مصر .. صراعات العسكر تظهر على السطح .. وتساؤلات حول الدور الذي يقوم به المشير طنطاوي

عدد من الأحداث وقعت في مصر, بعد مشهد ظهور المشير السابق محمد حسين طنطاوي في ميدان التحرير يوم 11 نوفمبر الماضي تدعم فرضية الصراع بين الأجنحة وترجح كفتها، وتنبئ عن أن الفترة القادمة قد تشهد تغييرات درامية في مسارات الأحداث، وقد تسفر عن ظهور أكبر للخلافات بين تلك القوى المتصارعة أو المتنافسة.

طنطاوي كان حاضرًا وبقوة في التفاعلات التي انتجت نظام الثالث من يوليو, ومن هنا فإن ظهوره في التحرير استوقف الكثيرين، وأثار العديد من علامات الاستفهام، سواء فيما يتعلق بدلالة التوقيت الذي اختاره للظهور في ميدان التحرير؛ رمز الثورة وأيقونتها، أو فيما يتعلق بالتصريحات التي جاءت على لسانه عن الإخوان المسلمين أو عن سر غياب أو تغييب اللواء سامي عنان.

في الميدان تجمع العشرات من المارّة حول السيارة التي كان يستقلها أثناء مروره، أو بالأحرى جرى تجميعهم, مرددين هتافات مؤيدة له وللجيش المصري، ومن الصعب اعتبار أن الجولة والحوارات التي دارت فيها لم تكن مرتبة, ولذا فإن الأسئلة التي طُرحت على طنطاوي وإجاباته عليها لا يُنظر إليها على أنها كانت تلقائية ومن وحي الخاطر في الغالب.

قال طنطاوي إنه لن يتم إعدام الإخوان، بحسب تعبيره, وخلال رده على تساؤل أين الفريق سامي عنان، في إشارة لرئيس الأركان الأسبق، نائب رئيس المجلس العسكري السابق، قال “في البيت خلاص كِبِر”, علمًا بأن طنطاوي يكبر عنان بنحو 13 عاما!

ربما جاء ظهور المشير طنطاوي في التحرير في سياق إرسال رسالة للمؤيدين والداعمين للانقلاب في الداخل والخارج مفادها أن النظام قوي وأن دعوة مثل “ثورة الغلابة” لا تمثل خطراً عليه، لكنها كذلك رسالة غير مقصودة تكشف عن حالة الخوف والقلق التي أصابت الانقلاب من دعوات التظاهر.

ونقرأ في الظهور المفاجئ للمشير رسالة للقوى المعارضة التي تمني نفسها بانفجار شعبي واسع، بأن النظام باقٍ، وأن محاولاتكم لا تمثل تهديدًا حقيقيًا له، وهي رسالة تهديد لـ “أهل الشر” أن المعركة لن تكون مع قاطن القصر إنما مع الجيش المصري، وأن محاولات الخروج لن تجد سوى البندقية والرصاصة، ولن تقابل إلا بقمع شديد وغير مسبوق.

قد يحمل ظهور طنطاوي غير المتوقع، دليلاً على دعمه للسيسي في الصراعات الدائرة بين أبناء السلطة وأجنحتها، ورسالة لهذه الأطراف المتصارعة والقوى الداعمة لها في الداخل والخارج، أن الجيش وقياداته التاريخية تدعم وبقوة بقاء واستمرار نظام السيسي؛ فهي من جهة رسالة للأطراف العربية التي تتواصل مع الفريق سامي عنان، في محاولة لإعادته إلى المشهد واستخدامه كورقة للضغط على السيسي. وهي من جهة أخرى موجّهة للمرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية سنة 2012، أحمد شفيق، ورجال الأعمال الذين يدعمونه وبعض القيادات الأمنية في عدد من الأجهزة، مفادها أن المتحكم في اختيار الرئيس أو بقائه هي المؤسسة العسكرية، وليس أية مؤسسة أخرى داخل البلاد، وأن هذه المؤسسة لها مسؤولون بارزون بيدهم القرار.

هل يسوّق طنطاوي نفسه؟

لكن يمكن قراءة ظهور طنطاوي في التحرير في سياق مختلف عن سياق دعم النظام؛ ففي الإشارة إلى سامي عنان، يمكن القول إن ظهور طنطاوي يكشف عن تخوف القوى الداعمة للسيسي من حدوث مفاجآت تسفر عن إسقاط الأخير، وأن ظهور طنطاوي يأتي في سياق طرح وزير الدفاع السابق نفسه بديلاً للسيسي، مع إشارة إلى أن عنان غير صالح لهذا الدور (سامي عنان في بيته بقى.. كبر)، وثمة مؤشر يعزز من هذه القراءة أن طنطاوي كان قد حرص، ليلة 11نوفمبر، على حضور حفل للمطرب هانى شاكر بدار الأوبرا المصرية، ضمن فعاليات مهرجان الموسيقى العربية، وتفاعل مع شاكر، والتقط مع الجمهور صورا تذكارية، ليستيقظ فى اليوم الثاني ويتجه لميدان التحرير، وفي السياق ذاته يمكن الاشارة إلى الفيديو الذي نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط؛ الوكالة الرسمية الأنباء، بعنوان “الجماهير تحتفل بالمشير طنطاوي في ميدان التحرير”، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرًا آخر على تقديم طنطاوي نفسه بديلا للسيسي في حال حدثت اضطرابات كبيرة في البلاد، وكذلك يؤكد هذه القراءة الهجوم الشديد الذي شنته إعلامية معروفة بتأييدها للنظام الحالي ودعمها له على المشير طنطاوي بعد ظهوره في التحرير.

وبحسب هذا السياق الجديد يمكن النظر إلى الأمر؛ باعتباره دلالة واضحة على اشتعال الصراع والتنافس بين أجنحة النظام على خلافة السيسي مع اشتعال الأزمات، وضبابية الرؤية تجاه ما يمكن أن يحمله المستقبل من مفاجآت.

عنان وشفيق

عدد من الأحداث التي وقعت تاليًا تدعم فرضية الصراع بين الأجنحة وترجح كفتها، وتنبئ كذلك عن أن الفترة القادمة قد تشهد تغييرات درامية، وقد تسفر عن ظهور أكبر للخلافات بين القوى المتصارعة أو المتنافسة.

أول هذه الاحداث؛ ظهور الفريق سامي عنان بعد أيام من تصريحات المشير طنطاوي، في عزاء الفنان “محمود عبدالعزيز” بمسجد الشرطة بمنطقة الشيخ زايد، وكأن ظهور رئيس الأركان الأسبق جاء رداً على تصريحات طنطاوي، ونفياً لها، وتأكيداً من عنان أنه لا زال موجوداً وأن مسألة استبعاده من مسار الأحداث غير صحيح ولا يمكن أن يقبله.

والحدث الآخر هو الحكم القضائي برفع اسم أحمد شفيق من قوائم ترقب الوصول والمنع من السفر، وهو ما يمكن أن يكون تمهيداً لإعادة ترشحه للرئاسة في عام 2018، رغم وجود جدال تجاه هذه الإمكانية. والمثير في الأمر أن الحكم برفع اسم شفيق من قوائم ترقب الوصول والمنع من السفر جاء بعد أيام من زيارة محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي للقاهرة، وهو ما اعتبره البعض دليلاً على وجود اتصالات ووساطة اماراتية، يقودها محمد بن زايد، لعودة شفيق إلى القاهرة.

أحداث أن المستتر والمسكوت عنه فيما يحدث أكبر بكثير من المعروف والظاهر، وأن الصراع لم يعد فقط بين مراكز القوى في الدولة العميقة، إنما هناك دول خارجية دخلت على خط الأحداث بغرض التأثير فيه، والشاهد الأبرز على هذا الاستنتاج،

الموقف من الإخوان

ويمكن تفسير رد المشير طنطاوي على مطالبة أحد المتجمهرين حوله في التحرير بإعدام الإخوان المسلمين “إن شاء الله … لا نعدم ولا نعمل”، ووفق الرؤية التي ترى أن طنطاوي يدعم السيسي يمكن قراءة رد طنطاوي باعتباره محاولة من النظام الحالي استمالة الإخوان المسلمين بشكل غير سافر نحو بناء توافقٍ ما بين الانقلاب والجماعة، ومحاولة لمد جسور التواصل معها، وإنهاء حالة الصراع الدائر بين الطرفين. 

الرؤية الثانية, تقول إن وزير الدفاع الأسبق يدرك حجم التحديات والمخاطر التي يواجهها الانقلاب، والتي تفاقمت بصورة كبيرة بعد القرارات الاقتصادية الأخيرة، ويدرك أن إنهيار النظام الحالي تحت وطأة الأزمات والغضب الشعبي لم تعد مستبعدة، ويقدم نفسه باعتباره راعيًا لعملية التغيير، ولابد من وجوده طرف أساسي في أي طرح لما بعد السيسي، ووفق هذه الرؤية، فإن تعليقات طنطاوي على المطالبة بإعدام الإخوان، محاولة منه لكسب الإخوان لصالحه، ورسالة لهم أن المعركة ضد النظام الحالي معركة مشتركة.

القراءة الموضوعية حول الحدث محفوفة بالمخاطر واحتمالات اخفاقها أكبر من احتمالات نجاحها؛ وذلك يعود بشكل رئيسي لغياب معلومات دقيقة يمكن أن تُبنى عليها قراءة صحيحة للحدث.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …