مواجهة أوروبية تركية على وقع البراجماتية الغربية

حرب دبلوماسية يستعر أوارها بين تركيا من جانب, وألمانيا وهولندا, من جانب آخر, تتبعهما سويسرا على خلفية رفض حكومات هذه الدول السماح لمسؤولين رفيعي المستوى من الحكومة التركية الالتقاء مع أبناء بلدانهم المهاجرين والمقيمين في أوروبا عبر فعاليات تجيب على تساؤلاتهم؛ لماذا التعديلات الدستورية المقرر أن يدلي الشعب التركي بدلوه فيها بنعم أو لا في منتصف أبريل 2017، بما يكشف سوءات الجسد الأوروبي وبراجماتيته وفوبيا التجربة التركية وخطورتها على دمقراطية أوروبا الهشة وحالة الفزع من التواجد الإسلامي على أراضيها.

وسم ألمانيا بالنازية .. وفلول النازية بهولندا

الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان شبّه منع ألمانيا تنظيم فعالية كان سيحضرها وزراء أتراك على أراضيها بـ «ممارسات سلطات تستعيد فترة الحكم النازي» في الثلاثينات من القرن العشرين، ما استدعى أن تطلب منه المستشارة انجيلا مركل «الهدوء والتعقل»، وطالبت أمام البرلمان بوقف «المقارنات النازية»، لأن العلاقات الوثيقة بين ألمانيا وتركيا وشعوبهما لا تستحق ذلك، حسب قولها, مشددة على رفض «انتقال الصراعات الداخلية التركية إلى حياتنا مع مواطنينا الكثيرين من أصول تركية، إذ يجب أن ندعم طريقتنا في الحياة معاً، ونحسنّها». وتعهدت ميركل بالعمل على التقارب مع تركيا وقالت: «ليس من مصلحتنا الجيوسياسية في مجال السياسة الخارجية والأمنية، أن نترك تركيا الشريكة في الحلف الأطلسي، تبتعد أكثر».

وفي تعليقه الغاضب على منع هولندا هبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو من الهبوط على أراضيها, وعودتها مرة أخرى قال اردوغان إن هولندا تتصرف تصرفات تعبر عن «فلول للنازيين والفاشيين».

وزير الخارجية التركي قال «إذا رفضت هولندا السماح له بالسفر إلى روتردام, سترد (بلاده) بعقوبات اقتصادية وسياسية صارمة», وقال في مقابلة مع تلفزيون «سي أن أن ترك» إنه سيزور المدينة على رغم حظر رسمي على إلقائه كلمة أمام تجمع تركي حاشد لمناقشة لماذا نعم أو لا للتعديلات الدستورية .

وهدد تشاووش أوغلو اليوم الأحد من أن الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي بما في ذلك اتفاق كبح تدفق المهاجرين ستكون معرضة للخطر إذا لم ينفذ التكتل التزاماته بإعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول.

وحول «المقارنة النازية» قال مولود أوغلو: «لم نصف حكومة ألمانيا بأنها نازية، لكن ممارساتها تذكّر بتلك الحقبة، وهو ما نتوقع أن تعالجه»، كاشفاً أن انقرة أبلغت برلين رغبتها في تنظيم 30 تجمعاً إضافياً من شأنه الوصول لثلاثة ملايين تركي يقيمون في ألمانيا.

ودعا نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش، السياسيين الأوروبيين إلى «تحكيم العقل السليم وعدم السعي إلى التأثير في الناخب التركي».

العمال الكردستاني وأوجلان في المانيا

وفي محاولة من ألمانيا لاسترضاء تركيا أمرت السلطات الألمانية، بمنع شعارات تنظيم حزب العمال الكردستاني «بي كا كا» في التجمعات التي تنّظم من قبل مؤيدي التنظيم في الولايات الألمانية.

جاء ذلك، في مرسوم لوزير الداخلية توماس دي مايتسيره، دعا فيه إلى عدم السماح لمؤيدي الحزب المصنّف إرهابيا في ألمانيا.

ومن بين الشعارات التي طالب وزير الداخلية وبعدم السماح برفعها صورة زعيم الحزب عبد الله أوجلان.

وذكرت صحيفة «دير شبيجل» الألمانية أنّ البيان الخطي الصادر عن الوزارة أورد الشعارات التي تم حظرها من خلال تسميتها بالاسم, ومن بينها الشعار الخاص بالجناح السياسي لتنظيم «بي كا كا» في سوريا، حزب «الاتحاد الديمقراطي».

وتعقيبا على القرار، أشارت صحيفة «حرييت» التركية إلى أنّ انتقادات الحكومة التركية المتكررة للحكومة الألمانية، واتهامها بدعم التنظيمات الإرهابية قد آتت أكلها، وأجبرت الحكومة الألمانية على إصدار مثل هذا القرار.

جدير بالذكر أنّه على الرغم من تصنيف ألمانيا حزب العمال كمنظمة إرهابية منذ عام 1993، إلا أنّ سلطاتها في كثير من الأحيان كانت تغض النظر عن حمل مؤيدي التنظيم للشعارات الخاصة بهم.

ودأبت «بي كا كا» على تنفيذ هجمات مسلحة بين الحين والآخر، تستهدف مدنيين وعناصر الأمن، جنوبي وجنوب شرقي تركيا، ومؤخرًا وصلت أنشطتها لبعض المحافظات شرقي البلاد.

ومنظمة «بي كا كا» موجودة في قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية.

فاطمة بتول

وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية التركية؛ “فاطمة بتول صيان قايا” قالت إن بلادها “ترغب من الدول الأوروبية وخاصة هولندا أن تعود في أقرب وقت إلى قيم الديمقراطية التي يقولون إنهم يدافعون عنها”. جاء ذلك في أول تعليق لها بعد منعها من دخول القنصلية التركية في مدينة روتردام الهولندية، أمس السبت11 مارس 2017، مضيفة أن “حرية التعبير والتجمع والتحرك جميعها معلقة الآن” في أوروبا. ويرأس بلدية روتردام, أحمد أبو طالب, وهو من أصل مغربي.

وأوضحت صيان قايا، في تصريحات عبر الهاتف لبعض قنوات التلفزيون التركية، أن مقر القنصلية في روتردام “يعد أراض تركية”, أي أنه ليس من حق هولندا منعها من الوصول إليها. وكانت وسائل إعلام تركية تحدثت عن أن الشرطة الهولندية احتجزت الوزيرة فاطمة بتول، بعد وصولها إلى روتردام بهولندا قادمة من ألمانيا عن طريق البر مساء السبت. وأشارت قناة «نوس» الهولندية إلى أن الشرطة احتجزت الوزيرة بعد أن كانت ترفض دخول موكبها إلى الأراضي الهولندية.

وتوجهت الوزيرة للأتراك القاطنين في تركيا وأوروبا، وقالت: “إن شاء الله فإن مواطنينا سواء في وطننا أو في أوروبا سيعطون أوروبا أفضل درس عبر التصويت بـ(نعم) في الاستفتاء” المزمع يوم 16 أبريل المقبل.

وفي المقابل، أبلغت الخارجية التركية السفير الهولندي (الذي يقضي عطلة خارج تركيا) عدم رغبتها في عودته إلى البلاد في الوقت الراهن، بينما أفادت مصادر بالخارجية التركية أنه تم إغلاق سفارة هولندا وقنصليتها لأسباب أمنية.

رد فعل الحكومة الهولندية

رئيس الوزراء الهولندي مارك روته, رد بدوره على الرئيس التركي وتشبيهه الحكومة الهولندية بالنازيين قائلا إنه «تصريح مجنون بالطبع .. أفهم أنهم غاضبون ولكن هذا بالطبع أسلوب غير مقبول»، واعتبر أنه كان بإمكان هولندا وتركيا البحث عن «حل مقبول» لكن تركيا لم تحترم القواعد المنظمة للقاءات الجماهيرية.

وقال على «فيسبوك» إن «كثيراً من الهولنديين من أصل تركي مسموح لهم بالتصويت في الاستفتاء على (تعديل) الدستور التركي، وليس للحكومة الهولندية أي اعتراض على التجمعات في بلادنا لإطلاعهم عليه».

وأضاف «لكن هذه التجمعات يجب ألا تسهم في التوترات في مجتمعنا وكل من يريد أن يعقد تجمعاً فهو ملزم باتباع التعليمات التي يصدرها أولئك القائمين على الأمور من أجل ضمان النظام العام والسلامة».

سويسرا على خطى ألمانيا وهولندا

وأعلنت الحكومة السويسرية أنها تبحث طلباً من بلدية زيوريخ لمنع حضور جاويش أوغلو وزير خارجية تركيا تجمعاً وذلك لأسباب أمنية، وبذلك تدخل سويسرا على خط الخلاف المستمر منذ أيام بين أنقرة وأوروبا في شأن منع دول القارة حضور مسؤولين أتراك تجمعات لدعم تأييد الجاليات التركية في بلدانها الاستفتاء العام على التعديلات الدستورية محل الجدل الدائر محليا وعالميا .

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …