أصدرت حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” وثيقة جديدة, قدمها رئيس مكتبها السياسي؛ خالد مشعل يوم الاثنين في مؤتمر صحفي عقده في الدوحة، قبل أن يترك منصبه لاحقًا.
وقد أثارت الوثيقة الكثير من الجدل والنقاش والتساؤلات منذ أن تسربت أجزاء منها قبل نشر الوثيقة بالكامل. ومن المقاطع التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام أن حماس «تعتبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس على خطوط الرابع من يونيو 1967 هي صيغة توافقية وطنية مشتركة».
وقد فهم البعض من ذلك أن حماس تبدي تسامحا مع وجود (إسرائيل)، وإن لم يكن هناك اعتراف كامل بها, لكن سرعان ما سعت (إسرائيل) إلى التقليل من هذه الخطوة حيث قال متحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتانياهو» إن حماس تحاول خداع العالم, وقد وصف بيان رسمي من مكتب «نتنياهو» الوثيقة الجديدة بأنها «ساتر من الدخان».
واستنادا إلى ما تنص عليه الوثيقة الجديدة، تقول حماس إنها لن تتخلى عن شبر واحد من أرض «فلسطين التاريخية» كما أنها لا تزال تحتضن المقاومة المسلحة في سعيها لتحرير فلسطين «من النهر إلى البحر».
قد تكون حماس لجأت إلى هذه الخطوة, فقط من أجل الحصول على الشرعية الدولية، وقد تكون بعض البلدان طلبت صياغة المبادئ الجديدة على الورق قبل أن تقبل بحماس ككيان سياسي مشروع.
ميثاق 1988
كانت حماس قد أعلنت ميثاق حركتها عام 1988 الذي اعتبر أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حرب دينية تتطلب الجهاد من جانب جميع المسلمين، لكن الوثيقة الجديدة تستخدم بدلا من ذلك كلمات مثل الوطنية، ولغة الحق الطبيعي، فرغبة الفلسطينيين في الدولة «حق غير قابل للتصرف» يمتلكه الشعب الفلسطيني، هذه ليست مجرد لغة ذكية، بل هي تركز على إعادة توصيف الصراع، حيث تنص المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أن أحد أهداف الأمم المتحدة هو تعزيز الحقوق المتساوية وتقرير المصير لجميع الشعوب، والمشكلة هي أن الأمم المتحدة، ومجموع القانون الدولي، القائم على العلاقات بين الدول القومية، ليس لديه حل عندما يدعي شعبان تقرير المصير على نفس الأرض!
الوثيقة الجديدة تذكر أن معركة حماس مع الصهيونية، وليس مع اليهود بحكم دينهم, وذلك ردا على اتهامها بمعاداة السامية.
لكن هل يمكن فصل الصهيونية عن اليهودية؟ إن الصهيونية هي أحد أشكال القومية اليهودية حتى أن تقييم الصهيونية على أنها منفصلة عن اليهودية يعد مغالطة.
ليس واضحا لماذا قررت حماس القيام بذلك الآن ، ربما يكون ذلك نتيجة جدل محتدم داخل الحركة، وربما نكون دول خليجية قد ضغطت على حماس للقيام بذلك.
بلا خيارات
وحسب جيوبوليتيكال فيوتشرز فإن مشكلة حماس في نهاية المطاف أنها ليست لديها أي خيارات جيدة، فهي تريد أن تحظى بقبول المجتمع الدولي، لكن لا يمكنها أن تتحول في قضية تبنيها للمقاومة، وهي تكافح بالفعل من أجل التفوق في قطاع غزة، أما مشكلة الأطراف الأخرى فهي أنه في حال تخلت حماس عن الحرب ضد (إسرائيل)، فإن مجموعة أخرى ستحاول سد هذه الفجوة.
ومن غير المرجح بحسب جيوبوليتيكال فيوتشرز أن يأتي ذلك بالكثير على صعيد رغبة حماس في الحصول على الشرعية الدولية، ولكن للحصول عليها يجب على حماس أن تغير مواقفها، فاحتمال اندلاع حرب أخرى بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة تحوم في الأفق، ونشر وثيقة جديدة وقدوم زعيم جديد بعد تنحي «مشعل» قد لا يغير الظروف الأساسية التي يعاني منها القطاع.
ومن المفارقات أن (إسرائيل) هي التي ستكون الأكثر عرضة للإحراج لتحول حماس إلى نهج “أكثر اعتدالا”، فتطور حركة فلسطينية غير عنيفة تطالب بحقوق متساوية (أو حتى أقل عنفا تعترف بإسرائيل كبلد)، سيضع إسرائيل في وضع صعب للغاية سواء في الداخل أو الخارج.
وترى جيوبوليتيكال فيوتشرز أن الوثيقة محاولة منخفضة التكلفة من قبل حماس لتحسين مكانتها الدولية دون التخلي عن تطلعاتها لدولة إسلامية فلسطينية من دون جارة إسرائيلية.
ولن تجبر هذه الوثيقة (إسرائيل) على إنهاء الحصار، ولن تضيف المال إلى خزائن حماس لدفع الرواتب أو تقديم الخدمات للشعب، ولن تجبر الدول الإسلامية في المنطقة على قبول حماس أو تدفع (إسرائيل) إلى التوصل إلى اتفاق مع حماس لا تحتاج إليه ولا تريده، ومن غير المرجح أيضا أنها سوف تنجح في تجميل وضعها أمام الغرب أو دفعه للنظر إليها بغير صورة المجموعة الإرهابية وفق تصنيف بعض الدول المؤثرة.
ومن المفيد فهم مدى صعوبة موقف حماس، من أجل فهم كيف خرجت هذه الوثيقة، التي من غير المرجح أن تصنع الكثير في واقع الأمر.
جدل لاينتهي
ياسر الزعاترة؛ كاتب سياسي أردني/ فلسطيني يرى بصحيفة الدستور الأردنية أن الجدال منذ سنوات بعيدة قائم في أوساط حماس قبل خارجها حول تغيير “ميثاق الحركة” الذي صدر عام 88.
وكانت حجة الرافضين أن الميثاق تم تجاوزه عمليا، وأي تعديل على النص الأصلي، لن يكون سوى رسالة تنازل بلا جدوى، مشيرين في هذا السياق إلى أن ميثاق منظمة التحرير نفسه لم يتم تغييره، وإن نُسخ عمليا.
أيا يكن الأمر، فقد انتصر الرأي القائل بإصدار وثيقة جديدة تتجاوز عثرات الميثاق القديم، والذي لم يكتب بلغة سياسية، بل بلغة دينية، جعلت اليهود هم العدو، وليس المحتلين الصهاينة، فضلا عن أشياء أخرى.
تم تجاوز الميثاق عمليا في كل الأدبيات اللاحقة، من حيث رفض فكرة الصراع على أساس ديني، وحصره بمن يحتلون فلسطين، في حين تم تجاوزه سياسيا، بقبول الشيخ أحمد ياسين، ومن جاء بعده طبعا، بفكرة الهدنة، والتي نُسخت لاحقا، وتأكد نسخها الآن بالوثيقة الجديدة. وكانت هناك الإشكالية الأخرى المتعلقة بالموقف من منظمة التحرير، وهذه أيضا تم تجاوزها سابقا، بقبول مبدأ الدخول فيها بشروط.
ما توقف عنده الكثيرون هو البعد المتعلق بالقبول بدولة في حدود 67، إلى جانب عدم النص على الصلة بجماعة الإخوان, وإذا كانت المسألة الأخيرة لا تنطوي على إشكال، لأن الصلة المذكورة لم تكن قيدا في أي يوم، إلا أن القضية الأولى بالغة الأهمية.
يضيف الزعاترة: السؤال الذي يحق لكثيرين طرحه هنا هو ما إذا كانت الوثيقة هي نهاية المطاف، أم يمكن أن تتكرر تجربة تجاوز الوثائق، والأهم المواقف، كما حدث مع “فتح”، ذلك أن الإصرار على الحق في كل فلسطين، لا يجيب على سؤال ماذا بعد قبول دولة في حدود 4 يونيو 1967، وهو سؤال جدلي، وهل يغير عدم الاعتراف بما تبقى من فلسطين للعدو في حقيقة أنه سيغدو واقعا بوجود من يعترفون به، وهم حتى اللحظة من يملكون شرعية القرار على الصعيد العربي والدولي؟
مؤكد أن الفارق كبير بين من يعترفون ومن لا يعترفون، أقله في المدى القريب والمتوسط، لكن على الأرض لا يوجد فرق كبير، وفي حال قيام الدولة العتيدة بالمواصفات إياها (جدلا بالطبع)، فإن الانخراط فيها يعني القبول بالتزاماتها الدولية.
ويبقى السؤال الأهم، وهو: من يضمن ألا يتم التورط في تجاوز الوثيقة الجديدة، كما تم تجاوز الميثاق من قبل (بالهدنة)، ومن ثم قبول مبدأ الاعتراف؟
كل ذلك محض جدل بالطبع، فالعدو حصل على تنازلات أكبر بكثير من حدود 67 (كشفتها وثائق ويكليكس حول التفاوض)، ولكن ذلك كله لم يشبع شهيته.
قصة الدولة هي الإشكالية التي وقعت فيها “فتح” من قبل، وتكررها حماس هنا، ذلك أن الأصل أن تتحرر الأرض، وبعد ذلك تقوم الدولة على ما يتحرر، لا أن توضع العربة أمام الحصان، وإذا كان هناك من يتحدث عن مفاوضات، فالأصل أن يتقدم من يحتل الأرض بعروض، وليس الشعب الواقع تحت الاحتلال، ثم يقال له إن هذا غير كاف، فهات المزيد.
ويعتقد الزعاترة بأن هذا اللون من الخطاب هو تجريب للمجرّب، وهو استعادة لتجربة ماثلة للعيان. أما إذا قيل إن تلك ضرورة تمليها الظروف العربية والدولية، فإن الحقيقة أن ما قُدم في الوثيقة لن يكون كافيا، وسيُطلب المزيد، و”شروط الرباعية” الموضوعة على الطاولة أمام حماس منذ سنوات بعيدة معروفة، ومنها الاعتراف بدولة العدو ونبذ المقاومة.
كنت ضد إصدار الوثيقة من قبل، ولا زلت على رأيي، بل تأكد الآن، تبعا للمواقف، فضلا عن النص الذي لا يليق بحركة كبيرة ومهمة كحماس، إلى جانب خلطها بين وثيقة التأسيس والبرنامج السياسي.
وعموما فإن من الواجب علينا أن نواصل التحذير من تجريب المجرّب، ومن تكرار ذات المسيرة التي اختطتها حركة فتح دون جدوى، وصولا إلى طروحات جديدة عن دولة مؤقتة في حدود الجدار بغطاء عربي، تعني في المحصلة تصفية للقضية.
كل ذلك لا يبرر القول إن الخل أخو الخردل، وكأن الاعتراف بـ 78% من فلسطين للعدو مسألة هامشية لا يُعتد بها، في صراع تاريخي مدجج بالتعقيد.
بقي التعليق على ردة فعل حركة “فتح” على الوثيقة، فقد خرج ناطقها الرسمي ليقول إن الوثيقة تشبه إعلان منظمة التحرير عام 88، لكأن الاعتراف للعدو بـ78 % من فلسطين ليس شيئا مهما، أو لكأن التاريخ التالي بعد ذلك بقليل؛ من أوسلو وما بعده، وصولا إلى العروض المجزية التي كشفتها وثائق التفاوض من السلطة لأولمرت بعد وفاة عرفات.
لكأنه ليس جزءًا من تاريخ حركة فتح. أما مطالبة الناطق بالاعتذار عن عقود من “التخوين والتكفير”، فهي كذبة أخرى، لأن خطاب حماس لم يستخدم لا التخوين ولا التكفير مع منظمة التحرير ولا حركة فتح.
ردود “فتح” تؤكد عقلية القبيلة (الحزبية) التي تحكمها، فقد دأب قادتها على وصف طروحات حماس بالعدمية، وحين غيرت قليلا، قيل إنها تريد أخذ مكان منظمة التحرير. لعمرك إن بعضهم يفضل أن تبقى فلسطين محتلة، على أن تحررها حماس!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات