حين وقع تفجير الكنيسة البطرسية، وسط القاهرة، في 11 ديسمبر من العام الماضي، عبر تفجير حزام ناسف، مسفرا عن سقوط 29 قتيلا، كان ذلك إيذانا بدخول مصر مرحلة حزام العمليات الانتحارية، لكن مع مجزرة مسجد الروضة في سيناء، الجمعة الماضية، ووه واحد من أكثر الحوادث دموية في تاريخ مصر، فإن البلاد ربما تكون قد بدأت تغوص في مستنقع «العرقنة».
الجمعة الدامية، شهدت هجوما استهدف مسجدا، بمدينة بئر العبد، بمحافظة شمال سيناء، أسفر عن سقوط 305 قتلى و128 مصابا، بحسب بيانات رسمية، وهو حادث يحمل من الدلالات ما يؤكد حدوث تحول نوعي في المعارك الدائرة في سيناء، ربما يدفع إلى استنساخ السيناريو العراقي، على الأقل في تلك البؤرة الملتهبة على خريطة مصر.
مشهد الجثث المتراصة على أرضية المسجد، ممزوجة بالدماء، وفوارغ الطلقات، لو لم يعرف المشاهد أنه قد وقع على أرض مصرية، فإن ذهنه سيتوجه إلى العراق حيث تفجير المساجد في بغداد والأنبار والموصل وديالي وسامراء.
هجوم سيناء لم تعلن بعد أي جهة مسؤوليتها عنه، ومع ذلك شارع البعض إلى اتهام تنظيم “الدولة الإسلامية”، بالنظر إلى طريقة تنفيذ الهجوم، وحجم الخسائر الناتجة عنه.
كانت مصادر قبلية أكدت أن 15 مسلحا يرتدون زيا عسكريا ويحملون أعلاما سوداء، اقتحموا المسجد وألقوا عبوات ناسفة في داخله، قبل أن يحاصروه بـ 3 سيارات دفع رباعي، ويطلقوا النار على الفارين من المصلين، الذين كان معظمهم ينتمون لقبيلة السواركة.
وقد سبق أن استهدف التنظيم كنيستين في مصر، بمحافظتي الغربية؛ وسط الدلتا، والإسكندرية؛ شمال البلاد، موقعين أكثر من 41 قتيلا، و118 جريحا. وفي مايو 2017 قتل 29 شخصًا وأصيب أكثر من 20 آخرين، في هجوم مسلح تبناه التنظيم، واستهدف حافلة كانت تقل أقباطاً، كانوا يتجهون لزيارة أحد الأديرة بمحافظة المنيا، جنوب القاهرة.
لماذا هذه المسجد تحديدًا؟
يُرجع البعض المجزرة إلى دوافع انتقامية من القرية التي تحتضن أكبر مساجد الطرق الصوفية في المنطقة، وتشهد عداءً شديدا بين قيادات الطرق الصوفية والتنظيمات المسلحة في سيناء.
ويقدر عدد المنتمين للطرق الصوفية في شمال سيناء بما يزيد على 10 آلاف، ووفق تقديرات حكومية رسمية, قُتل نحو 25% من إجمالي سكان قرية الروضة من الرجال في مذبحة الجمعة،.
وسبق أن هدد «أمير الحسبة» في «ولاية سيناء»؛ الفرع المصري لتنظيم «الدولة»، قبل عام، ذاكرا بالاسم مسجد «الروضة» باعتباره مسجد رئيسي لأتباع الطرق الصوفية في سيناء، قائلا: «ما زالت هناك بعض الزوايا الشركية في سيناء، وستكون من أهداف جنود الخلافة متى ما تمكنوا منها بالحسبة والجهاد».
ووقتها، وجه «أمير الحسبة»، عبر صحيفة «النبأ» التي لم تحدد اسمه، رسالة إلى جميع الزوايا الصوفية وأتباعها قائلا: «اعلموا أنكم عندنا مشركون كفار، وأن دماءكم عندنا مهدورة نجسة، ولكننا ندعوكم، ونستتيبكم، ونرجو لكم الإسلام والهداية».
والعام الماضي، اختطف التنظيم أحد قادة الطرق الصوفية بسيناء، الشيخ الضرير؛ سليمان أبو حراز (98 عاما)، وكان له تأثير كبير في أوساط القبائل البدوية، ونشر التنظيم فيديو يظهر إعدامه ذبحا، برفقة اقطيفان المنصوري، قائلا: إنهما «طاغوتان يدعيان علم الغيب», أي أن الأمر يتعلق بالكهانة وليس لمجرد التصوف.
رأي آخر يرى أن التفجير استهدف هذه القرية لأن لها دور في التعاون مع الجيش والشطة, وقال اتحاد قبائل سيناء في بيان له على «فيسبوك»، إن “المتطرفين أرادوا عقاب القرية على وقوفها في وجههم ومقاطعتها لهم”, داعيا الجيش لبدء عملية مشتركة مكبرة تمتد من الشرق حتى البحر لتطهير سيناء من الإرهابيين، والثأر لضحايا هجوم مسجد الروضة.
كما قال النائب في البرلمان المصري عن محافظة شمال سيناء، حسام الرفاعي، أكد أيضا أن معظم ضحايا التفجير من قبيلة السواركة، التي أعلنت مساندتها للجيش والشرطة.
وهناك تماس تجدر الإشارة إليه يجمع بين الطرق الصوفية والسواركة، كون الطريقة «الجريرية»؛ إحدى الطرق الصوفية المنتشرة في شمال سيناء، منسوبة إلى الشيخ عيد أبو جرير، أحد أبناء قبيلة السواركة, التي تتمركز في قرى عدة بمحافظة شمال سيناء، منها قرية «الروضة» موقع الهجوم، وسبق أن أعلنت القبيلة حمل السلاح ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، بالتعاون مع الجيش والشرطة، في تكرار للسيناريو العراقي؛ عبر استنساخ ظاهرة «الصحوات» التي تشكلت لمساندة السلطات ضد جماعات متشددة.
نتيجتان
أيا كان الفاعل، فإن المجزرة الكبرى التي استهدفت مسجد الروضة، تدفع مصر إلى النفق الأخطر، الذي انتقل من مرحلة استهداف الأقلية القبطية في الكنائس، إلى استهداف الأغلبية المسلمة في المساجد، وهو تطور نوعي يعني اتساع النطاق العملياتي للتنظيمات المسلحة، وضم المسلمين لبنك الأهداف الذي تستهدفه.
وتبدي دوائر استخباراتية، قلقها من مخططات نقل أرض المعركة مع تنظيم «الدولة» من العراق وسوريا، إلى أجزاء من مصر، بما يعني «عرقنة» المشهد المصري، وربما تحويل سيناء إلى مسرح عمليات دولي بدعوى مواجهة التنظيم.
خطورة مجزرة «الروضة»، التي جاءت بعد نحو شهر من مجزرة دامية في «الواحات» غربي مصر، راح ضحيتها 58 ضابطا وجنديا من الشرطة، تكمن في أن الأمن المصري بات عاجزا عن ملاحقة التهديدات الأمنية، وأن المواجهة التي يخوضها منذ سنوات ضد تنظيمات مسلحة باءت بالفشل، وأن سيناء خرجت بالفعل عن السيطرة.
ويمثل تحقيق الأمن أحد المحاور الرئيسية لدعاية الجنرال الانقلابي عبدالفتاح السيسي، الذي طلب عقب انقلابه العسكري على د. محمد مرسي منتصف العام 2013، تفويضا شعبيا لمواجهة “الارهاب المحتمل”, فإذا به يقود البلاد إلى “إرهاب لا يُحتمل”.
وقد تعهد عبد الفتاح؛ الذي يستعد للترشح لولاية رئاسية ثانية تمتد حتى العام 2022، باستخدام القوة “الغاشمة”, واستعادة الأمن والاستقرار خلال الفترة القليلة القادمة، والثأر لضحايا الهجوم، دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، كما لم تصدر وزارة الداخلية، أو الجيش المصري أية إفادة بشأن المجزرة.
ومنذ وقت طويل، تمثل محافظة «شمال سيناء» التي تمتد شرقا من قناة السويس إلى قطاع غزة، صداعا لقوات الأمن، رغم تمديد حالة الطوارئ بها 14 مرة، منذ أكثر من 3 سنوات، وعلى الرغم من إخضاع المحافظة لسيطرة عسكرية شبه تامة، وتحت إشراف أجهزة سيادية واستخباراتية، فإن السيناريو العراقي بات قريبا من التكرار على الساحة المصرية، جراء فشل عسكري ذريع، وتجاوزات أمنية خطيرة، وانتهاكات حقوقية وإنسانية، وتدهور اقتصادي حاد، قد يعيد مستقبلا تكرار «مجزرة الروضة» من جديد.
فوضى أمنية وتعجب واستغراب
مصادر إسرائيلية قالت إن الفوضى الأمنية في مصر باتت سيدة الموقف، لافتة إلى أن مذبحة مسجد الروضة، هو ثاني فشل ذريع يكون من نصيب المؤسسة الأمنية المصرية خلال شهر.
وشدد المستشرق بارئيل على أنه من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الفشل الأول والثاني للقوات الأمنية المصرية، قوبلا بمفاجأة، واستغراب وتعجب، موضحا أنه بالتحديد في شبه جزيرة سيناء، لا يمكن للمؤسسة الأمنية في تل أبيب، أن تفهم وأن تستوعب، كيف يتمكن حوالي الألف عنصر من تنظيم «ولاية سيناء»، التابع لتنظيم الدولة، أن يقوموا بتنفيذ عملية كبيرة بهذا الحجم، وإيقاع هذا العدد الكبير من الضحايا.
وتابع قائلا إن «عدم جدوى وفاعلية قوّات الأمن المصرية تصرخ حتى السماء، وتحديدا إذا أخذنا بعين الاعتبار التقارير التي نشرها الإعلام الدولي عن قيام (إسرائيل)، بمساعدة مصر بشكل كبير في الاستخبارات، وفي تفعيل طائرات بدون طيار، بهدف الهجوم على معاقل تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في سيناء»، على حد قول «بارئيل».
قوات غير جاهزة
وكشف المستشرق الإسرائيلي، النقاب أن الأمريكيين أيضا يشاطرون الإسرائيليين في قضية المفاجأة والاستغراب والارتباك، مضيفا في السياق عينه أن صناع القرار في واشنطن قاموا عدة مرات بلفت نظر عبد الفتاح حول جهوزية قواته الأمنية، وعدم جدوى هذه الجاهزية التي تتسم بعدم السرية المطلقة، الأمر الذي يجعلها متوقعة من قبل الإرهابيين.
علاوة على ذلك، أشار «بارئيل» إلى أن الأمريكيين، أكدوا للمصريين على أنه في حرب العصابات يتحتم عليهم العمل بسرعة وبشكل مفاجئ، مع تأكيد وجود تعاونٍ وتنسيق كاملين بين المعلومات الاستخبارية وقوّات «الكوماندوز» في الميدان.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات