تشهد مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة أزمة غير مسبوقة، مع تآكل واضح في الدعم التقليدي الذي كانت تحظى به، ليس فقط بين الديمقراطيين، بل حتى داخل أوساط الجمهوريين.
كما تشير استطلاعات الرأي المختلفة إلى تراجع ملحوظ في الدعم وتزايد في الانتقادات الموجهة لإسرائيل في أوساط الجالية اليهودية، خاصة بين التيارات الليبرالية.
وأبدى معهد “دراسات الأمن القومي” العبري تخوفه من أن هذه التحولات “قد تؤثر بشكل كبير على حرية الحركة السياسية والعسكرية لإسرائيل، وتشكل تهديدا فعليا لأمنها القومي”.
واستهل المعهد تقريره بالتأكيد على أن “إسرائيل، على مدار عقود، كانت حليفا إستراتيجيا مركزيا للولايات المتحدة، حيث تجاوز الدعم لها الانقسامات الحزبية، مستندا إلى مصالح مشتركة وروابط أمنية وقيمية متينة”.
واستدرك: “غير أن السنوات الأخيرة، خاصة منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، شهدت تحولات متسارعة في المواقف الشعبية والرسمية داخل الولايات المتحدة إزاء إسرائيل”.
ورصد المعهد ظهور هذه التحولات بوضوح داخل الحزب الديمقراطي، لكن اللافت، أن التراجع نال أيضا صفوف الجمهوريين، خاصة بين الأجيال الشابة.
وعزا هذا التغيير إلى عوامل متعددة، أبرزها “تبدل أولويات السياسة الداخلية والخارجية الأميركية، إلى جانب حالة الاستياء من السياسات الإسرائيلية الأخيرة واستمرار الحرب في غزة”.
ودعم المعهد استنتاجاته بنتائج استطلاع أجراه معهد “غالوب” في يوليو 2025؛ حيث أظهرت النتائج أن 32 بالمئة فقط من الأميركيين يدعمون “العمليات العسكرية الإسرائيلية” في غزة، بانخفاض قدره 10 نقاط عن استطلاع مماثل في سبتمبر 2024.
في المقابل، أعرب 60 بالمئة من المستطلعة آراؤهم عن معارضتهم لتلك “العمليات”.
ولفت المعهد إلى أن “الاستطلاع أجري عقب انتهاء الحرب مع إيران، وفي ظل مفاوضات بين إسرائيل وحماس بشأن وقف إطلاق النار وصفقة تبادل أسرى”.
وتابع: “في تلك الفترة، تصدرت وسائل الإعلام الأميركية تقارير عن تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، بما في ذلك حدوث مجاعة وسقوط عدد كبير من الضحايا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية من مراكز توزيع تمولها الولايات المتحدة وإسرائيل”.
وأضاف أن “تقارير إعلامية نُشرت في الفترة ذاتها تحدثت عن اعتداءات نفذها متطرفون يهود ضد فلسطينيين في الضفة الغربية، شملت مقتل مواطن أميركي”.
ويرى المعهد أن “نتائج الاستطلاع كشفت النتائج عن فجوة حزبية عميقة؛ حيث عبر 8 بالمئة فقط من الديمقراطيين عن تأييدهم للعمليات الإسرائيلية، مقابل 71 بالمئة من الجمهوريين و25 بالمئة من المستقلين”.
لكن الأكثر إثارة للقلق -بحسب المعهد- هو تراجع الدعم بوضوح بين الشباب (18-34 عاما)، إذ أعرب 9 بالمئة فقط من جميع المشاركين، بمن فيهم الجمهوريون، عن دعمهم للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة.
كما أشار المعهد العبري إلى أن استطلاعات رأي أخرى تؤكد على ذات النتائج.
ويبدو أن الوضع يزداد سوءا، حيث نوه المعهد إلى أن “نتائج استطلاعات الرأي تشير بوضوح إلى أن الدعم بين الجمهوريين، خاصة بين الشباب، يشهد اليوم، ولأول مرة منذ سنوات، تراجعا ملحوظا”.
وهو ما عده المعهد دليلا على أن “تداعيات حرب غزة لا تزال تؤثر في الرأي العام الأميركي، رغم تغير الإدارة”.
ووفقا له، يتجلى هذا بوضوح في فئات ثلاث، فداخل الحزب الديمقراطي، تتزايد الأصوات المطالبة بربط المساعدات العسكرية لإسرائيل بشروط إنسانية.
وبين الإنجيليين الشباب، فيعتقد المعهد أن “الصور القادمة من غزة أدت إلى تعميق الفجوة بينهم وبين الخطاب التقليدي لقياداتهم الدينية”.
وأضاف أن “التأثير امتد لينال حتى تيار اليمين الشعبوي وأنصار حركة (ماغا)، حيث تصاعد النقاش حول جدوى الدعم غير المشروط لإسرائيل”.
كذلك رصد المعهد التغيرات داخل أوساط الحزب الديمقراطي فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل.
وقال: “رغم تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، خاصة بين مؤيدي الحزب الديمقراطي، فإن إدارة بايدن قدمت دعما واسعا لإسرائيل، شمل مساعدات طارئة بمليارات الدولارات، وتسليحا متقدما، ودعما دبلوماسيا في الأمم المتحدة، وتعاونا عسكريا مباشرا ضد إيران وحزب الله”.
ومع ذلك، أشار المعهد إلى أن “انخفاض التأييد داخل قاعدة الحزب الديمقراطي، بدأ ينعكس على قيادة الحزب نفسها”.
واستدل على ذلك بالقول: “ففي يوليو 2025، طالب 40 سيناتورا ديمقراطيا باستئناف مفاوضات وقف إطلاق النار، وانتقدوا سياسات إدارة ترامب في المجال الإنساني”.
وأردف: “وبعد أيام، أيد أغلب الديمقراطيين في مجلس الشيوخ مقترحات رمزية قدمها السيناتور بيرني ساندرز لتقييد بيع الأسلحة لإسرائيل”.
كما دعا جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق لبايدن، الديمقراطيين في الكونغرس للتصويت ضد نقل أسلحة لإسرائيل.
ولفت التقرير إلى أن “سلوك الحكومة الإسرائيلية يؤثر بشكل مباشر على تراجع الدعم، ليس فقط بسبب الحرب في غزة، بل أيضا بسبب الشعور بفجوات متزايدة في القيم المشتركة، خاصة المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات