مستقبل العلاقة بين حماس ومصر في ضوء تفاهمات القاهرة الأخيرة

فاجأت التفاهمات الأخيرة بين مسؤولين مصريين ووفد حركة حماس من قطاع غزة منتصف يونيو 2017، الأوساط السياسية من حيث توقيتها ومضمونها، وشكّلت تطوراً مهماً في سياق العلاقة بين الطرفين.

فالأسابيع التي سبقت تلك التفاهمات شهدت تصعيداً كبيراً في موقف حكومات مصر والإمارات والسعودية والبحرين تجاه قطر وجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، وصلت حدّ اتهامها بممارسة الإرهاب وتقديم الدعم له، الأمر الذي فجّر أزمة خطيرة داخل البيت الخليجي انعكست بصورة سلبية على العلاقات العربية العربية وعلى المشهد الإقليمي المضطرب. 

ويطرح هذا التطور المفاجئ في علاقة مصر بحماس العديد من التساؤلات حول دوافع الانفتاح الأخير على الحركة، وانعكاسات ذلك على المشهد الفلسطيني المنقسم والمأزوم، وعلى مستقبل العلاقات المصرية الفلسطينية، وعلاقات حماس مع العديد من الأطراف الإقليمية.

 

خلفيات الأزمة وانعكاساتها

شهدت سنة 2007 بداية أزمة العلاقات بين مصر وحماس، عقب توتر الأوضاع في غزة ووقوع مواجهات مسلحة بين حركتي فتح وحماس، أفضت إلى سيطرة الأخيرة على غزة وخروج أجهزة السلطة منها، لتبدأ حالة انقسام فلسطيني فشلت كل المحاولات في وضع حدّ لها حتى اللحظة.

وجاءت تلك المواجهات بعد أشهر من فوز كبير حققته حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني سنة 2006، وما تلا ذلك من تشكيل حكومة فلسطينية برئاسة إسماعيل هنية، لم تتمتع بعلاقات دافئة مع السلطة المصرية في عهد حسني مبارك.

ومنذ سيطرة حماس على القطاع أغلقت السلطة المصرية معبر رفح معظم الفترات الزمنية باستثناء التعامل مع بعض الحالات الإنسانية ولفترات محدودة جداً. تزامن ذلك مع إغلاق إسرائيلي لبقية المعابر مع غزة، ما فرض حصاراً محكماً على القطاع استمر طيلة السنوات اللاحقة.

وتصاعد التوتر في العلاقات بين الجانبين بصورة كبيرة عقب إعلان رئيسة الوزراء الإسرائيلية تسيبي ليفني من القاهرة قرار شنّ الحرب على حماس وقطاع غزة أواخر ديسمبر 2008، لتستمر العلاقة بين مدّ وجزر في الفترة المتبقية من حكم مبارك.

وبعد تحسن ملحوظ في العلاقة في عهد الرئيس محمد مرسي خلال الفترة ما بين منتصف سنة 2012 ومنتصف سنة 2013، عادت العلاقات لتتدهور بصورة خطيرة غير مسبوقة، إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بمرسي، حيث اتهمت القيادة المصرية الجديدة حركة حماس بالتدخل في شؤون مصر الداخلية، ودعم جماعة الإخوان المسلمين، ودعم جماعات إرهابية متشددة في سيناء تستهدف القوات المصرية، وتمت محاكمة مرسي بتهمة التخابر مع حماس، وصدرت بعض الأحكام القضائية التي تصنف الجناح العسكري لحماس كمجموعة إرهابية، وإن كانت هذه الأحكام قد فشلت في أخذ شكل نهائي.

وأعقب ذلك إجراءات تصعيدية خطيرة مثّلت ذروة التوتر في العلاقة بين الطرفين، حيث شنّت السلطات المصرية حملة واسعة لهدم الأنفاق، وحُشدت القوات على الحدود مع القطاع بصورة أثارت المخاوف من احتمالات انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية مع غزة، قبل أن تتراجع تلك المخاوف في وقت لاحق وتهدأ حالة التصعيد تدريجياً.

وترتّب على تفاقم أزمة العلاقات بين السلطة المصرية وحماس خلال سنوات حكم عبد الفتاح السيسي جملة تداعيات:

  1. تسبب الحصار المحكم وتدمير الأنفاق التي شكّلت شريان حياة مهم للقطاع، بكارثة إنسانية خطيرة للقطاع في مختلف مجالات الحياة، وألحق ضرراً بالغاً بالأوضاع الاقتصادية في القطاع، وكذلك بأوضاع المصريين القاطنين على الحدود مع غزة، الذين اعتمدوا على التجارة مع القطاع كمصدر رزق رئيسي.
  2. تأثر الوضع الأمني في سيناء سلباً بتوتر العلاقات بين الطرفين، فمن زاوية قلّص غياب التنسيق والتعاون بين حماس وأجهزة الأمن المصرية قدرة تلك الأجهزة على ضبط الأوضاع الأمنية في سيناء، ومن زاوية أخرى تسببت أعمال التجريف وهدم البيوت في مناطق واسعة محاذية للقطاع بإثارة مشاعر الغضب لدى سكان تلك المناطق الذين يعيشون حالة فقر شديد، ما انعكس سلباً على الحالة الأمنية ووفّر مبرراً لانخراط بعض المتضررين من تلك الإجراءات في أنشطة مناوئة للسلطات المصرية.
  3. ونتيجة لتوتر علاقاتها مع حماس، فقدت السلطة المصرية القدرة على مواصلة دور فاعل في الملف الفلسطيني الذي انفردت بإدارته لسنوات بتفويض رسمي عربي، وتراجع دورها بشكل واضح في القضية الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص في رعاية ملف المصالحة بين فتح وحماس، ما انعكس سلباً على طبيعة العلاقات الفلسطينية الداخلية، التي شهدت مزيداً من التراجع وتعميقاً لحالة الانقسام.

 

مغزى التوقيت ودوافع الانفتاح الأخير

تزامن الانفتاح النسبي في العلاقة بين حماس ومصر، مع تطورين مهمين قد يفسران بعض دوافع التغيّر الأخير في العلاقة:

التطور الأول: تفاقم التوتر في العلاقة بين قطر وكل من مصر والسعودية والإمارات والبحرين، ودخول الأزمة حالة استقطاب شديد. وبعد أن أُقحمت حماس من قبل الدول الأربع في سياق عملية التصعيد مع قطر، حصلت الانعطافة المهمة والنوعية في الانفتاح النسبي على الحركة.

ويرجّح أن يكون الدافع الرئيسي وراء تلك الانعطافة والاستدارة المفاجئة في مواقف تلك الدول، ردود الفعل السلبية الواسعة عربياً وإسلامياً على اتهام حركة حماس التي تقاوم الاحتلال بممارسة الإرهاب، حيث تسبّب ذلك بحرج شديد لتلك الدول وألحق الضرر بإدارة الأزمة مع قطر. وقد لوحظ استثناء حماس من قائمة الإرهاب التي أصدرتها الدول الأربع في وقت لاحق وتضمنت أسماء كيانات سياسية وشخصيات عامة.

وعوضاً عن مواصلة التصعيد مع حماس، برزت مؤشرات مهمة لرغبة مصرية إماراتية باستثمار الانفتاح على حماس في غزة لتحقيق عدة أهداف دفعة واحدة، في مقدمتها الدفع باتجاه إقصاء الحركة عن قطر بهدف حرمانها من ورقة سياسية مهمة، وكذلك استثمار العلاقة مع حماس لاستعادة حضور مصر في المشهد الفلسطيني، وتحقيق حضور مؤثر لمحمد دحلان في الساحة الفلسطينية.

التطور المهم الثاني من حيث التوقيت يتعلّق بإجراءات محمود عباس التصعيدية بحق حماس وقطاع غزة، وممارسته ضغوطاً شديدة في الآونة الأخيرة، لمحاصرة الحركة وإخضاعها لشروطه، ودفعها للتخلي عن إدارة الأوضاع في غزة، في سياق مخطط متدرج للتعامل مع القطاع ككيان متمرد، الأمر الذي يفسر ردة فعل عباس الغاضبة إزاء تفاهمات حماس الأخيرة مع مصر، والتي رأت فيها حركة فتح على لسان عضو لجنتها المركزية محمد اشتية “تنفيساً” عن حماس، وإفشالاً لمخطط محاصرتها وزيادة الضغوط عليها.

وكانت إجراءات عباس بحق القطاع مسَّت رواتب الموظفين ومخصصات الأسرى وعائلات الشهداء، ووصلت حدّ مطالبة سلطات الاحتلال بخفض كمية تزويد القطاع بالكهرباء. ويرجّح أن تكون إجراءات عباس القاسية بحق قطاع غزة وتضييق الخناق عليه، قد شكلت دافعاً مهماً لقيادة حماس في غزة للتوجه نحو مزيد من الانفتاح على مصر، وكذلك للانفتاح على دحلان الذي تشهد علاقته بعباس مرحلة كسر عظم، في سياق التنافس على زعامة فتح.

وإلى جانب هذا الدافع المهم بالنسبة لحركة حماس ثمة دوافع إضافية تتعلق بالبيئة السياسية الضاغطة إقليمياً ودولياً على الحركة، في مقدمتها تداعيات أزمة العلاقات الخليجية، وحالة الاضطراب التي تعيشها المنطقة، والمواقف السلبية المعلنة لإدارة ترامب تجاه حماس والتي عبّر عنها صراحة في خطابه أمام الزعماء العرب في قمة الرياض.

ولا شكّ أن مواجهة الضغوط المتصاعدة إقليمياً ودولياً، ومحاولة تلافي احتمالات التعرّض لمزيد من الحصار والاستهداف، يشكّل هدفاً مهماً وأولوية لدى حماس في ظلّ المعطيات الصعبة الراهنة.

 

مستقبل العلاقة

من غير الواضح حتى اللحظة فيما إذا كان الانفتاح المصري الأخير على حماس يمثّل توجهاً استراتيجياً يستمر لأمد طويل نسبياً، وما إذا كان يعبّر عن قناعة جديدة بضرورة اعتماد مقاربة سياسية مختلفة في العلاقة مع الحركة، التي تعدّ مكوناً رئيسياً في المعادلة الفلسطينية يصعب تجاوزه وتقتضي المصلحة نسج علاقة راسخة معه؛ أم أنه موقف عابر مؤقت تفرضه تكتيكات إدارة الأزمة مع قطر، والرغبة بتسويق دحلان وتعزيز دوره في المشهد الفلسطيني.

ويرجّح أن يتأثر مستقبل علاقة مصر بحركة حماس بعدد من المحددات، من أهمها:

  1. المحدد السياسي المتعلق بدور مصر في القضية الفلسطينية، حيث تأثر حضورها سلباً بفعل توتر علاقاتها بحماس التي تسيطر فعلياً على قطاع غزة، وتتمتع بتأييد شعبي واسع في الضفة الغربية.

ويرجّح أن تتزايد أهمية هذا العامل في حسابات القيادة المصرية في الفترة المقبلة، بما يحقق المصالح المصرية، ويقطع الطريق على احتمالات دخول أطراف أخرى على خطّ منافسة مصر في إدارة الملف الفلسطيني.

  1. محدد سياسي ثانٍ يتعلق بمنظومة علاقات مصر الإقليمية والدولية، وعلى وجه الخصوص مع “إسرائيل” والإمارات والولايات المتحدة، ومدى تأثير موقفها من حماس، سلباً وإيجاباً، على علاقتها مع تلك الأطراف.

وترجّح المؤشرات أن تكون التفاهمات المصرية الأخيرة مع حماس قد تمت بتنسيق مسبق مع الإمارات التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع دحلان. وعلى صعيد الموقف الإسرائيلي والأمريكي لم تصدر مواقف رسمية صريحة إزاء تفاهمات حماس الأخيرة مع مصر ودحلان، غير أن المرجح أن تكون مصر والإمارات قادرتين، بحكم علاقاتهما القوية مع “إسرائيل” وإدارة ترامب، على إقناع الطرفين بالنتائج الإيجابية المتوقعة لاعتماد خيار احتواء حماس إقليمياً، وإضعاف علاقتها بقطر وإيران.

  1. المحدد السياسي الثالث يتعلق بفرص ترتيب المشهد القيادي في فتح والساحة الفلسطينية، في ظلّ حالة فتور واضح في علاقة القاهرة بعباس، وحالة القطيعة السياسية بينه وبين الإمارات. فمن شأن تعزيز العلاقة مع حماس وإشراف دحلان على تنفيذ خطة الإنعاش الاقتصادي للقطاع، أن يعزز حضوره السياسي وشعبيته في الساحة الفلسطينية.
  2. المحدد الأمني المتعلق بضبط الأوضاع في سيناء وعلى الحدود مع قطاع غزة. ويدفع هذا العامل بوضوح صوب اعتماد مصر سيناريو الانفتاح على حماس في غزة، واستثمار العلاقة معها في تحسين الواقع الأمني المضطرب في سيناء، والذي تحوّل إلى عامل ضاغط بقوة على السلطات المصرية في ظلّ تصاعد العمليات التي تستهدف الجنود المصريين.
  3. المحدد الأيديولوجي المتعلق بالموقف من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي تلتقي في المرجعية الفكرية مع حركة حماس. وقد أثّرت هذه العلاقة بشكل سلبي ملحوظ على علاقات مصر والإمارات بحماس خلال الفترة الماضية.

ويبدو أن وزن هذا العامل يخضع لبعض التغيير في حسابات مصر والإمارات في الآونة الأخيرة بفعل المستجدات والمتغيرات السياسية. وربما تكون وثيقة حماس السياسية الأخيرة مطلع مايو 2017 ساعدت في رسم الصورة التي حرصت الحركة على تقديم نفسها بها كحركة وطنية فلسطينية تنطلق أجندتها وأولوياتها من معطيات القضية الفلسطينية ومصالح الشعب الفلسطيني، دون تعارض مع مرجعيتها الإسلامية العامة.

  1. المحدد الاقتصادي المتعلق بالتبادل التجاري مع القطاع، حيث يُعدّ معبر رفح النافذة البرية الوحيدة للقطاع على العالم إذا ما استثنيت المعابر الإسرائيلية. ومن شأن تدفق المنتجات المصرية من معبر رفح إلى قطاع غزة أن يعود بالنفع الاقتصادي على الجانب المصري، وأن يسهم في تحسين أوضاع سكان المناطق المحاذية للقطاع (فضلاً عن فائدته لأهل القطاع) ما يجعل من المحدد الاقتصادي عاملاً إيجابياً يدفع باتجاه تخفيف حدّة الحصار، ومواصلة مسار تحسين العلاقة مع حماس والقطاع.

وباستعراض مجمل المحددات السابقة، يتضح أنها تعزّز فرص الاستمرار في حالة الانفتاح وتطبيق التفاهمات الأخيرة. وعلى الصعيد الميداني جرى تنفيذ بعض الإجراءات الفورية فيما يتعلق بإدخال الوقود المصري إلى غزة، وأعلنت وزارة الداخلية في القطاع إقامة منطقة أمنية عازلة بعمق مئة متر على الحدود. كما أعلنت حماس عن توجه فريق فني بقيادة عضو مكتبها السياسي روحي مشتهى لاستكمال ومتابعة تنفيذ التفاهمات مع مصر، في مؤشر مهم إلى رغبة متبادلة في تنفيذ التفاهمات المبرمة بين الجانبين.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …