لكل امرأة قضية تؤمن بها، ورسالة تعيش من أجلها، وما المرأة المقدسية إلا مثال حي لصمود الفلسطينية في أرضها، ونضالها من أجل قضيتها وتحقيق رسالتها في الحياة.
“المقدسية” التي بات اسمها مقرونًا بالرباط في المسجد الأقصى، هي أم مربية ومعلمة متفانية وفتاة مبدعة، تكتب بوقفاتها مجدّداً في التاريخ الفلسطيني معنى أن تكون المرأة في خط المواجهة الأول.
الناشطة والأسيرة المحرّرة منى بربر، واحدة من المقدسيات اللواتي يجسدن ما ذكرنا من قوة وصمود، لا سيما أنها مرت بتجربة الأسر في سجون الاحتلال، إلى جانب زوجها وابنها الذي اعتقل عدة مرات.
“الحمد لله.. يكفيني أنني أعيش في نعمة اسمها القدس”..هكذا بدأت المحررة بربر “أم عبد” حديثها مع مراسلة “قدس برس”.
وتُضيف: “المرأة الفلسطينية بشكل عام، والمقدسية بشكل خاص تراها دوماً مشاركة في الفعاليات الجماهيرية كالمسيرات والوقفات، ودائماً ما تكون في الصفوف الأولى، كيف لا وهي التي خرجت من قلب المعاناة بعد استشهاد زوجها أو ابنها أو اعتقال أحد أفراد عائلتها”.
وتشير إلى أن دور المرأة الفلسطينية الوطني والنضالي لم يتراجع منذ النكبة الأولى، حيث انها وقفت دائماً إلى جانب الرجل، خاصة في الانتفاضتين الأولى والثانية والهبة الحالية.
تجربة الاعتقال
وتعتبر منى بربر أول مقدسية تخضع للإقامة الجبرية بأمر من سلطات الاحتلال، بعد اعتقالها عام 1989… “بعد الانتهاء من فترة الإقامة الجبرية في منزلي والتي كانت لمدة 4 شهور، حكمت عليّ المحكمة الإسرائيلية بالسجن 9 شهور بتهمة إلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة تجاه جنود الاحتلال، وكنت حينها قاصراً، ومن بعدها جرى نقلي من سجن المسكوبية غربي المدينة إلى تلموند”.
أمّا زوجها، فقد اعتقل 9 سنوات في سجون الاحتلال بسبب انتمائه للجبهة الشعبية، في حين تعرض ابنها عبد للاعتقال أول مرة عندما كان في الثانية عشرة من عمره، ومن بعدها اعتقل 14 مرة.
صمود المرأة
“رغم كل هذه المعاناة التي تتشابه مع آلاف الأمهات الفلسطينيات، إلا أنني حرصت دوماً على كتم دمعتي وعدم إظهارها حتى أبدو أمام أبنائي وأهلي قويّة متماسكة”. وأردفت قائلة: “قدّمت القدس ولا تزال مئات النسوة المميزات سواء كن أسيرات أو شهيدات أو مبدعات رياديّات في ميادين العمل المجتمعي، لأن البناء والبقاء والثبات في القدس، حالة نضالية ومقاومة شاملة، مطلوب من الجميع المساهمة فيها، والمقدسات جزء مهم من هذا الكل”.
ولكثير من النساء والشابات المقدسيات، دور آخر إلى جانب أفعالهن النضالية والثورية ضد الاحتلال، من خلال مساهمتهن الاقتصادية في توفير مصادر دخل أخرى للعائلة، فباتت الكثيرات منهن يُدرن مشاريع صغيرة داخل منازلهن بالاعتماد على مهاراتهن الشخصية.
وفي هذا السياق تقول بربر: ” تعايشت المقدسية مع الظروف الصعبة الناتجة عن ممارسات الاحتلال، فتجدها على سبيل المثال وبعد ساعات من هدم منزلها، تلملم بقاياه من بين الركام وتنتقل للعيش في خيمة أو بيت مؤقت”.
الفتاة الريّادية
وفي الوقت الذي يُحاول فيه الاحتلال الإسرائيلي تهويد كامل المجتمع الفلسطيني في القدس، سواء من حيث نمط الحياة واللباس والأفكار، نجد المرأة تقاوم هذه السياسات من خلال جهد معاكس يقوم على ترسيخ المعاني الوطنية والدينية في أبنائها, خاصة الأطفال، فهي “حجر الزاوية في معركة الوعي”، كما تؤكد بربر: “جميع المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى إغراق المجتمع المقدسي بحالة التهويد والأفكار البعيدة عن أخلاقنا وعقيدتنا باءت بالفشل”.
كما تشير إلى أن الفتاة المقدسية ما زالت تقف إلى جانب أمها وجدتها في الدفاع عن تراثها وتاريخها ومقدساتها، وهي لا تقف مكتوفة الأيدي في وجه محاولات طردها وعائلتها من المدينة وتقليل عدد سكانها.
عزيمة الأسيرات
وبحسب بربر، فإن الأسيرات في السجون الإسرائيلية استطعن تحويل السجون إلى مراكز علم ونضال، وكنّ من أوائل الناجحات في الثانوية العامة، وإن “محاولة الاحتلال كسر إرادتهنّ وعزيمتهن لم تنجح، رغم الأحكام الجائرة التي صدرت بحقهن خاصة خلال الانتفاضة الأخيرة”.
وتؤكد أن الاحتلال يعي تماماً محورية المرأة في الحالة الفلسطينية، لذلك حاربها واستهدفها بشكل مقصود خلال العامين الماضيين، فاعتدى على المرابطات بالضرب والسّحل، وأطلق النار على الفتيات وأعدمهن وأصابهن واعتقلهن على الحواجز.
وتلفت الأسيرة المحررة إلى أنها زرعت في بناتها الثلاث حب الوطن والنضال من أجله، فبناتها؛ تمارا 17 عاماً وبسملة 12 عاماً وحلا 10 سنوات، أصبحن يُدركن معنى “نعمة القدس”، والعيش فيها رغم كل المضايقات الإسرائيلية.
وختمت حديثها بالقول: “دائماً ما أقول لبناتي إن لم تقدمن شيئاً للقدس.. فأنتن لم تقدّمن أي شيء في حياتكن كلها.. هذه المدينة المقدسة تستحق منا الكثير”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات