اعتبر مراقبون أن التصعيد الأخير باحتجاز إيران ناقلتي نفط بريطانيتين، تجسيدا لسياسة “حافة الهاوية” التي تجيد إيران ممارستها، مستغلة ارتباك الموقف في عدد من العواصم الدولية مثل لندن المنتظرة لوصول رئيس وزراء جديد، وواشنطن المنشغلة بترتيبات انتخاباتها الرئاسية المقبلة، وهو ما قد يحول – وفق الحسابات الإيرانية- دون نشوب حرب ضدها.
تلك الحسابات المتشابكة لا تحول دون انزلاق الوضع إلى مزيد من التصعيد، وهو ما سينعكس بشكل أو بآخر على العديد من الدول، ومن بينها مصر، ولن يقتصر فقط على دول الجوار المباشر للخليج العربي، أو حتى الدول المستوردة للنفط.
ورغم التأثيرات السلبية العديدة التي عانت منها حركة الملاحة الدولية، جراء تأزم الموقف في الخليج، إلا أن حركة الملاحة فى قناة السويس – ووفق الأرقام المعلنة من هيئة القناة- لم تتأثر حتى الآن، لاسيما أن الناقلات التى تعرضت للإضرار تمد دول آسيا بالنفط، وليس الدول الغربية، التي تمثل حركة ناقلات النفط المتجهة إليها عصب الملاحة في قناة السويس.
ويشكل النفط والمشتقات التي تعبر مضائق هرمز وملقا (في بحر الصين الجنوبي) والسويس نسبة 68% من مجمل النفط المنقول بحرا وحوالي 40 مليون برميل يوميا من أصل 59 مليون، ويبلغ التدفق اليومي عبر قناة السويس ما يقارب من 5,5 مليون برميل يوميا، يتجه 2,4 مليون برميل منها يوميا إلى أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية.
وبينما يرى خبراء، أن ما تشهده مياه الخليج ومضيق هرمز من توترات وارتفاع معدلات الخطورة لمرور السفن والناقلات النفطية سيؤدى إلى زيادة نسب المرور بالممر الملاحى لقناة السويس الذي يعد من أكثر الممرات الملاحية أمانا فى العالم، وأن معدل الزيادة من الممكن أن يتراوح من 6 إلى 7 %، إلا أن ذلك لا يعني أن مصر وقناة السويس بعيدة عن دائرة الخطر.
وأول أوجه هذا الخطر المحتمل هو ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين على السفن، مما يؤثر على حركة التجارة الدولية عمومًا، ومنها قناة السويس، بسبب ازدياد المخاطر فى منطقة الشرق الأوسط، وقد بدأت ملامح هذا الخطر تظهر خلال الآونة الماضية، بعدما لجأت شركات الملاحة العالمية الى شركات التأمين لكى تعدل من عقود النقل، وإضافة قيمة تأمينية إلى المناطق ذات الحساسية العالية وتسمى مناطق المياه للمنطقة الحمراء، والتى تصل نسب التأمين عليها إلى أكثر من 18 : 25% للمتر المربع من قيمة وزن التحميل على وزن السفينة، وكانت لا تتعدى من 3 : 5 % وتعد تلك المناطق ذات خطورة عالية ومرتفعة وتشمل مناطق الإرهاب ومناطق تحت الحروب والمناطق التي تتحرك بها الأساطيل الحربية.
وقد ارتفعت تكاليف التأمين لشركات الشحن، التي تعبر الخليج العربي بمقدار عشرة أضعاف في الشهرين الماضيين، ويخشى أن يلقى استهداف ناقلات النفط وتصاعد التوتر بظلال قاتمة على أسعار النفط العالمية، التي يمكن أن ترتفع لمعدلات غير مسبوقة، ما يعمق الأزمة الاقتصادية على المستوى العالمي ككل، خاصة أن الاقتصاد الدولي يمر بلحظة فارقة، تتطلب خفض حدة التوترات الدولية سريعا، ويتوقع أن تزيد تكلفة التأمين من 1.5 إلى 2.5 % من سعر البرميل، وفق أكثر التوقعات تفاؤلا.
ويفتح الحديث عن تحريك أسعار النفط ملفا آخر للمخاطر التي يمكن أن تنعكس على مصر جراء الأزمة في منطقة الخليج، فمصر التي لا تكاد تخرج من تداعيات زيادة أسعار الوقود للحد من دعم المحروقات، لا يبدو أنها ستكون مرحبة بتحرك السعر العالمي نحو الزيادة، وهو ما سيلتهم بدوره حصيلة خفض دعم الوقود رغم ما تكبدته من تكلفة اجتماعية، كما أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا، سيزيد من التكلفة الاستثمارية والاقتصادية.
ولا يقتصر الأمر على التأثيرات على المديين القصير والمتوسط، فحتى على المدى البعيد يمكن للأزمة أن تكون لها تداعيات سلبية على مصر وقناة السويس، فقد تتحسب السعودية ودول الخليج لسيناريوهات الحرب أو إغلاق مضيق هرمز، من خلال البحث عن طرق بديلة، لتصدير النفط عبر موانئ المملكة على البحر الأحمر، ومنها إلى قناة السويس مباشرة بدلاً من المرور عبر مضيق هرمز وخليج عمان.
ورغم أن هذه الطرق البديلة تعزز موقف قناة السويس، لاسيما فى ظل اهتمام الدولة بإنشاء بنية تحتية كبيرة فى منطقة محور قناة السويس، وإنشاء مشروعات كبيرة، مما يسهل عبور السفن ويعزز مكانتها على خريطة الممرات البحرية فى العالم، إلا أنه قد يكون أيضا بداية للاعتماد على خطوط أنابيب النفط، وهناك بالفعل شبكة قائمة حاليا فالسعودية لديها خطا أنابيب (شرق وغرب) يربطان المنطقة الشرقية بمدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر بطول (1200 كم)، والآخر عبر خطوط التابلاين (1664 كم) التى تربط المنطقة الشرقية من المملكة بساحل البحر الأبيض المتوسط فى مدينة صيدا-لبنان مرورًا بالأراضى السورية.
وترصد بعض التقارير أنه فى حالة استمرار حالة التوتر فإن دول الخليج سوف تبحث عن طرق أخرى أكثر أمانًا، لاستمرار تدفق النفط إلى الأسواق، وقد يكون من بينها مد خطوط الأنابيب من شرق السعودية ودول الخليج الأخرى إلى البحر الأحمر، أو إلى الشمال مباشرة دون المرور عبر قناة السويس، وهو ما ستكون له تداعيات استراتيجية كبيرة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات