في مشهد إدارة سيناء، تبرز وبشكل كبير إرادة التهجير, وإن بدأت تدريجية من أقصى مدينة رفح شرقا واستمرت متمددة غربا وجنوبا لتشمل مدينة الشيخ زويد وجنوب المدينتين من القرى المحيطة بهما, فإن الدور وصل إلى مدينة العريش وبدت في المشهد مظاهر حمل الناس على ترك المدينة أكثر وضوحا, كما ذكرنا في المقال السابق من حالة الضبابية والغموض في إدارة الملف الأمني والاستهانة بالأرواح إلى توجيه رسائل إلى فئات مجتمعية لها أصول داخل مصر وانتقلت للعيش في مدينة العريش كأبناء المحافظات الأخرى والنصارى.
يضاف إلى ذلك شيوع حالة من الرعب والخوف من انتشار عمليات الخطف والقتل, وهي هكذا تتم على مرحلتين؛ مرحلة خطف تعيش فيها عائلة المخطوف أجواء من الهلع والرعب التي تنتقل إلى جيرانهم ودوائر محيطة بهم, ثم بعد فترة لا تقصر عن الأسبوع يأتي الخاطفون بضحيتهم ليقتلوه في وسط المدينة, التي يوجد بها على رأس كل شارعٍ كمين! ولا يستطيع متظاهر واحد أن يظهر في شوارعها!
عمليات خطف لا يكاد يمر أسبوع واحد أيضا دون خبر عن إحداها، وللتاريخ لم تنجح قوات الأمن في مرة واحدة في القبض على الخاطفين أو إنقاذ الرهينة، ولم تقم حتى بملاحقة ومطاردة الخاطفين قبل أو أثناء أو بعد!، أو الإعلان ولو لمرة واحدة عن أسماء من قاموا بعملية الخطف أو القتل، ولو تلفيقا من باب ذَر الرماد في عيون ترى هذا النظام متواطئا في كل تفاصيل الحالة في سيناء. وَمِمَّا يزيد المشهد تعقيدا أن تحدث حالات خطف كثيرة لا يتبناها تنظيم الولاية الإرهابي كما يسميه النظام. وترك المجتمع رهنا لشائعات هنا وهناك وتحليلات للواقع متباينة في ذاتها حالة أدل ما تكون على نية نظام في حمل الناس على ترك المكان.
ومظهر آخر يتمثل في جعل المدينة أشبه ما تكون بمعسكر جيش على رأس كل شارع كمين يتعرض المارون عليه للتفتيش والمضايقات مما يجعل التجول في المدينة عبثًا يهدد حياة من يحاول القيام به. في هذه الحالة لا يمكن تصور حياة تجارية أو سهولة في طلب الرزق والتجارة وقضاء الحوائج، ويتم ضرب اقتصاد المدينة وأهلها بشكل يجعل استمرار حياة الناس في غاية الصعوبة بما يحمل, من تكون لديه بدائل, على الهجرة وطلب مكان أكثر أمنا وبه فرصًا أكثر سهولة.
وهناك مظاهر أصبحت من خصائص مدينتي الشيخ زويد ورفح بدأت تنتقل وبشكل مستمر إلى الأحياء على أطراف مدينة العريش من قطع التيار الكهربائي والمياه لمدد تتجاوز عدد أصابع اليد في كل مرة, وترك الناس في معاناة كاملة يواجهون المخطط.
ومن ثم انتقلت أعمال تجريف الأراضي الزراعية وإخلاء التجمعات الصغيرة إلى أطراف مدينة العريش الزراعية شرقا وجنوبا مع حملات إعلامية وتطبيل بأن الدولة وفجأة اكتشفت أن ولاية سيناء تضع كل أفرادها في هذه المنطقة وأنها تحولت إلى ثكنة عسكرية تدير منها الولاية حربها ضد الدولة، وهنا وبدون تردد تبدأ القوات في تجريف الأراضي وقصف البيوت، ويصبح الاعتراض أو أي محاولة للفهم والتبين مناهضة للدولة ودعما للارهاب فليس أمام المواطنين إلا أن يستسلموا للحالة وهم يَرَوْن مصدر رزقهم يُدمَر ولا يملكون مجرد الاعتراض, ويرحلون ليبدوا حياة جديدة في مكان جديد حسب إمكانياتهم المادية وما تسوقهم إليه الأقدار.
كلها رسائل تحمل معنى واحد؛ المطلوب إخلاء المدينة إلى أقل عدد ممكن تمهيدا لتنفيذ خطوة قادمة تكون فيها المنطقة في مهب الريح.
عضو مجلس الشورى المصري عن محافظة شمال سيناء
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات