وجّه المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي جون بوبيرو رسالة مفتوحة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن مشروع قانون “تعزيز المبادئ الجمهورية” ومحاربة “الانفصالية”، مطالبا فيها بمراجعة إجراءاته الانتقائية وعدم تفسير العلمانية وفق منظور مناقض للقيم الأساسية التي قامت عليها، وتزامن ذلك مع إصدار المؤرخ رواية جديدة وصفت بأنها “رومانسية” لكنها لا تخلو من نقاش فلسفي وتاريخي عميق.
وفي الرسالة التي نشرتها صحيفة “نوفيل أوبسرفاتور” (L`Obs) قبل شهر، قال المفكر الفرنسي الذي يُعرف بـ”مؤرخ اللائكية” إنه شعر منذ محادثاته الأولى مع الرئيس الحالي أنه لا يحتاج إلى أن يشرح له معنى اللائكية مثلما فعل مع الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي حين ألّف قبل أكثر من 12 عاما كتابه “تفسير اللائكية للسيد ساركوزي ولمن يكتبون خطاباته”.
لكن التدابير الأخيرة التي أعلنها ماكرون أظهرت -كما يقول بوبيرو- أن الأمور تتجه نحو منحدر خطر يشبه ما حدث في عهد ساركوزي، لذلك فإنه وجد من الضروري كتابة هذه الرسالة حتى “يتوسّل” إلى الرئيس من أجل ألا يتأثر بسياسات ساركوزي، واليمين بوجه عام.
ويقول بوبيرو مخاطبا الرئيس ماكرون “لقد شرحت الخطوط العريضة للفكر الذي ترتكز عليه في خطابين، أحدهما في ميلوز (شمال شرقي فرنسا) في 18 فبراير/شباط، والآخر في مورو في الثاني من أكتوبر/تشرين الثاني. قدمت حينئذ رؤيتك لكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة الماثلة أمامنا، وكانت رؤية مختلفة تماما عن “العلمانية الجديدة” (مصطلح صاغه رئيس حزب الجمهوريين الفرنسي فرانسوا باروان) التي يتبنّاها اليمين”.
ولكن الرئيس توقف -حسب رأيه- في منتصف الطريق الذي كان ينبغي أن يسير فيه إلى النهاية من أجل إيقاف مسلسل الهزائم المتتالية التي مُنيت بها الجمهورية في العقود الأخيرة.
ويؤكد بوبيرو أنه يتفق مع الرئيس على أن الانفصالية أمر مرفوض داخل المجتمع، وأن الاختلاف يصبح أمرا خطرا عندما يتعارض مع قيم الجمهورية ويخرج عن إطار التنوع الثقافي والهوياتي الذي ينسجم مع المنظومة العلمانية.
لكنه يعتقد أن إحدى المشكلات الجوهرية في التعامل مع هذه القضية هي الحدود المسموح بها للتنوع والاختلاف داخل المجتمع، وكيفية الحكم بأن ثقافة ما تشكل عامل إثراء أو مؤشرا على نزعة انفصالية تهدد قيم الجمهورية.
والمشكلة الأخرى، وفقا للمفكر الفرنسي، هي أن تلك النزعة الانفصالية قد تكون انعكاسا لفشل عملية الاندماج الثقافي نتيجة السياسات التي سببت كثيرا من البؤس والشقاء لفئات من المجتمع الفرنسي.
ويستغرب بوبيرو أن الرئيس ماكرون لم يجد أي عذر لتلك الفئات المهمشة، ولم يحاول أن يفسّر سبب نزعتها الانفصالية، بيد أنه لم يهاجم الأوساط الأكاديمية، ولم يتهمها أبدا بتهديد قيم الجمهورية عندما قررت أخيرا أن تشكل لجانا لمراقبة الأفكار المخالفة داخل الجامعات.
وكان نحو ألفي باحث قد أدانوا، في رسالة مفتوحة نشرت في صحيفة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية، الدعوة إلى “فرض الرقابة على حرية الفكر في الجامعات”، التي وقّعها 100 أستاذ دعما لأفكار وزير التعليم الوطني جان ميشيل بلانكر عن “اليسارية الإسلامية”.
وتابع جون بوبيرو رسالته إلى الرئيس متهما إياه بالتناقض، بسبب رغبته في حظر كل أشكال التعليم خارج المدرسة العمومية من أجل حماية الأطفال من الفكر الانفصالي.
ويقول الكاتب إن الدولة الفرنسية سمحت منذ 1977 بتدريس بعض المواد لعدد من الطلاب في المدارس العمومية، على يد مدرّسين تدفع أجورهم حكومات أجنبية، وهو برنامج أثار الجدل وتمت المطالبة بمراجعته منذ 2003، لكن الرئيس لم يشر إليه بتاتا في سياق حديثه عن حظر التعليم المنزلي.
وحسب رأيه، فإن المسؤولين الفرنسيين لا يتحدثون عن قيم الجمهورية وخطر تقسيم الدولة إلا عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين والدين الإسلامي، وهو ما يظهر بوضوح في مشروع حظر التعليم المنزلي، حسب الصحيفة الفرنسية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات