مراقبون: “مستقبل مصر” يدير استثمارات ضخمة بلا رقابة وتوقعات بتفاقمه الأزمة الاقتصادية

قال تقرير لموقع “العربي الجديد”، إن مهام جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، توسعت في إدارة ملفات اقتصادية واستثمارية ضخمة وفي قطاعات حيوية، خلال الفترة الأخيرة، وسط مخاوف من عدم خضوع نشاط الجهاز الجديد للرقابة، في ظل تمدد استثماراته الحالية والمرتقبة التي قد تصل إلى 4 مليارات دولار (نحو 200 مليار جنيه)، وفق مدير الجهاز العقيد بهاء محمد الغنام.

وامتدت استثمارات الجهاز من استيراد القمح، إلى إقامة مشروعات عقارية وغذائية وصناعية عملاقة، منها مشروع ألبان أطفال بتكلفة تقدر بنحو 500 مليون دولار.

بعد 21 عاماً من الغربة، ابتعت قطعة أرض على طريق أسيوط الغربي في منشية الجمال، والأرض كانت مخصصة لصالح جمعية الفيوم الجديدة، وبعد أن حصلت على عقد تقنين من محافظة الفيوم الواقعة جنوب غرب القاهرة، وزرعت 20 صوبة؛ استحوذ جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع لإحدى الجهات السيادية، على الأرض وخيرني بين التنازل عنها أو تأجيرها، وبت ممنوعاً من دخول أرضي، وفقدت محصولي”، بهذه الكلمات استغاث أحد المصريين، في مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع مؤخراً، من الاستيلاء على أرضه بعد سداد ثمنها وزراعتها.

وعبر منصات التواصل الاجتماعي في مصر؛ توالت استغاثات المواطنين في الأسابيع الأخيرة من محاولات نزع أراضيهم بالقوة الجبرية، من قبل مسؤولي جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، الذي تأسس تحت لواء القوات الجوية بقرار من السيسي في عام 2022.

أقيم للجهاز مقر فاخر متعدد الطوابق، بسور مطار “ألماظة” الملاصق لميناء القاهرة الجوي، شرق العاصمة القاهرة، بعد أن أصبح بديلاً لهيئة السلع التموينية الحكومية، ومسؤولاً عن جلب صفقات القمح لأكبر دولة مستوردة للقمح في العالم، بإجمالي 10 ملايين طن سنوياً، ليعيد تسويقها محلياً، عبر شركات تابعة لوزارة التموين، وطرح ما لا تحتاجه الدولة لصناعة الخبز المدعم، للبيع للمطاحن ومخابز ومصانع الأغذية التابعة للقطاع الخاص، في بورصة القمح الكائنة بمحافظة القليوبية شمال العاصمة.

تدريجياً توسّعت مهام الجهاز من توفير إمدادات التموين من الخارج إلى إقامة مشروعات صناعية كبرى، وتوزيع المنتجات الغذائية والزراعية بالداخل، عبر أكشاك ومنافذ التوزيع التي يديرها جهاز الخدمة الوطنية التابع للجيش خارج المناطق العسكرية، بديلاً عن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي يتبع وزارة الدفاع، واستحوذ بـ”الأمر المباشر” على مئات من المشاريع العامة منذ 2024، بما فيها وضع يده على جميع المنافذ التي أنشأها الجهاز، بالتعاون مع وزارة التموين، في الشوارع والميادين العامة.

أخيراً أصبح الجهاز مسؤولاً عن إقامة منتجعات عقارية تقام على مشروعات زراعية بالدلتا الجديدة، وحول طريق مصر إسكندرية الصحراوي شمال غرب العاصمة، التي امتدت مسؤوليته مؤخراً إلى قطاع الصحة، حيث تتولى مسؤولية إقامة مصنع لألبان الأطفال، التي ارتفعت أسعارها بمعدلات هائلة، وتواجه نقصاً حاداً في السوق.

على طريق الضبعة الرابط بين محافظتي الجيزة ومطروح غرباً، دشنت الحكومة مشروعاً زراعياً ضخماً باسم “مستقبل مصر”، بدعوى استصلاح نحو أربعة ملايين ونصف مليون فدان؛ سبق لها أن أعلنت عنه، على وتيرة مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان الذي أطلقته في 2015، تحت إشراف شركة تابعة لجهاز المخابرات العامة هي “تنمية الريف المصري الجديد“.

وحظي المشروع بدعم مباشر من السيسي، الذي كلف العقيد بهاء محمد الغنام بتولي مهام مدير جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ومنح الأخير بداية مساحة 200 ألف فدان في منطقة “الدلتا الجديدة” لاستصلاحها، على بعد 30 كيلومتراً تقريباً من مدينة السادس من أكتوبر بالجيزة (غرب القاهرة)؛ لتتوالى بعدها قرارات تخصيص الأراضي من الرئاسة لمصلحة الجهاز، حتى وصلت إلى نحو 2.2 مليون فدان في غضون ثلاث سنوات فقط، في نطاق أربع محافظات هي الجيزة والفيوم والبحيرة ومطروح.

وكان الغنام، قد قال خلال كلمته في احتفالية افتتاح مشروعات جديدة في إطار مشروع مستقبل مصر، بحضور السيسي، في شهر مايو الماضي، إن الجهاز يعمل وفق دراسات دقيقة تؤكد أن قيمة الأصول المدارة في مصر يمكن أن تصل إلى 4 مليارات دولار بحلول عام 2030، مشدداً على ضرورة الحفاظ على المنشآت والمشروعات القومية التي جرى إنشاؤها وضمان استدامتها.

بعد أن تولى جهاز مستقبل مصر ملف استيراد القمح والسلع الغذائية الاستراتيجية، بدلاً من هيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين، ومنح موافقات استيراد الماشية، عوضاً عن وزارة الزراعة؛ أطلق عدة مشاريع لتربية وتسمين الماشية، وإنتاج الألبان والسكر والعسل الأسود، وحصل على حق إدارة بحيرات ناصر والمنزلة والبرلس والبردويل، تحت ذريعة البدء في أعمال التنمية الاقتصادية، وتطوير مراسي الصيد لزيادة الإنتاجية السمكية.

وعن مصادر تمويل مشروعات جهاز مستقبل مصر، قال مصدر برلماني مطلع إن “للجهاز ميزانية مستقلة بعيداً عن الموازنة العامة للدولة، بعد تعاظم أرباحه في الفترة الأخيرة، نتيجة تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية لمصلحته، بما في ذلك أراض مستصلحة ومزروعة بالفعل في الصحراء الغربية، على خلفية وقوعها في نطاق منطقة الدلتا الجديدة“.

 

وأضاف المصدر في حديث مع “العربي الجديد”، أن “مستقبل مصر أصبح نسخة محسنة من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذي سبق أن أدار مشاريع عديدة في قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني ومصايد الأسماك، وتعثّرت مع الوقت بسبب سوء التخطيط والإدارة”، مرجحاً “توسع الجهاز بشكل أكبر في قطاعات حيوية في الاقتصاد خلال الفترة المقبلة، جراء الدعم الكبير من السيسي لقياداته“.

يصف مصدر اقتصادي “جهاز مستقبل مصر” بأنه أحد الكيانات الموازية التي اعتادت الحكومة إنشاءها لإدارة المال العام، بعيداً عن الرقابة الشعبية والبرلمانية، أسوة بمشروعات العاصمة الإدارية، وشركات النقل والطرق والخدمة الوطنية، واستيراد الغاز والنفط التي أصبحت تدير الاقتصاد، وتحصل على الدعم اللازم لتمويل مشروعاتها من الموازنة العامة للدولة، أو بقروض بضمان وزارة المالية، بينما لا يجري رصد أية موارد منها في بنود الإيرادات العامة للدولة.

وحذر المصدر الذي يخشى الإفصاح عن اسمه، من توسع الحكومة في إنشاء كيانات اقتصادية تؤدي إلى إلغاء مبدأ وحدة الموازنة العامة، و”حوكمة المؤسسات العامة”، بما يهدر موارد الدولة المالية، ويحول دون قدرة البرلمان والمواطنين الرقابة على المال العام، ويحد من قدرة القطاع الخاص على النمو.

 

ويرفض مجتمع الأعمال ومراكز بحثية متخصصة منها المركز المصري للدراسات الاقتصادية توسع الأجهزة الأمنية والشركات العامة، في إدارة الاقتصاد، فقد أصبحت تستحوذ على أكثر من 70% من موارد الاستثمارات العامة، بينما تطلب من القطاع الخاص تحمل أكثر من 60% من تدبير الاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد، وتدبير فرص العمل لملايين العمال وخريجي المدارس والجامعات.

 

شاهد أيضاً

الاحتلال يمارس أعنف عمليات القمع بحق الأسيرات بسجن الدامون

أفاد مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين، اليوم الخميس، بأنّ إدارة سجن الدامون الإسرائيلي “نفذت في الـ …