لم يكن تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية المقال، حيدر بدوي، حول عزم بلاده بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، من فراغ، بل هي نتاج مباحثات وعقد لقاءات بين مسؤولين سودانيين وإسرائيليين، على رأسهم عبدالفتاح البرهان ورئيس وزراء دولة الاحتلال، وهذا ما أكده بدوي أن هناك مباحثات تجري في الغلف المغلقة حول التطبيع مع دولة إسرائيل “رغم إقالتي”، وربما تم الإطاحة ببدوي لأنه استبق الإعلان الرسمي عن التطبيع مع إسرائيل أو كونه وضع الخارجية السودانية في موضع حرج بأنها هي آخر من يعلم عن شيء في اختصاصها.
وحسب رأي دبلوماسي أن تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية المقال حيدر بدوي، والمؤتمر الصحفي المطول الذي عقده لاحقا حول التطبيع مع إسرائيل؛ هيأت الملعب لاتفاق قريب بين البلدين”.
التطبيع يدور في الخفاء
وأبلغ بدوي الجزيرة نت صدور قرار بالفعل بإقالته من منصب الناطق باسم الوزارة، لكنه -حسب قوله- ما زال يعمل في الخارجية.
وربما بدا أن ثمة أزمة بين حيدر بدوي والوزير المكلف عمر قمر الدين؛ إثر نفي الأخير تصريحات بدوي المتعلقة باتصالات قائمة بين السودان وإسرائيل من أجل تطبيع العلاقات، ومن ثم المسارعة يوم الأربعاء لإقالته من منصب المتحدث الرسمي باسم الخارجية.
والشاهد أن بدوي وقمر الدين جمعت بينهما جلسة قبيل ظهور الأول في مؤتمر صحفي مساء الثلاثاء أقر فيه بأن التصريحات المتعلقة بالتطبيع موقف شخصي له كمواطن ثائر قبل أن يعدد ثمار التطبيع، وفق ما أكدته مصادر بوزارة الخارجية للجزيرة نت.
وزامن المتحدث باسم الخارجية تصريحاته المثيرة للجدل بنشر مقال على موقع “سودانيز أون لاين”، الذي يحظى بمتابعة رائجة، وقال فيه “أقول لكافة السودانيين: اصطلحوا مع إسرائيل. وأقول للرئيسين البرهان وحمدوك: احترموا شعبكم واكشفوا له ما يدور في الخفاء بشأن العلاقة مع إسرائيل”.
لقاء برهان ونتنياهو
ويبدو موقف المتحدث باسم الخارجية تجاه الغموض الذي تدير به الخرطوم ملف التطبيع مع تل أبيب متسقا مع موقف الحزب الجمهوري الذي ينتمي إلى فكرته.
وأكد حيدر الصافي، الأمين السياسي للحزب الجمهوري، أن هناك اتصالات بين القيادتين في المجلسين السيادي والوزاري سبقت لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعنتيبي الأوغندية في فبراير/شباط الماضي.
ووقتها نشبت أزمة إثر لقاء البرهان ونتنياهو، بعد أن أبلغ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مجلس الوزراء أنه لم يجر التشاور معه بشأن اللقاء الذي حضره أيضا الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني.
ويقول الصافي للجزيرة نت إنه لا يستقيم عقلا ولا منطقا ألا تكون هناك اتصالات بين مجلسي السيادة والوزراء بشأن العلاقات مع إسرائيل.
ويرى الأمين السياسي للحزب الجمهوري أن ثمة اتفاقا وجدولة أعقبت لقاء عنتيبي، مستدلا بعدم استمرار النقاش حول انفراد البرهان بالخطوة، لكن المشكلة -حسب تعبيره- تتمثل في أن التعامل مع دولة مثل إسرائيل بهذه الطريقة فيه خيانة.
ويتابع “لا يوجد ناطق باسم الشعب السوداني، وكان يجب إتاحة فرص في أروقة الجامعات والمراكز لتلمس آراء السودانيين حول التطبيع مع إسرائيل وحساب مصالح الخرطوم”.
ورغم إعفاء السفير حيدر بدوي من مهمة الناطق الرسمي باسم الخارجية، فإن الرجل ما زال في الوزارة، بعد أن عُيّن مديرا لإدارة التخطيط بالوزارة السيادية، وهي إدارة -حسب دبلوماسي للجزيرة نت- يمكن أن تكون قريبة من ملف التطبيع، في ظل عدم وجود إدارة مختصة بالعلاقات مع تل أبيب.
وكان نتنياهو تلقف تصريحات بدوي بسرعة، وعلق قائلا إنها “تعكس القرار الشجاع الذي اتخذه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، والذي دعا للعمل على تعزيز العلاقات بين البلدين”.
ملف التطبيع بعيدا عن الخارجية
ويقول المصدر الدبلوماسي من الواضح أن ملف التطبيع مع إسرائيل يدار من خارج الخارجية، وهو أمر عادي لأن الوزارة مجرد جهة تنفيذية تتلقى السياسات من جهات أعلى مثل رئاسة الجمهورية.
ويقول السفير السابق بالخارجية إبراهيم الكباشي إن ملف العلاقات مع إسرائيل لا تديره الخارجية التي هي في الأصل جهاز تنفيذي ينفذ سياسة صناعها في المستوى الأعلى، والذي هو في الوقت الراهن المجلس السيادي، حسب الجزيرة.
لكن الكباشي -الذي عمل بالخارجية حتى عام 2005- يشير إلى أنه في حالة الفوضى والميوعة السياسية الحالية تتأرجح قضية مثل التطبيع مع إسرائيل بين رئيسي مجلسي السيادة والوزراء.
ويضيف أن حالة الإرباك بين ما أدلى به وزير الخارجية والمتحدث الرسمي للوزارة متوقعة في ظل غياب مؤسسات الحكم السيادي المنتخبة، مستدلا بلقاء البرهان ونتنياهو من دون استشارة الحكومة، وقرار حمدوك المنفرد بطلب بعثة دولية لها الولاية السياسية والعسكرية على كامل البلاد.
ويعزو الكباشي الحرج الذي يتلبس الحكومة الانتقالية إزاء التطبيع مع إسرائيل إلى الموقف التاريخي للسودان المساند للقضية الفلسطينية.
لكن رغم ذلك ما زال الشخص أو الأشخاص الذين يديرون الاتصالات مع إسرائيل مجهولين للرأي العام بعد وفاة عرابة التطبيع في السودان نجوى قدح الدم متأثرة بجائحة كورونا في مايو/أيار الفائت.
وهي اتصالات أكدتها حتى اليوم الأربعاء تصريحات لوزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين، بقوله إن هناك مباحثات بين بلده والسودان.
والمؤكد أيضا أن ملف التطبيع أصبح بطرف الحكومة بعد لقاء البرهان-نتنياهو، وهو ما أقر به البرهان نفسه في مقابلة تلفزيونية عقب لقاء عنتيبي في فبراير/شباط الماضي، عندما قال إن ملف العلاقات مع إسرائيل تم تحويله إلى الحكومة المدنية.
وتبعا لذلك يمضي شقا الحكومة الانتقالية (مجلسي السيادة والوزراء) معا في طريق التطبيع مع إسرائيل، الذي بات قاب قوسين أو أدنى، حسب مراقبين، بكل حرجه البالغ وألغامه المعماة تحت الأقدام.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات