رصد موقع “زاوية ثالثة”، إحالة نيابة أمن الدولة العليا 138 قضية إلى المحاكمة الجنائية خلال أربعة أشهر فقط، من أكتوبر 2024 وحتى يناير 2025.
وتعود هذه القضايا إلى الفترة بين 2017 و2024، وتشمل أكثر من 8 آلاف متهم، معظمهم لا يزالون قيد الحبس الاحتياطي، فيما أُفرج عن عدد محدود منهم على ذمة التحقيقات.
ضمت القائمة عددًا من الصحفيين البارزين، مثل جمال الجمل، وأحمد أبو زيد الطنوبي، وحسام السويفي، إضافة إلى توفيق غانم، المدير الإقليمي السابق لوكالة الأناضول، والمصور الصحفي حمدي الزعيم. كما شملت الإحالات رياض كمال الدين، شقيق الإعلامي سامي كمال الدين.
وفي المجال الحقوقي، أُحيلت المحامية هدى عبد المنعم، والناشط الحقوقي إبراهيم عبد المنعم متولي، مؤسس رابطة أهالي المختفين قسريًا، والمحامي أحمد نظير الحلو، إلى المحاكمة.
أما في الجانب الأكاديمي والسياسي، فقد شملت الإحالات أستاذ العلوم السياسية أمجد خليل الجباس، والباحث معتز بالله حسب النبي، والمحامي الحقوقي يوسف منصور، والطبيب حاتم محمد راشد، مستشار وزير التموين الأسبق.
وحصلت زاوية ثالثة على وثائق تؤكد أن القضايا التي أحالتها نيابة أمن الدولة العليا إلى محاكم الإرهاب خلال الأشهر الأربعة الماضية تضمنت اتهامات متشابهة. وأفاد مصدر قضائي بارز في نيابة أمن الدولة العليا لزاوية ثالثة بأن الاتهامات الرئيسية في جميع القضايا جاءت متماثلة دون استثناء.
تضمنت الاتهامات تولي بعض المتهمين مناصب قيادية في جماعة إرهابية، بهدف تعطيل أحكام الدستور والقوانين، وعرقلة عمل السلطات العامة ومؤسسات الدولة، والاعتداء على الحريات الشخصية للمواطنين، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.
محاكم غير قانونية
ويؤكد المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض السابق، في تصريحه إلى زاوية ثالثة، أن دوائر الإرهاب غير قانونية وغير دستورية، ولا تتوافق مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء. ويوضح أن هناك مبدأ قانونيًا أساسيًا ينص على عدم جواز تعيين قاضٍ معين لنظر قضايا محددة، وهو ما تفتقر إليه هذه الدوائر.
ويضيف دربالة أن توزيع القضايا يجب أن يتم على قضاة مختصين بشكل دوري، لا أن تظل ولايتهم ثابتة في دوائر محددة ودائمة. ويشير إلى أن استمرار نفس القضاة في هذه الدوائر لأكثر من عشر سنوات يمثل إخلالًا بمبدأ الحياد القضائي، مما يثير شبهات حول توجيه الأحكام، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية التي تضمن استقلال القضاء.
وحول إحالة هذا العدد الكبير من القضايا من نيابة أمن الدولة العليا إلى محاكم الإرهاب خلال فترة قصيرة، يوضح دربالة أن السبب الرئيسي وراء هذه الخطوة هو جلسة المراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان في مصر بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
ويؤكد أن الهدف من هذه الإحالات هو تجميل صورة مصر أمام المجتمع الدولي، عبر الإيحاء بأنه لم يعد هناك محبوسون احتياطيًا تجاوزوا المدة القانونية القصوى للحبس الاحتياطي، والتي يحددها القانون المصري بعامين.
ويشير دربالة إلى أن إحالة القضايا للمحاكم لا تعكس نية حقيقية لإنهاء هذه الملفات أو تصفية القضايا ذات الطابع السياسي، بل تهدف فقط إلى نقل الملف من سلطة النيابة إلى القضاء، بما يسمح بإبقاء المتهمين قيد الحبس تحت مظلة قانونية مختلفة. ويضيف أن المحاكم لن تتمكن من نظر هذه الدعاوى في فترة زمنية معقولة، ما يعني عمليًا استمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة.
وقال عضو بالمكتب الفني لمحكمة استئناف القاهرة، في تصريح إلى زاوية ثالثة، أن المحكمة تدرس حاليًا سُبل التعامل مع العدد الكبير من القضايا المحالة من نيابة أمن الدولة العليا إلى محاكم الإرهاب، خاصة في ظل وجود ثلاث دوائر فقط مخصصة لنظر هذه القضايا.
وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرًا لحظر التحدث لوسائل الإعلام، أن هذا التكدس أثار مخاوف لدى هيئات الدفاع بشأن قدرة المحاكم على توفير محاكمات عادلة في فترات زمنية معقولة.
ويؤكد المصدر أن حجم القضايا المحالة يفوق الطاقة الاستيعابية للدوائر الثلاث، مشيرًا إلى أن محكمة استئناف القاهرة تدرس إمكانية توزيع القضايا على دوائر جنائية أخرى، بخلاف دوائر الإرهاب، لتخفيف الضغط وضمان سير المحاكمات بشكل أكثر فاعلية. وأضاف أن هذا التوجه قانوني تمامًا ويخضع لتقدير رئيس المحكمة والجمعية العمومية، بعد العرض على المجلس الأعلى للقضاء.
الحبس الاحتياطي
وكشف مصدر قضائي بارز في نيابة أمن الدولة العليا لموقع “زاوية ثالثة” أن النائب العام المستشار محمد شوقي عياد أصدر توجيهات مباشرة للمحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا، المستشار خالد ضياء الدين، بضرورة البت في القضايا العالقة منذ سنوات، والتي تجاوز أصحابها الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي المقررة قانونًا.
وبحسب المصدر، شملت التعليمات القضايا التي تعود للفترة بين 2017 و2022، حيث تجاوز المتهمون فيها مدة الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون المصري، والتي لا ينبغي أن تتجاوز عامين كحد أقصى.
وأوضح أن هذه الخطوة جاءت استجابة لتزايد الشكاوى من استمرار حبس متهمين لفترات أطول من المدة القانونية، وهو ما دفع النائب العام لاتخاذ قرار حاسم بإغلاق ملف المحبوسين احتياطيًا لفترات طويلة، تنفيذًا لأحكام القانون وتوصيات لجنة الحوار الوطني.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات