الأنظمة المستبدة لا تلتفت للحريات الشخصية بقدر ما تلتفت لمصالحها, وهي تفتعل الأزمات لتطيل فترة بقائها في الحكم على غير رغبة شعوبها، والأمثلة على ذلك كثيرة. وفي مصر لا تحتاج إلى عناء لرصد هذه المظاهر, ومنها اعتزام برلمان التحية العسكرية بحث مشروع قانون يحظر النقاب بحسب ما أعلنته أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر؛ عضو مجلس النواب, الدكتورة آمنة نصير، إذ كشفت مشاركتها في إعداد مشروع قانون يلزم بمنع النقاب في المؤسسات الحكومية والأماكن العامة.
مؤسسات تعليمية ودينية قررت, سواء بإرادتها أو استجابة لإملاءات سلطات الانقلاب العسكري, استباق القانون بإجراءات فردية تصنع رأي عام مؤيد لما تعتزمه سلطات الجنرال عبد الفتاح السيسي، فقررت الجامعة الأمريكية في القاهرة، حظر ارتداء المرأة للنقاب داخلها، موضحة أنها ستمنع أي طالبة أو عضوة بهيئة التدريس من دخول الجامعة بالنقاب، بما في ذلك القاعات الدراسية وحرم الجامعة.
وأخطرت الجامعة أعضاء هيئة التدريس والطلاب بقرارها في بريد إلكتروني «بغرض سلامة وحماية الطلاب والطالبات».
وقال د. سعيد صادق، أستاذ علم الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن «هناك فيروس تطرف انتشر في مصر منذ السبعينات تحت مسمى التدين» مؤكدا أن «كل الفقهاء المسلمين قالوا إن النقاب ليس من الإسلام، ولكن لا أحد يستمع، لذلك تم منعه في الجامعة الأمريكية».
وزعم صادق، في مداخلة هاتفية على إحدى القنوات الفضائية، أن الدولة تتعرض لإرهاب، وهناك دول منعت النقاب نهائيا لأنه يتعارض مع حقوق الإنسان، ومن الممكن لأي شخص أن يرتدي نقابا ويقوم بعمل إرهابي، موضحا أن الجامعات المصرية عليها منع ارتداء النقاب داخل الحرم والمدرجات.
وذكر أن النقاب ليس من الإسلام، وهناك قواعد لأي مؤسسة يجب احترامها، فلا يمكن العمل في بنك بجلباب وشبشب، مؤكدا أنه «نحن في عصر إرهاب، والنقاب تطرف، ومن يدافع عنه متطرف».
ولم تستح مؤسسة الأزهر من الإعلان عن شرط عدم ارتداء النقاب، كشرط للقبول في اختبارات التعيين في وظائف التدريس والوعظ.
ففي وقت سابق, أعلن الأزهر عن مسابقة لتعيين 11,000 شخص في مختلف الوظائف في مجال التدريس والوعظ، من بينهم 500 درجة لواعظات من خريجات الأزهر لتلبية متطلبات الدعوة النسائية، خاصة في التجمعات والجمعيات النسائية.
وقالت منتقبات تقدمن للمسابقة إنهن أجبرن على خلع النقاب، خلال المقابلة التي تمت مع لجنة ضمت عددا من علماء مجمع البحوث الإسلامية.
وروت إحدى المتقدمات للمسابقة تفاصيل ما حدث خلال المقابلة التي تمت بمقر مشيخة الأزهر، مشيرة إلى أن لجنة الاختبار عُقدت تحت رئاسة المستشار محمد عبد السلام، مستشار شيخ الأزهر أحمد الطيب.
وأضافت: طلبت اللجنة من الواعظات المنتقبات رفع النقاب، فرفضت واحدة منا، فكان رد اللجنة: «هذا جزء من السؤال»، ما دفعها إلى مغادرة مقر المشيخة، وفق قولها.
وتابعت: «اللجنة قالت لنا يجب أن تعتادوا على رفع النقاب حتى يحدث تواصل بينكم وبين من يتلقون الوعظ، والذي قد يكون في ناد أو مكان عام».
اللافت أن اللجنة التي أجرت اختبارات تحريرية وشفهية للمتسابقات خلال الشهور الماضية، نسقت مع جهات أمنية لجمع تحريات عن المتقدمات للمسابقة، وبيانات عن أزواجهن وأسرهن.
وكان الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، أعلن في وقت سابق عن أن لجان الإفتاء بالجامع الأزهر ستضم في ثوبها الجديد بعض العناصر النسائية من المتخصصات في الفقه وأصوله, نفيًا للحرج عن بعض المستفتيات في أمور قد تجد حرجًا في التحدث فيها مع الرجال.
كما سيستعان بالمتميزين من الوعاظ والواعظات في مجال الإفتاء الإلكتروني؛ أحد الأنشطة الجديدة في الأزهر، وفق كلامه.
حيثيات مشروع القانون
المشروع الذي يسعى “ائتلاف دعم مصر” المؤيد لعبدالفتاح لتقديمه للبرلمان في الفترة المقبلة، أشارت إليه آمنة نصير في تصريحات صحفية، وقالت إنها تجري اتصالات بمن يعدون مشروع قانون يلزم بمنع النقاب وتغطية الوجه للمشاركة فيه ودعمه، مضيفة «أنتظر مثل هذا القانون الشجاع منذ 25 عاما لمنع النقاب، لأنه شريعة اليهود وعادة، وليس تشريعا إسلاميا»، بحد زعمها.
وأضافت «الفضيلة لا تبنى بالأقنعة ولكنها تبنى بغض البصر، ونأمل أن ينتشر الدين الإسلامي الوسطي الصحيح»، لافتة إلى أنها تلقت حملات هجوم شديدة بسبب رأيها في مسألة النقاب، كالتي تلقاها الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة بسبب قراراته في هذا الشأن.
قرار عنصري والمنع ليس حلا
وحول ردود الأفعال إزاء قرار حظر النقاب، علق د.هانى الحسينى، عضو حركة 9 مارس من أجل استقلال الجامعات، قائلا: «أنا لست ضد المبدأ، ومقتنع أن النقاب عائق فعلي للتعليم، وأن الطلاب لن يكونوا مستريحين تعليميا مع الدكتورة المنتقبة»، لكنه أضاف في الوقت ذاته أنه ضد قرارات المنع وقال: « الأشياء المماثلة تحدث بالإقناع وشىء من الضغط الاجتماعى، لأننا لا نعلم الأسباب الحقيقية وراء النقاب ولا داعٍ للأساليب العنيفة، لأن الموضوع اجتماعيا معقد ويحتاج للإقناع والتعقل».
بينما اعترضت إحدي الأكاديميات على القرار، ووصفته أنه يحمل العنصرية فى طياته ويعد بداية للحرب على فهم الإسلام من قبل الجميع، مشيرة إلى أن الذى يحكم عملها بالجامعة هو مدى التواصل مع الطلاب والقدرة على توصيل المعلومة، مطالبة بإجراء استفتاء بين الطلاب لاستمرارها فى التدريس من عدمه.
واتفقت معها أخرى بكلية دار العلوم، مؤكدة أن قرار المنع من دخول المحاضرات جائر ولا يراعى احترام الخصوصية أو أى ظروف اجتماعية، وأشارت إلى أن إدارة الجامعة تأخذ العاطل بالباطل كما قال المثل الشعبى الدارج، وأنها تتواصل بصورة جيدة مع الطلبة وتقدم لهم كل ما يحتاجون إليه لتفهم المقرر.
وأشار الدكتور جمال أبو المجد، رئيس جامعة المنيا، إلى أن قرار منع المتنقبات من التدريس قرار فردي وليس خاصاً بالمجلس الأعلى للجامعات، وكل جامعة لها ظروفها.
من جانبه، أكد د. محمد حسن قناوي، رئيس جامعة المنصورة، أن إدارة الجامعة لم تتهاون مع أية مخالفات، وأن إدارة الجامعة لا تأخذ بالظاهر، ولكن يتعاملون مع جودة التعليم الذي يقدم من أعضاء هيئة التدريس.
وأضاف بأن الجامعات لديها مشاكل أهم بكثير من منع النقاب في الجامعة، ونحن لا نبحث عن قرارات تفتعل المشاكل لأننا نرغب بالهدوء داخل الجامعة، مؤكدا أنه حتى الآن لم يتم رصد أية شكاوى من أعضاء هيئة التدريس المنتقبات.
محاولات يائسة
ولا يعد منع جامعة القاهرة المنتقبات من إلقاء المحاضرات الأول، ففي عام 2009 أصدرت إدارة جامعة القاهرة قرارًا بمنع عضوات هيئة التدريس المنتقبات من إلقاء المحاضرات والمراقبة في الامتحانات.
وكان وزير التعليم العالي في مصر آنذاك هاني هلال قد أكد أن المجلس الأعلى للجامعات اتخذ قرارًا بمنع المنتقبات من الطالبات، وأعضاء هيئة التدريس، والموظفات من دخول لجان الامتحان.
وكانت عدة طالبات منتقبات بجامعة عين شمس قد أقمن دعوى بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد وزير التعليم العالي، ورئيس جامعة عين شمس، وعمداء كليات التربية والهندسة والتجارة في الجامعة، لوقف التعنت ضد دخول المنتقبات للجامعات.
كذلك اختصمت الدعوى كل من شيخ الأزهر ورئيس جامعة الأزهر ومفتي الجمهورية ووزير الأوقاف، مطالبًة إياهم جميعًا بوقف تنفيذ قرار حظر النقاب.
وكان رئيس جامعة القاهرة السابق؛ جابر نصار، قد أصدر قرارا بحظر ارتداء النقاب للقائمات على علاج ورعاية المرضى أثناء أداء عملهن داخل مستشفيات قصر العيني الجامعية، والوحدات العلاجية التابعة لها، سبقه قرار بحظر النقاب لأعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة من طلاب الدراسات العليا داخل المعامل البحثية ومراكز التدريب العلمية.
واعتبر مراقبون أن نصار حصل على ضوء أخضر من جهات أمنية بمحاربة النقاب داخل جامعة القاهرة، والهيئات التابعة لها بما فيها مستشفى القصر العيني، تمهيداً لتطبيق القرار على باقي الجامعات والمصالح الحكومية في مصر، بحجة أن النقاب يعيق أداء من ترتديه.
وفور صدور القرار أقام عدد من المحامين دعاوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، لإلغاء القرار.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات