محمد مصطفى العمراني يكتب: عن مستقبل جنوب اليمن في ظل عجز الشرعية وتخبط المجلس الانتقالي

دشن المجلس الانتقالي الجنوبي بمدينة عدن الجمعة الماضية 3 نوفمبر أول خطوات التصعيد في الشارع الجنوبي ضد الحكومة الشرعية بإقامة مخيم جماهيري مفتوح للمطالبة برحيل حكومة د. أحمد بن دغر التي يتهمونها بالفساد وذلك بعد أيام من شن المجلس الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي وهاني بن بريك حملة إعلامية ضد الحكومة الشرعية تدعو للثورة عليها وطردها وسط حالة من الغموض تكنتف المشهد السياسي اليمني عموما, والمشهد الجنوبي منه على وجه الخصوص.

وفي الوقت الذي تبدو فيه الرئاسة والحكومة الشرعية اليمنية في أضعف حالاتها إذ تقلص دور الرئيس هادي كثيرا في الفترة الأخيرة, وترددت أنباء عن وضعه قيد الإقامة الجبرية في الرياض, كما غادر محافظ عدن؛ عبد العزيز المفلحي إلى القاهرة  للعلاج كما تردد، وغادر أيضا رئيس الحكومة؛ بن دغر إلى الرياض, وكلف وكيل المحافظ أحمد سالمين بالقيام بمهام محافظ عدن إلا أن الأخير لم يستطع دخول مبنى المحافظة بسبب قيام قوات الحزام الأمني الموالية للإمارات بمنعه من مزاولة مهامه لتبدو العاصمة اليمنية المؤقتة؛ عدن, مدينة مفتوحة على كل الاحتمالات.

ومثلما تمر الشرعية بمرحلة شديدة من الضعف, تبدو قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي ممثلة بمحافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي ونائبه هاني بن بريك في حالة من الارتباك والتخبط؛ ففي الوقت الذي وعد هاني بن بريك الشارع الجنوبي بنشر تصور للمجلس الانتقالي الجنوبي عن المرحلة القادمة مع حلول شهر أكتوبر الماضي إلا أن شيئا من هذا لم يحدث رغم أن المجلس أنجز بعض الخطوات مثل تأسيس الجمعية الوطنية للجنوب وقام بسلسلة من الزيارات لمناطق الجنوب لحشد الدعم المطلوب للمجلس كحامل للقضية الجنوبية, وقد أيده البعض وعارضه آخرون, إلا أن افتقاد المجلس لرؤية واضحة للمستقبل يجعله ورقة بأيدي قوى إقليمية تسعى لإدارة الجنوب عبر قيادات المجلس الانتقالي وتحويلهم إلى وكلاء لها أكثر منهم رموزا سياسية وشعبية تمتلك قرارها ولديها رؤية محددة وتصور للتعامل مع مستجدات الحاضر والمستقبل.  

ومثلما يلف الغموض توجهات قيادات المجلس الانتقالي وخياراتها لا أحد يتكهن بمصير عدن في ظل دعوات التصعيد ضد الحكومة التي تتزامن مع خطوات لعرقلة السلطة المحلية ومنعها بالقوة من ممارسة عملها. ومن وجهة نظري فهذا التصعيد لن يستجيب لمطالب الشارع اليمني الخدماتية والمعيشية بل سيضيف إليها أعباء وإشكالات جديدة ولن يحل مشاكل عدن؛ حيث الكهرباء تنقطع لساعات, والمرتبات لم تصرف منذ أشهر, والوضع الأمني متردٍ في ظل فوضى الاغتيالات واختلال الأمن, كما أن الوضع المعيشي للناس هو الآخر مزرٍ.

هذا التصعيد سيخلط الأوراق بشكل أكبر, ويزيد المشهد المعقد تعقيدا, ويغيب الجهود التي كانت تقوم بها السلطة المحلية لصالح المواطن وتسيير الخدمات وإنجاز المشاريع. 

مثلما يفتقر المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي وهاني بن بريك لأي تصور مقنع لمستقبل الجنوب لم يقدم هذا المجلس أي مبادرات لحل المشاكل بعدن وإيجاد البدائل وتخفيف معاناة الناس بل إنهم يفتقدون مشروعا إستراتيجيا ولا يمتلكون حتى رؤية واضحة للمرحلة التي سينتهي إليها هذا التصعيد ولمرحلة ما بعد التصعيد هذا وليس لديهم تصور للتعامل مع المستجدات الإقليمية التي قد تطيح بأحلام انفصال الجنوب في ظل تعثر مشاريع الانفصال من كاتالونيا باسبانيا وكردستان بالعراق.

قيادة التحالف العربي في اليمن تبدو أيضًا بلا رؤية محددة حول حل الإشكاليات في الجنوب, ولم يصدر عنها موقف واضح من التصعيد الذي ينفذه المجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة المؤقتة رغم أنه يستهدف الشرعية اليمنية التي شنت عملياتها العسكرية في اليمن لخدمتها وهو ما يظهر نوعا من الازدواجية في التعامل مع الواقع اليمني والكيل بمكاييل متعددة. ومثلما ترفض الإمارات مشروع الانفصال وترى أنه ليس حلا كما تقول وسائل إعلامها وعلى رأسها جريدة “الاتحاد” التي اكدت افتتاحيتها قبل أيام أن  الانفصال في جنوب اليمن  ليس حلا,  فإنها في الوقت نفسه توفر الغطاء السياسي والدعم المالي واللوجستي للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى للانفصال.. كذلك تبدو السعودية مؤخرا غير مهتمة بشكل كافٍ بالقضية اليمنية وخصوصا الجنوب الذي يبدو أنها سلمته للإمارات ولم يعد لها رؤية مغايرة للرؤية الإماراتية بشأنه خصوصا في ظل حالة الود بين البلدين مما يجعل الإمارات اللاعب الأوحد في جنوب اليمن؛ ففي الوقت التي تتغاضى فيه السعودية عن الممارسات الإماراتية في الجنوب قامت بتقييد قيادة الشرعية ومنعتها من التحرك الجاد أو اتخاذ موقف ضد توجهات أبو ظبي وممارساتها في جنوب اليمن.

القوى الدولية هي الاخرى لا يبدو أن لديها رؤية واضحة للحل السياسي في الجنوب عدا تأييد جهود المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ كما لم يصدر عنها أي موقف تجاه التحركات التي يقوم بها المجلس الانتقالي الجنوبي والتي تستهدف الحكومة الشرعية التي تعترف بها وتتعامل معها إلا أن بعض المصادر تشير إلى طرح بعض الدول الاوربية لخيار الإقليمين في ظل دولة يمنية اتحادية بحيث يكون الجنوب إقليما, والشمال إقليما وهي رؤية تتناغم مع رؤى قوى محلية مثل ما طرحته قيادات الحزب الاشتراكي اليمني في مؤتمر الحوار الوطني بصنعاء قبل سنوات وهي الرؤية التي يرفضها المجلس الانتقالي الجنوبي وترفضها قوى أخرى تراها مقدمة لانفصال الجنوب.

الجنوب اليمني وخصوصا عدن يسير للمجهول الغامض حيث يتعقد المشهد وتختلط الأوراق وتتداخل السيناريوهات, وأصبح الوضع مفتوحا على كل الاحتمالات.

 

 

 

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …