مركز أبحاث: مخطط إماراتي بزعم الاستثمار للتأثير على “فلسطينيي الداخل” وقبولهم التطبيع

أكد تقرير لمركز “مدى الكرمل” للدراسات الاجتماعية التطبيقية أن الأحزاب والهيئات السياسية الفلسطينية في أراضي 48 قد أكدت رفضها لـ”اتفاق السلام” بين إسرائيل وبين الإمارات، مبينا أن البعد الاقتصاديّ للاتّفاق “الإماراتي الإسرائيلي” سيكون المدخلَ الرئيسيّ الذي من خلاله سوف يندمج العرب الفلسطينيين في الداخل بالتطبيع مع الإمارات.

تداعيات الاتّفاق على الفلسطينيّين

وفي إطار الحديث عن تداعيات وتأثيرات الاتّفاق الإسرائيليّ الإماراتيّ على الفلسطينيّين في إسرائيل من جوانب عديدة، اقتصاديّة، سياسيّة وثقافيّة، قال “مدى الكرمل” إنه يكون وقع هذه التداعيات متفاوتا بحدّتها وكثافتها واستمرارها. ويرى “مدى الكرمل” أنه على عكس السلام مع مصر والأردن، الاتفاق مع الإمارات يحمل إعلانًا عن تطبيعٍ جارٍ بين الدولتين.

ويضيف “في مصر والأردن، عارض المجتمع المدنيّ التطبيع مع إسرائيل، فضلًا عن أنّ غالبيّة الأحزاب السياسيّة في البلدَيْن كانت لها مواقف معارضة للتطبيع مع إسرائيل. واتّخذ المجتمع المدنيّ في كلتا الدولتَيْن مواقف مندّدة بكلّ محاولة تطبيع مع إسرائيل، شمل مقاطعة المطبّعين من بلدانهم. سمح الحيّز السياسيّ المفتوح والمتوافر للمجتمع المدنيّ والأحزاب والمثقّفين في البلدَيْن بالتعبير عن معارضة التطبيع مع إسرائيل، واستمرّ الموقف السياسيّ من القضيّة الفلسطينيّة موقفًا ثابتًا وداعمًا ومناصرًا للقضيّة الفلسطينيّة، رافضًا للخطاب والسرديّة الإسرائيليَّيْن بشأن الصراع”.

في نطاق هذه المقارنة يعتبر “مدى الكرمل” أيضا أنه إضافة إلى كلّ ذلك، البَلَدان لم يملكا قدرة اقتصاديّة للاستثمار في الخارج، فضلًا عن أنّ العلاقات الاقتصاديّة بين العرب في إسرائيل وهذه الدول محدودة جدًّا، بل إنّ العلاقات التجاريّة بين إسرائيل من جهة، والأردن ومصر من جهة أخرى، هي أصلًا محدودة.

استثمار إماراتي في المجتمع الفلسطيني

ويقول التقرير إنه على الصعيد الاقتصاديّ، قد يؤدّي الاتّفاق إلى استثمار إماراتيّ في المجتمع الفلسطينيّ عبْر دعم مَرافق حياتيّة في البلدات العربيّة، فضلًا عن فتح السوق الإماراتيّ لدخول رجال الأعمال العرب للاستثمار هناك وبناء شراكات اقتصاديّة مع شركات محلّيّة.

ونوه المركز إلى أن العلاقات الاقتصاديّة كانت قائمة قبل الاتّفاق، ولكنّها كانت- في الأساس- لشركات إسرائيليّة يهوديّة؛ فقبل الاتّفاق عمل في الإمارات ما يربو عن 500 شركة إسرائيليّة، استثماريّة وزراعيّة وأمنيّة وغيرها، من خلال وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة وبمساعدتها، ومن خلال وكالات تابعة للأمم المتّحدة كوكالة الطاقة النوويّة.

ويرجح التقرير أن يكون البعد الاقتصاديّ للاتّفاق المدخلَ الرئيسيّ الذي من خلاله سوف يندمج العرب الفلسطينيين في الداخل بالتطبيع مع الإمارات، إذ يندرج ذلك ضمن المنظومة النيو – ليبرالية الإسرائيليّة التي تتيح ذلك، وما كان لها من تداعيات اجتماعيّة على إعلاء شأن المشروع الفرديّ في المجتمع بمعزل عن المشروع السياسيّ الجماعيّ، الغائب حاليًّا في الحقل السياسيّ الفلسطينيّ.

خداع بالمنح الإماراتية

وضمن تقرير “مدى الكرمل” يشير الباحث الاقتصاديّ دكتور سامي ميعاري أنّ مجال الاستثمار الإماراتيّ في إسرائيل سيكون بالأساس في مجال التكنولوجيا والسايبر. ويتابع “وإذا انطلقنا من هذه المقولة، فإنّ العلاقات الاقتصاديّة بين المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل والإمارات سيكون محدودًا؛ وذلك لمحدوديّة هذا القِطاع في المجتمع الفلسطينيّ، ممّا يعظّم من إمكانيّة أن يكون ثمّة استثمار إماراتيّ على هيئة مِنح ومساعدات للمجتمع العربيّ، وذلك بغية تدعيم مكانة الإمارات وتسويق أهمّيّة الاتّفاق في وعي الفلسطينيّين.

ويضيف ميعاري “إذًا، يمكن القول إنّ الاتّفاق سوف يؤدّي إلى محاولة من الإمارات لتسويق نفسها في المجتمع الفلسطينيّ عبْر الاستثمار في المجتمع لا لأهداف اقتصاديّة فحسب، وإنّما لأهداف سياسيّة تركّز على تعظيم أهمّيّة الاتّفاق ودَوْره في تقديم خدمات للمجتمع الفلسطينيّ، المفقودة بسبب التمييز البنيويّ والسياساتيّ الإسرائيلي من طرف الدولة تجاه المجتمع الفلسطينيّ، مرجحا أن هذا قد يُنتِج طبقة من المستفيدين من مؤسّسات مجتمع أهليّ، وسلطات محلّيّة، وحتّى رجال أعمال، سوف تكون متشابكة مع هذا الدعم. وبما أنّ الإمارات هي دولة لا تهدف من الدعم إلى الدفع بقيم سياسيّة أو عالميّة متنورة (كحقوق الإنسان ودعم الأقلّيّات -على سبيل المثال)، فإنّ هذا الدعم سيكون مشروطًا بتسويق أهمّيّة الاتّفاق في صفوف المجتمع الفلسطينيّ وإنتاج نخبة تدافع عنه.

الإمارات والتدخل في الشهد السياسي

ويقول ميعاري إنه على المستوى السياسيّ، قد يسهم الاتّفاق في محاولة الإمارات التدخّل في المشهد السياسيّ الفلسطينيّ، بغية التأثير عليه. وقد يجري ذلك من خلال استقطاب شخصيّات ودعمها بالمال، في سبيل طرح خطاب وأَجِنْدات سياسيّة لا تتماهى مع الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ في الداخل حول قضايا تحظى بإجماع سياسيّ، فضلًا عن السعي إلى استقطاب حركات وأحزاب سياسيّة قائمة في سبيل التأثير عليها ودعمها ابتغاءَ تعزيز التعاون والتطبيع في إطار الاتّفاق الإماراتيّ الإسرائيليّ.

 وبرأي ميعاير سيكون فتح مجال التعاون الثقافيّ والفنّيّ والعلميّ أمام الفلسطينيّين مَدخلًا مُهِمًّا نحو دفعهم لتطبيع الاتّفاق. لكنه ينبه أن ذلك لا يعني أنّه لم يكن تعاونا سابقا في هذه المجالات، ولكنّه كان تعاونَ ما قبل الاتّفاق وكجزء من تواصل الفلسطينيّين في إسرائيل مع المحيط العربيّ.

ويعتبر أن الاتّفاق يزجّ هذا الموروث من التعاون ضمن محور التطبيع، وسوف يشكّل تحدّيًا أمام النُّخَب الفلسطينيّة في هذا الشأن، وما سوف يدور حول ذلك من سجال عامّ، وهو يطرح أمام هذه النُّخَب السؤال التالي: هل تقبل الاستمرار في التعاون، وبخاصّة في المجالَيْن الفنّيّ والعلميّ كما كان في السابق، وإنْ على نحوٍ محدود وانتقائيّ، أم سوف ترى في ذلك جزءًا من التطبيع، ولا سيّما أنّ التعاون سيكون مفتوحًا بعد إلغاء تأشيرات السفر بين إسرائيل والإمارات؟

ويخلص تقرير “مدى الكرمل” للقول إنه لا رَيْبَ أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة المعمّقة التي لا تستطيع هذه الورقة الإحاطة بها، فضلًا عن تبيان مواقف الرأي العامّ الفلسطينيّ في الداخل من الاتّفاق.

ويبيِّن التقرير أنّه ثمّة معارضة للاتّفاق من الناحية السياسيّة، لأنّه يضرّ بالقضيّة الفلسطينيّة ويزيد من توغُّل السياسات الاستعماريّة الإسرائيليّة في فلسطين.

شاهد أيضاً

رويترز: هل حقق ترامب أهدافه من الحرب على إيران؟

فيما يلي قراءة لأهداف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وإذا ما كانت قد تحققت الأهداف …