هآرتس: أهداف عباس من زيارة غانتس تبددت رغم تنازلاته

أثارت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن إلى منزل وزير الدفاع بيني غانتس دهشة المتابعين للشأن الفلسطيني بشكل كبير، كما أنها أثارت سيلاً من الأسئلة عن السبب وراء قيام أبو مازن بهذه الزيارة، ولماذا وزير الدفاع وليس رئيس الحكومة، ولماذا الآن؟

الكثير من المراقبين أشاروا إلى أن عباس أراد أن يخترق جدار التجمد السياسي بينه وبين قادة إسرائيل منذ فترة طويلة، في الوقت نفسه أراد أن يلفت انتباه المهتمين بالوضع الفلسطيني أنه مازال قادراً على لعب دور سياسي، بعدما سحبت فصائل المقاومة البساط من تحت أقدامه.

لكن ما غفل عنه عباس، كما تقول صحيفة Haaretz الإسرائيلية، أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لن تقدم له أي جديد، ولن تحقق له ما يريد؛ كونها حكومة غير منسجمة مع بعضها البعض، كما أنها تجمع بين أغلب التيارات السياسية الإسرائيلية، والتباين من السلطة الفلسطينية واضح في مواقفها المختلفة.

عباس يبحث عن نجاح اقتصادي

كانت الرسالة الظاهرة من عباس هي البحث عن نجاح اقتصادي أو إنساني من هذه الزيارة، لكن هذا أيضاً لن يتحقق كما ترى الصحيفة العبرية.

في الوقت نفسه يريد أبو مازن تهديد القيادة الإسرائيلية الجديدة بأن الفترة القادمة قد تشهد انفجاراً في الداخل الفلسطيني، لكن المشكلة في أنّ هذه الرسالة تتكرر على لسان عباس ورفاقه كل بضعة أشهر. وقد تَسبب تكرار تلك التحذيرات في توقف الرأي العام الفلسطيني عن التعامل معها بجدية، لذا فمن المرجح للغاية أن القيادة الفلسطينية تنظر إلى غانتس باعتباره العضو البارز الوحيد في الحكومة اليمينية الحالية، الذي قد يستمع إلى تلك التحذيرات.

تخمينات عن سبب الزيارة

ويُمكن ربط التخمينات حول جوهر الاجتماع باجتماعٍ آخر عُقِد داخل مكتب عباس في رام الله، الأسبوع الماضي، حيث وجّه الدعوة لمئات الأكاديميين من مفكرين، وكتاب، وصحفيين، وممثلين للمجتمع المدني الفلسطيني. وقد صرّح أحد المدعوين لصحيفة Haaretz بأن الجميع فوجئوا حين تحدث عباس مطولاً عن أصول اليهود الأشكناز، والفارق بينهم وبين المزراحيين. لكن عباس أكّد كذلك على أنّ الكيل قد فاض به من الجمود السياسي، وأنّ اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية سوف تجتمع خلال شهرين لاتخاذ قرارات حاسمة. ويوم الأحد الماضي 26 ديسمبر/كانون الأول، أكّد وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي هذا التعهد/التحذير في مقابلةٍ أجراها مع إذاعة صوت فلسطين.

وبعد يومٍ من المقابلة التقى المالكي بنظيريه الأردني والمصري في القاهرة، لمناقشة الجمود الذي أصاب العملية الدبلوماسية بين إسرائيل وفلسطين، وسبل التغلب عليه. وخرج إعلانٌ رسمي بنهاية اللقاء ينص على أنّهم “قد ناقشوا خيار فتح أفقٍ سياسي جديد، من شأنه التوصل إلى حلٍّ شامل وعادل… بناءً على حل الدولتين بحدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967”.

وليست مصادفةً أن مصطلح “الأفق السياسي” ظهر أيضاً في تغريدةٍ لحسين الشيخ، رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية الذي شارك في اجتماع القاهرة، والاجتماع الآخر الذي جرى داخل منزل غانتس. ورغم الطبيعة الغامضة والمنمقة لتلك التصريحات، فإنها تُؤكّد على الطبيعة الدبلوماسية-السياسية للاجتماع مع غانتس، من جانب الفلسطينيين على الأقل. حيث كتب الشيخ في تغريدة: “اللقاء هو تحدٍّ كبير، والفرصة الأخيرة قبل الانفجار والدخول في طريق مسدود، ومحاولة جدية جريئة لفتح مسار سياسي يرتكز على الشرعية الدولية، ويضع حداً للممارسات التصعيدية ضد الشعب الفلسطيني”.

وأضاف في تغريدةٍ أخرى أنّ الاجتماع “تناول أهمية خلق أفق سياسي يؤدي إلى حل سياسي”.

ماذا حدث بعد الاجتماع؟

وبعد الاجتماع، سمح المسؤولون الفلسطينيون لنظرائهم الإسرائيليين بنقل التقارير أولاً حول مبادرات تخفيف القيود، وأهمها منح الإقامة لستة آلاف عائلة فلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة، وزيادة أعداد تراخيص السفر الممنوحة لرجال الأعمال والشخصيات المهمة في السلطة الفلسطينية. وبحلول يوم الأحد، أخبر وكيل هيئة الشؤون المدنية أيمن قنديل النشطاء بأنهم سيسمعون قائمةً مُطوّلة جديدة بأسماء الأشخاص الذين حصلوا على الإقامة نهاية الأسبوع الجاري. ما يُشير إلى وجود اتفاقات مسبقة بين الجانبين فيما يتعلّق بالقضايا التي تهم الفلسطينيين أكثر من غيرها.

حيث كشف استطلاعٌ أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في ديسمبر/كانون الأول 2021، أنّه بالرغم من سوء صورة حركة فتح ومحمود عباس، فإن 60% من المشاركين أعربوا عن اهتمامهم بخطوات بناء الثقة مع إسرائيل، ما سينعكس على تحسين أوضاع المعيشة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبالتالي حتى لو كان هدف عباس من الاجتماع دبلوماسياً بحتاً، فإن المزايا الاقتصادية التي حصل على وعدٍ بها ستلعب -حال تحقيقها- دوراً أساسياً في بقاء قيادته الفلسطينية على رأس السلطة، بحسب الصحيفة العبرية.

سياسة إسرائيلية مرتبكة

لكن على الجانب الآخر، سنجد أنّ الاجتماع عكس السياسة المرتبكة للائتلاف الحاكم في إسرائيل تجاه الفلسطينيين.

إذ إنّ الاجتماع وتداعياته سلّطا الضوء على مدى عدم اتساق الحكومة الحالية فيما يتعلق بالعلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين.

وهناك تناقضاتٌ متأصلة في هذا الائتلاف بالطبع، فعلى مدار ثلاثة عقود على الأقل، كانت معالم السياسة الإسرائيلية تتحدّد بنسبةٍ كبيرة في المواقف من الصراع مع الفلسطينيين، ووضع الأرض بالضفة الغربية، لكن سبب الانقسام الرئيسي في الانتخابات الأخيرة كان يتعلّق أكثر بالمواقف تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو، وكل ما يمثله على الصعيد المحلي، لتتشكل في النهاية حكومة لها أفكارٌ مختلفة للغاية حول قضيةٍ سياسية هي الأكبر منذ زمنٍ بعيد.

لكن الائتلاف خرج بحلٍّ يكمن في محاولة تجاهل الصراع قدر الإمكان، وعدم تقديم تنازلات، وبناء الحد الأدنى من المستوطنات، مع محاولة إقامة علاقة اقتصادية إيجابية مع الفلسطينيين لمنفعة الجانبين.

لكن كل جزء من هذا الائتلاف فسّر هذا الحل بطريقةٍ مختلفة.

وبحسب مراقبين فإن عباس قدم تنازلات، خلال زيارته لغانتس، حيث أكد على وأد الانتفاضة الحالية في الضفة الغربية، ومنع استخدام السلاح الفلسطيني تجاه المستوطنين، كما جدد على التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية والإسرائيلية، الموجود أساسا، حتى ولو تتم هذه الزيارة، التي لم تمنع انتفاضة الفلسطينيين ضد انتهاكات وقمع جيش الاحتلال.

شاهد أيضاً

الاحتلال يمارس أعنف عمليات القمع بحق الأسيرات بسجن الدامون

أفاد مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين، اليوم الخميس، بأنّ إدارة سجن الدامون الإسرائيلي “نفذت في الـ …