حتى وقت قريب، كانت كل التوقعات تشير إلى أن الحرب العالمية الثالثة، في حال اندلاعها، ستكون حرباً عسكرية، وتندلع على نطاق واسع مع زيادة المخاطر الجيوسياسية حول العالم، لتكرر بذلك ما حدث في الحربين العالميتين، الأولى التي اندلعت في الفترة من 1914 إلى 1918، والحرب الثانية التي اندلعت في الفترة من 1939 إلى 1945، واللتين راح ضحيتهما ملايين القتلى والجرحى سواء من دول المحور أو دول الحلفاء.
وكانت التوقعات تتحدث عن أن الحرب العالمية المقبلة من المتوقع أن تندلع في أي وقت وعلى أي بقعة متوترة، سواء في الشرق الأوسط وحول غزة وإيران أو الشرق الأقصى حول الصين وتايوان، أو في أوكرانيا، ويتم خلالها استخدام أسلحة غير تقليدية على نطاق واسع مثل الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية والجرثومية والإلكترونية والدمار الشامل وغيرها.
لكن الآن تغيرت الأوضاع وعلى العالم أن يتوقع أن الحرب العالمية الثالثة هي حرب اقتصادية بامتيار، وأن الساحة تشهد حالياً بداية فصولها؛ الفصل الأول انطلاق حرب تجارية شرسة وفرض رسوم جمركية مبالغ فيها، تتبعها حرب اقتصادية شاملة، تصاحبها حرب عملات، حرب تقنية وتكنولوجية، حروب للاستيلاء على الأسواق والمعادن النفيسة والثروات الطبيعية، حروب على أسواق الطاقة سواء نفط أو غاز، حروب على الممرات المائية.
يوم الأربعاء الماضي، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرارة الحرب التجارية العالمية ضد 184 دولة، والتطبيق بدأ اليوم، كان هدف ترامب المعلن هو تحصيل أكثر من ستة تريليونات دولار لمصلحة خزانة الولايات المتحدة، يتم من خلالها علاج العجز الضخم في الموازنة الأمريكية والذي تجاوز 1.8 تريليون دولار في عام 2024، وخفض الدين العام الذي تجاوز 36 تريليون دولار، ويكلف الموازنة أكثر من تريليون دولار سنويا، وعلاج مشاكل أخرى منها التضخم والبطالة وزيادة كلفة الإنتاج، وعدم تصدي الصناعة المحلية للمنافسة الأجنبية الشرسة القادمة من الخارج، وتردي البنية التحتية.
لكن الهدف غير المعلن هو محاولة ترامب تدمير الاقتصاد الصيني وتركيعه بحيث لا يكون في مقدوره الوقوف مستقبلا أمام قوة الاقتصاد الأمريكي، أو التفوق عليه في عام 2030 وفق بعض الدراسات. كما يسعى ترامب من خلال حربه التجارية واسعة النطاق إلى الحفاظ على أن تكون الأسواق الأمريكية هي المستقطب الأول للأموال من حول العالم والجاذب شبه الأوحد للاستثمارات الأجنبية، وأن يكون الدولار هو العملة الأقوى عالمياً والمهيمنة سياسيا واقتصاديا وماليا، وأن يظل هو عملة الاحتياطيات النقدية لدى كل البنوك المركزية العالمية، وعملة تسعير كل أسعار السلع في العالم سواء كانت معادن كالذهب أو نفطاً وغازاً وطاقة أو أغذية ومحاصيل أو غيرها من السلع المتداولة في أسواق العالم، وأن تكون الورقة الخضراء هي عملة التجارة الدولية والتي تتجاوز قيمتها 33 تريليون دولار.
لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي سفن ترامب، فبعدما توقع الرئيس الأمريكي أن المعركة سهلة وشبه مضمونة، وأنه سيفرض كلمته على الجميع، وأن إرهابه التجاري والاقتصادي سيخيف كل دول العالم، فقد تلقى ضربات موجعة من الصين التي فرضت رسوماً مضادة بنسبة 84% على السلع الأمريكية، أو من الاتحاد الأوروبي وكندا وغيرها من الدول التي تحركت بسرعة نحو مواجهة رسوم ترامب وإشهار سلاح الجمارك الانتقامية في وجهة، بل والدعوة لمقاطعة السلع والمنتجات الأمريكية في كل أسواق العالم.
الحرب التجارية في بدايتها، وإما أن يتراجع ترامب عن غروره وجشعه وصلفه الاقتصادي، وإما أن يتلقى ضربات اقتصادية موجعة من دول العالم التي لا يروقها أن تظل الولايات المتحدة هي صاحبة القول الفصل في رسم السياسات الاقتصادية حول العالم وأنها صاحبة الاقتصاد الأكبر والأول دولياً، والمهيمنة على كلّ شيء، بداية من الأسواق ونهاية بالمعادن والثروات النفيسة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات