الطليعة المؤمنة لا تقتصر فقط على حواريي الأنبياء في الرسالات السماوية ، ولكنها موجودة في كل فكرة إصلاحية فاعلة فرضت نفسها على خارطة المسيرة البشرية .
فالعلمانية التي فصلت الكنيسة عن إدارة الدولة وحررت الشعوب من تحالف الملكية مع البابوية كانت لها طليعة مؤمنة بمبادئ العلمانية من مفكرين نذروا حياتهم لخدمة فكرتهم، وقادة ميدانيين قادوا الجماهير نحو التحرر، وقدموا آلاف القتلى على أعواد المشانق وتحت شفرات المقاصل، وقل الشيء نفسه عن الشيوعية .
فهل هناك طليعة علمانية مؤمنة بمبادئ العلمانية في بلادنا؟
نحاول الإجابة من خلال تتبع عينات من الطليعة العلمانية .
أحد رموز هذه الطليعة الدكتور “جابر عصفور” يقر بأن هشاشة الأحزاب الليبرالية كانت سبباً في وصول الإسلاميين للسلطة بعد الثورة المصرية, ويقول في “الأهرام” 21/11/2016 : ( ومثلي مثل كل المثقفين الذين رفضوا استيلاء الإخوان على الحكم في مصر، نتيجة تخبط الأحزاب المدنية وهشاشة تكوينها)
أحزاب مدنية هشة .. إذاً ما هو الحل يا دكتور عصفور؟
أليس الأهدى سبيلاً أن تضحوا في سبيل مبادئكم وتجاهدوا في سبيل تقوية تلك الأحزاب الهشة وتساهموا في خلق مناخ ديموقراطي؟!، أليس الأهدى سبيلا أن تنتصروا لحق الشعوب في اختيار من يمثلها، أم إذا جاء هذا الحق بالإسلاميين انقلبتم على أعقابكم ودعوتم: (… اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
ونموذج آخر لتلك الطليعة العلمانية في بلادنا، الأستاذ “أحمد عبد المعطي حجازي” الذي كتب في أهرام 23/11/2016 عن قضية كل المصريين (!) قائلاً :
( “إسلام البحيري” وهو في سجنه أصبح على يقين أن قضيته التي نذر نفسه لها ليست قضيته وحده بل قضية كل المصريين)
فما هي تلك القضي؟ (أخذ الدين من مصادره وتخليصه من أيدي المتاجرين به)!
يا أستاذ عبد المعطي بدلاً من ادعاء البطولة بمحاربة طواحين الهواء، انزل من برجك العاجي وعالمك الافتراضي، فالقضية الحقيقية قضية شعب أنهكته أنظمة ديكتاتورية توارثت صناعة الفقر والقهر والجهل والمرض والتخلف .
وإذا كنت مؤمناً بالحرية فأين أنت من آلاف المحبوسين خلف الأسوار؟ ألم تردد يوما علي سبيل الفخر بمباديء العلمانية قول “فولتير”: ( قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في التعبير عن رأيك), أم أنها مجرد شعارات لزوم الوجاهة؟!
أما رأس حربة الطليعة العلمانية ومجاهدها الكبير خلف أجهزة (اللابتوب) فقد صرح بأن جهات سيادية هددته فقرر القفز من السفينة لتلقى مصيرها بعد أن خرقها هو ورفاقه وحولوا مسارها نحو المجهول .
يا رجل: ألم يأتك نبأ الرجال الذين اعتبروا التخلي عن المبادئ إثماً ورذيلةً، ولسان حالهم يقول: ( … السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).
هذه عينة يختفي خلفها مأزق كبير تعيشه بلادنا وهو ما يسمونه ثنائية الديكتاتورية أو الإسلاميين .
وهذا مأزق حقيقي وصحيح، لأن العلمانيين انحازوا للديكتاتورية وأضحوا من جنودها وخدمها، في الوقت الذي أثبت فيه الإسلاميون أنهم أخلص للدولة المدنية من أدعياء العلمانية .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات