمدوفيتش قديروف، وهو صوفي متشدد، كان سابقاً أحد الثوار الشيشانيين ضد الروس، وهو ابن الرئيس الشيشاني السابق أحمد قاديروف؛ أحد أمراء الحرب في الشيشان الذي اغتيل في مايو/أيار 2004، استلم رمضان السلطة في فبراير 2007 وجاء ذلك بعد فترة قصيرة من بلوغه الثلاثين عاماً وهو العمر الأقل الذي يسمح فيه للشخص أن يكون رئيساً في الشيشان.

قاتل رمضان قاديروف الى جانب والده ضد القوات المسلحة الروسية وبعد الحرب أصبح السائق والحارس الشخصي لوالده أحمد قاديروف الذي أعلن الجهاد ضد روسيا، ثم ما لبث في بداية الحرب الشيشانية الثانيةأن انشق وانضم الى جانب المعسكر الروسي، ومنذ ذلك الحين قاد قاديروف ميليشيا بدعم من خدمات الأمن الفدرالي الروسي وأصبح قائداً للأمن الرئاسي الشيشاني، وفيما بعد اطلق على هذه الميليشيا اسم قاديروفيتس.

رمضان قاديروف هو الرئيس الأقرب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويعتبر واحداً من أكثر الشخصيات قرباً إلى الكرملين، وقد أعلن مرات عدة وفي عدة مناسبات أنه يهب حياته دفاعاً عن روسيا وعن الرئيس فلاديمير بوتين وكتب ذلك على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وبالتالي فالرئيس الشيشاني – راعي المؤتمر – ليس أكثر من موظف عند بوتين، حاول إضفاء القداسة على كبار الشخصيات التي حضرت من خلال بعض التصرفات التي لا يمكن لرئيس غيره أن يتصرفها كهرولته باتجاه الحبيب الجفري واستقباله بعض الحضور كما يستقبل الرؤساء.

في النهاية .. نحن أمام أعتى زعيم للميليشيات, وقائد فرق للموت في العالم، أثار الرعب في الشيشان، خطف قادة المقاومين للوجود الروسي في الشيشان وهدم دور من حمل السلاح بوجه روسيا، شيد المعتقلات والسجون، تاريخه حافل بالبطش والإجرام، شخص لا يقل إجراما عن بشار الأسد مع فارق أن الرجل حاقد على كل من يخالف منهج التصوف من المسلمين، وبذلك لا يختلف كثيرا عن قادة ميليشيات إيران في العراق وسوريا فجميعهم تحركه عقيدته لحرب المسلمين[1].

اللعب بورقة الدين

لطالما كانت ورقة الدين من اختصاص بريطانيا التي راهنت عليها سنين طويلة، فهي ورقة رابحة في كل زمان ومكان، والحقيقة أنها خير من يتقن التفنن في اللعب بها فقد اختارت من الديانات تيارات تمثل أقلية ولها نزعة متطرفة، وعملت على تقوية وجودها على حساب وجود الأغلبية، وهي تحتضن الأحزاب الدينية المتطرفة، ومنذ سنين وأمريكا تلعب بهذه الورقة لكن بطريقة تختلف قليلا عن بريطانيا التي تحتوي الجماعات والأحزاب الدينية لتستخدمها لتحقيق مصالحها، أما أمريكا فذهبت أبعد من ذلك لأنها لا تأبه لاحتواء التيارات الدينية بقدر ما تعمل على صناعتها ليكون المنتج مطابقا للمواصفات الأمريكية كما هو حالها في صناعة السيارات والأجهزة والمنتجات الأخرى، ولذا وظفت أمريكا مراكز بحوثها ودراساتها المتخصصة بالسياسة والشؤون الإسلامية فترة طويلة لتعد لها نموذج الإسلام المتوافق مع المواصفات الأمريكية، وأطلقت عليه بعد ذلك “الإسلام المعتدل” والحقيقة أنه الإسلام “المعدل” كما يفعل الأمريكيون مع سياراتهم عندما يضعون تعديلات عليها لتصبح بشكل أسرع أو أفضل من وجهة نظرهم.

المهم في هذا الموضوع أن الطباخين في مراكز البحوث الذين أوكلت لهم مهمة طبخة “الإسلام المعتدل” لم يحذروا الغرب ويخوفوه إلا من السلفية، من ذلك عبارة روبن رايت[2] التي لخص بها كتابه (هواجس أمريكا حول التطرف الإسلامي): “لا تخافوا سائر الإسلاميين، خافوا السلفيين”، كما أن صفحات الانترنت ومكتبات مراكز الدراسات تزخر بمئات المقالات والمؤلفات في هذا الاتجاه.

أكثر من ذلك فقد عمل هؤلاء على جعل تهمة الإرهاب التي ألصقوها بالإسلام “ماركة” للسلفية، وربطوا السلفية بأنظمة الحكم في دول الخليج العربي بشكل وآخر، معتبرين تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وقبله تنظيم القاعدة رمزا للسلفية التي يُخوفون منها، في حين لم يعد خافيا على أحد أن تنظيمي القاعدة وداعش صناعة استخباراتية محترفة، وإن كان بعض قادتها أو أتباعها ينتمون في بداياتهم للمدرسة السلفية فهذا لا يعني أن هذه التنظيمات من نتاج المدرسة، فالتطرف موجود في كل مكان ويمكن استغلاله لصناعة تنظيمات كداعش والقاعدة، وهنا أذكر كلاما للدكتور عبد الله عزام رحمه الله، وهو قائد المجاهدين العرب في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، وهو يتحدث في وقتها عن المجاهد وكأنه يستشرف المستقبل، فيقول: “أخطر إنسان هو المجاهد، لأنه بلحظة يتحول إلى قاطع طريق”, وبالفعل فهو شخص مدرب لا يهاب الموت, فإذا ما فقد الضوابط التي يعمل بها أو تخلى عنها فإنه من السهولة أن يتحول إلى مجرم، أما كيف صنعت التنظيمات الإرهابية فليس لأحد أن يجزم بطريقتها، لكنها إما جاءت بطريق مباشر أو غير مباشر من خلال تهيئة الظروف لبنائها ثم توجيهها عن بعد أو من قريب، وعليه فمسألة ربط المنهج السلفي بأنظمة الحكم في الخليج أمر فيه إجحاف، لا سيما وأن هذه الأنظمة لا تعتمد الإيدلوجيات الإسلامية في عملها وإدارتها للحكم.

وفي مقابل كل ذلك تتجاهل التقارير والدراسات, الإرهابَ الذي تمارسه الميليشيات الصفوية، وأحزاب إيران الدينية، بل تتجاهل إرهاب الحكومات كحكومتي العراق وسوريا ولا تحذر من خطورة التيار الديني الذي تنتسب إليه هذه الجماعات والذي يدعي الإسلام، بل تأتي التقارير لتتحدث عن مظلومية أتباعه.

ويبدو أن روسيا اليوم تلعب هي الأخرى بورقة الدين بعد أن وضعت أمريكا لها المقدمات وهيأت لها الظروف، لا سيما وأن الورقة الدينية آذت روسيا من قبل وقد استخدمتها أمريكا ضدها في حرب أفغانستان والشيشان، لذا رعت روسيا هذا المؤتمر الذي عبر عنه بأنه “نقطة تحول مهمة وضرورية لتصويب الانحراف الحاد والخطر، الذي اعترى مفهوم أهل السنة والجماعة إثر محاولات المتطرفين اختطاف هذا اللقب وقَصره على أنفسهم، وإخراج أهله منه”، لننتظر بعد ذلك فصولا جديدة من العداء الإسلامي الإسلامي، وليختزل المؤسسات الدينية الإسلامية بمراكز العلوم الشرعية في العالم الإسلامي بـ “الأزهر، والقرويين، والزيتونة، وحضرموت”

لماذا التصوف؟

والسبب المهم وراء الالتفاتة الأمريكية نحو التصوف كان تاريخياً، فغالباً ما كانت السيطرة اليهودية على مجريات الأمور في بعض الدول معتمدة على الحركات الباطنية، فالأوروبيون مثلا لفت انتباههم إجرام إسماعيل شاه الصفوي فعقدوا الاتفاقيات معه ودعموا الفكر الباطني الذي يمثله حتى اللحظة، وانهيار الإمبراطورية العثمانية كان على يد اليهود الذين ادعوا الإسلام وشكلوا حركات التصوف الباطني الذي نخر الدولة وسيطر على رأس الحكم فيها، فالقضية كلها مبنية على أساس المصلحة والتخادم.

ومن الأسباب الأخرى لهذه الالتفاتة رغبة الغرب بإظهار الجانب الاستسلامي في بعض طرق الصوفية وتأصيل الروح الاستسلامية المنهزمة في نفس المسلم، وهنا أشدد على كلمة “بعض” حتى لا يظلم التصوف وأهله لأن التاريخ مليء بصور مشرقة لعظماء وقادة على منهج التصوف قاوموا المحتل وقادوا الجهاد في سبيل الله.

إن أخطر ما في حركات التصوف, الخلايا الباطنية المنتشرة بين الطرق الصوفية، والمستترة بقناع التصوف، حتى بدأ بعضهم يبحث فيما يسميه «التصوف السني»، وهو السالم من الوقوع في براثن الكيد الباطني، فقد تسلل الصفويون واليهود وغيرهم من أعداء الإسلام عن طريق حركات التصوف، وهو أمر دفع أهل الاستشراق إلى دراسة التصوف دراسة مستفيضة، ومما هو معلوم أن تقارير هؤلاء تبنى عليها سياسات وحروب الدول فأكثرهم يعمل لصالح دوائر الاستخبارات الغربية[3].

واليوم جاء الوقت لينفذ الغرب خططه ويحتوي هذه الحركات ويعدل عليها ويعمل على توحيدها ويجند أتباعه لتنفيذ خططه في العالم الإسلامي.

مؤتمر الشيشان ترجمة عملية لندوة مركز نيكسون

لا شك أن مؤتمر الشيشان إجراء عملي لندوة مركز «نيكسون»، وتنفيذ عملي لتوصيات تقارير مؤسسة راند وغيرها من تقارير المستشرقين، ولأن هدف المؤتمر إحداث شرخ عميق في المجتمع الإسلامي طرح السؤال الآتي: من هم أهل السنة؟ وكأننا بعد أكثر من 1400 سنة لا نعرف الإجابة، ولتأتي الإجابة بحصر أهل السنة بالأشاعرة والماتريدية اعتقادا، وهذه مصطلحات لا يعرفها عامة الناس بل وبعض طلبة العلم الشرعي من المبتدئين، وهي من اختصاص علماء الشريعة وطلبتها، وأضاف لهذين المذهبين العقديين أصحاب التصوف الصافي كما أطلقوا عليه، وفي جانب الفقه اعتبروا أتباع المذاهب الأربعة من أهل السنة، وأخرج المؤتمر كل من سواهم من دائرة أهل السنة، ليضيق المصطلح تضييقا واسعا.

الهدف السياسي للمؤتمر

الواقع أن هدف هذا المؤتمر سياسي بامتياز لأنه يريد تجريد السعودية من أقوى سلاح تمتلكه؛ وهو قدرتها على التأثير على أكثر من مليار مسلم حول العالم من خلال السيادة الدينية التي تتمتع بها، مع أنها لم تستخدم هذا السلاح في يوم من الأيام ولم تلوح به مطلقاً.
المؤتمر بمثابة إيذان بأن المرحلة القادمة ستكون الدائرة فيها والدعم الدولي للحركات الباطنية، أما إذا تبنت الدول الإسلامية مقرراته بضغوطات أمريكية فسيشكل أزمة حقيقية في العالم الإسلامي لأنه سيمزق المسلمين ويشعل نار العداوات بينهم بأي صورة ويفتح مزيدا من جبهات الصراع، خصوصا وأن الأمة الإسلامية بعد الأحداث الجسام التي مرت وتمر بها تركت الحديث عن الاختلافات الدينية بين أهل السنة فلم نعد نسمع بخلافات بين الصوفية والسلفية كما كان ذلك حاصلا قبل أكثر من عشر سنوات، وبعد المؤتمر بدت بوادر الحديث في هذه الموضوعات من جديد، مع أن الخلاف الحقيقي الآن ليس خلاف الأشاعرة مع السلفين، أو السلفيين مع الصوفية، أو السلفيين مع الإخوان، لكن الخلاف بين من يعمل لصالح المشروع الإسلامي، ومن يعمل ضده، حتى من يختلف الآن مع الإخوان من الإسلاميين وغيرهم، لا يختلف معهم على مسألة العقيدة وإنما خلافه على أساس الحزبية وضعف الأداء السياسي أو محاولة الاستحواذ على السلطة، لكنه تحول بفضل هذا المؤتمر إلى اختلاف على أساس العقيدة, وهذا أمر لا صحة له.

بالإضافة إلى ذلك سينتج عن المؤتمر حالة من إقصاء وإبعاد ومحاصرة كثير من العلماء والتيارات التي لا يمكن دمجها في مشروع مؤتمر الشيشان والتي لا يمكن تدجينها، خصوصا وأن المؤتمر استغل قضية رفض حكومات العالم بما فيها حكومات الدول العربية لما عرف بالإسلام السياسي، ليتقدم المؤتمر ببديل وهو التصوف السياسي المدعوم من الغرب والشرق، الذي سيتولى صياغة إسلام وفق التوجهات الغربية ليختزل الشريعة والدين ببعض القيم الروحية، ويسلم زمام الأمور في النهاية لمجموعات تخدم المشروع الصهيو صفوي.

المملكة العربية السعودية اليوم أمام تحدٍ كبير, أكثر من غيرها من الدول، وعلى المستوى الديني المجتمعي سيتولى المسلمون التعامل مع مقررات مؤتمر الشيشان وما سينتج عنه، أما على المستوى السياسي فالمهمة تقع على السعودية باعتبارها المقصود بهذا المؤتمر كما أنها الوحيدة التي تمتلك الأدوات السياسية التي يمكن أن تتعامل بها مع نتائج هذا المؤتمر.

أهم ما كشفه المؤتمر

من أهم ما كشفه المؤتمر خطورة الحركات الباطنية في الوقت الحاضر واستعدادها وتقديم نفسها لتكون الأداة التي يُحارب بها الإسلام من داخله، كما كشف المؤتمر أن العداء الحقيقي ليس مع السلفية بل مع جميع الإسلاميين ومنهم الإخوان الذين اجتهد الكثير في تصويرهم على أنهم يتقاطعون مع السلفية، كما بين أن حصان طروادة القادم للغرب هم الحركات الباطنية التي تسللت للتصوف بالإضافة إلى الصفويين الذين لم يتستروا بالتصوف أو غيره.

مرة أخرى أينما وردت كلمة الصوفية في هذا المقال، فلا أعني بها أولئك الذين يلتزمون بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً من الصوفية, واختاروا لأنفسهم حياة الزهد والعبادة ولزوم مجالس الذكر، وإنما المقصود الحركات الباطنية ذات الارتباطات الخفية التي تسير وفق خطط مرسومة، كما لا يجب أن ينجر أحد من المسلمين في التهجم على الصوفية ومعاداتها ردا على هذا المؤتمر، فهذا هو مراد من خطط ودبر له، خصوصا وأن كثيرا من عوام الصوفية لا علاقة لهم بالحركات الباطنية التي تعمل وتخطط بإشراف الغرب.

………………

[1]  ينظر: رمضان قاديروف جلاد روسيا في أرض الشيشان، للأستاذ محمد الأمين مقراوي الوغليسي، مجلة البيان.

[2] روبن رايت، باحث بمعهد السلام الأمريكي – كلامه حول السلفيين مترجم من مجلة «نيويورك تايمز» في 20-8-2012

[3] ينظر: الشيعة المتصوفة، للدكتور ناصر عبد الله القفاري، مجلة البيان العدد 320 فبراير 2014.

…………

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …