من وحي الهجرة .. عٌدة المُطارَد (1)

لك أن تتصور حال النبي صلى الله عليه وسلم خارجاً من مكة مهاجراً إلى المدينة وقد طاردته مكة برجالها ورصدت المنح والعطايا لمن يأتي به صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً.

المُطارَد كما جاء في المُعجم الوسيط هو: المُتَابَعٌ، المُلاَحَقٌ  طاردَ يُطارِد، مُطارَدةً، وطِرَادًا فهو مُطارِد، والمفعول مُطارَد، طارَدَه: لاحقه مُحاولاً الإمساك به.

أرى الإنسان المُطارَد وهو يُجَسِّد ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبيَّ فقال: ” كُن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ” وكان ابن عمر – رضي الله عنهما – يقول: ” إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذ من صِحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك ” أخرجه البخاري.

فالإنسان المُطارَد إذا أمسى لا ينتظر الصباح وإذا أصبح لا ينتظر المساء، فهو في توجُّس دائم وترقُّب مُستمر، يتوقع المكروه وما لا تُحمد عُقباه في أي لحظة, أراه مُهاجراً  قلّ بل ندُر ناصروه، هجر الأهل والأحباب إلى مصير مجهول لا يعلم ماذا سيحدث فيه ولا متى سينتهي.

3

المُطارَد سلواه الوحيدة في هذه الأجواء المُضطربة أنه يسير على درب مُوحش قد قل سالكوه وهو درب الأنبياء والصالحين ومن على شاكلتهم، وسلواه أن ما يحدث له إنما هو سُنة من سُنن الدعوات؛ فلقد طورد إبراهيم وموسى ومحمد وكل الأنبياء عليهم السلام, سلواه أنه موصول بالله تعالى ويثق تمام الثقة أنه في معية الله تعالى وأن تضحيته مأجورة, ومنزلته عند الله تعالى مرفوعة. سلواه أن الباطل إلى زوال وأن وعد الله تعالى بنُصرة أوليائه كائن لا محالة: ” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” ( النور 55 ) . هذا الوعد من الله تعالى يُثلِج الصدور ويُخفف من لوعة المُطاردة، ويكون كالنسمة التي تُبدِّد اللهيب اللافح بالبقاء تحت سطوة الجلاد, والصقيع القارس بفراق الأهل والأحبة .

ليعلم كل مُطارَد أن مُطاردة النبي صلى الله عليه وسلم ومُلاحقته والتنكيل به وبأصحابه وتشويه سيرته العطرة بدأت منذ أن صعد على جبل الصفا وصدح بالحق وأعلن عن نبوته صلى الله عليه وسلم . هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ والإنذار وترتب عليها أن انفجرت  مكة بمشاعر الغضب، وماجت بالاستنكار، حين سمعت صوتاُ وكأنه يجهر بتضليل المشركين ليصدهم عن عبادة الأصنام، فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادئ وقامت قريش تستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة، ويُخشي أن تأتى على تقاليدها وموروثاتها.

2

إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم عامة, وهجرته من مكة إلى المدينة خاصة تُجَسِّد كل هذه المعاني وتُعطي نموذجاً عملياً يتأسى به الدعاة إلى يوم القيامة. قال تعالى: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً” ( الأحزاب 21) .

نستعرض مواقف من هجرته صلى الله عليه وسلم لتكون بمثابة معالم على طريق المطاردين وأنيساً لهم في الوحدة والوحشة وداعياً لمواصلة التضحية ودافعاً للثبات حتى الممات بإذن الله تعالى.

1- التعفف والاستعداد النفسي والمادي قبل كل حدث: كان أبو بكر رضي الله عنه كثيراً ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا ”  فيطمع أبو بكر أن يكونه. وعندما أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة توجه إلى بيت الصِّديق رضي الله عنه ليكون رفيق دربه،  تقول السيدة عائشة: ” فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ” هذا عن الاستعداد النفسي.

أما عن الاستعداد المادي؛ فقد اشترى أبو بكر رضي الله عنه راحلتين، فاحتبسهما في دار يعلفهما إعداداً لذلك. فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب الراحلة حتى أخذها بثمنها واستقر الثمن ديناً بذمته، وهذا درس واضح بأن حَمَلَة الدعوة ما ينبغي أن يكونوا عالة على أحد في وقت من الأوقات، فالداعية مصدر العطاء في كل شيء، وإن كنت تنتظر من إخوانك الإيثار والعطاء فهم ينتظرون منك الترفع والعفة. إن يدك إن لم تكن العُليا فلا تجعلها السفلى، وهكذا يُصِر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذها بالثمن, وسلوكه ذلك هو الترجمة الفعلية لقوله تعالى: ” وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ” ( الشعراء 109 ) . فعلى الداعية أن يُحسن تقدير الأمور وتدبيرها ويُحسن الأخذ بالأسباب وأن يكون مُتوكلاً وليس مُتواكلاَ .

2- اتخاذ صُحبة من الثقات لتكون مُعينة على نوائب الدهر: اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه خليلاً فكان نعم الرفيق الذي يسير مرة عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ومرة عن شماله, ليفتديه بنفسه، وانتدب النبي صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه لينام في فراشه فلم يتقاعس وهو يدرك حجم الخطر والهلاك الذي يُعرض نفسه له، وكُلفت السيدة أسماء بتأمين الزاد ولُطمت على وجهها حتى تطاير القرط من أذنها فلم تفشِ سراً.. وهكذا. فلابد أن يكون حول كل داعية من الصُّحبة من يُجيد هذه الأدوار فلا يُفشي له سراً لحبيب فيُحمله ما لا يطيق، ولا لعدو فيشمته في الدعوة، ولا يخذله في موقف هو أحوج ما يكون فيه إلى النُصرة. وكلما كان العدد قليلاً والمهام واضحة كلما كان هناك توفيق.

3 – الباطل لا يتوقف عن بطشه وكيده ومكره بل يُسَخِّر كل إمكانياته لذلك:

فهذه قريش تجتمع في دار الندوة لتفكر كيف تفتك بمحمد صلى الله عليه وسلم ويُوحي لهم شيطانهم أن يجمعوا من كل قبيلة شاباً جلداً للفتك به صلى الله عليه وسلم وعندما أبطل الله كيدهم ” وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ” ( يس 9)  لم يتوقفوا عن الكيد والمكر بل رصدوا مُكافأة لا مثيل لها ولم تسمع بها العرب من قبل لمن يأتي به صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً. فأنت أيها الداعية المُطارد كما أنك غالٍ عزيز على دعوتك فكذلك معارضوك يعتبرونك صيداً ثميناً وإلا ما أجهدوا أنفسهم هذا الجهد وكلفوها هذا العناء المادي والمعنوي ليصلوا إليك، فوجودك يقض مضاجعهم ويُزلزل عُروشهم ولا يترددوا لحظة واحدة لكي يتخلصوا منك وهم على استعداد لخرق كل القوانين والأعراف والتقاليد لتحقيق غايتهم الدنيئة. فحفاظك على نفسك مكسب لك ولدعوتك وغيظ ومكيدة للطغاة البُغاة فاحرص على ذلك. 

4- مُراعاة الجانب النفسي للأهل ولرفاق الدرب:

تقول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: ” لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه؛ خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: ” والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه”، قلت: ” كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً ” ، قالت: وأخذتُ أحجاراً فوضعتها في كُوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: ” يا أبت ضع يدك على هذا المال”، قالت: فوضع يده عليه فقال: ” لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم”، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك”. فيجب عليك في تضحيتك أن تكون صابراً مُحتسباً فلا تُكثر التشكي ولا يصل لأهلك وأحبابك عنك إلا كل ما يبعث على الثبات والطمأنينة وإيقاظ بل إشعال الهمة, ليصلهم عنك دفء الأنس بالله ولطفه بك ورعايته وحفظه لك فتقر أعينهم وتذهب لوعتهم وتزداد بشارتهم.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …