فشل زيارة هادي لـ “أبوظبي” يفتح باب المجهول أمام اليمن

المراقب للمشهد اليمني يشعر بأن الدولة اليمنية تتجه نحو المجهول, سواء كان بسبب التناحر الداخلي أو التدخل العربي العسكري تحت عنوان التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية, أو بسبب الضربات الجوية التي يتلقاها الشعب اليمني من طائرات أمريكية بلا طيارين تستهدف تجمعات مدنية ليست بالضرورة جميعها لداعش أو القاعدة, أو بسبب التدخل الإيراني ودعمه اللامحدود للحوثيين المنقلبين على الشرعية التي اختارها الشعب كمرحلة انتقالية بعد خلع الرئيس علي عبدالله صالح.

مؤشرات قوية بدأت تتصاعد حول دخول اليمن نحو المجهول مع عجز قوات التحالف العربي والقوات الحكومية اليمنية عن حسم المعركة عسكريا خلال أكثر من عامين ضد الانقلابيين الحوثيين وقوات صالح، وزاد من تعقيد القضية دخول القوات الأمريكية مؤخرا على الخط وإن كانت بطريقة غير مباشرة.
حادثة مطار عدن

حادثة منع طائرة الرئيس اليمني من الهبوط في مطار عدن الشهر الماضي واضطرارها للهبوط في جزيرة سقطرى كانت القشة التي قسمت ظهر البعير لما كشفته الحادثة من تفاصيل النزاع المخبوء بين عبد ربه منصور هادي والإمارات العربية المتحدة وفضحت أيضاً حدود سلطة الرئيس اليمني الهشة، والنفوذ الكبير الذي تلعبه الإمارات في المناطق الخاضعة، افتراضيّاً، لسلطات الشرعية اليمنية، ما يكشف نشوء مراكز قوى جديدة في المناطق التي طرد منها الحوثيون، في كل من مأرب وتعز وعدن بعدما عاد الرئيس والحكومة إلى عدن ليجدوا قوى جديدة في المدينة.

 

المشكلة لم تكن في تنوع القوى بل فيما يشكله مجموعها من قوات المقاومة والحزام الأمني، وبعض ألوية الجيش، قد أصبحت المسيطرة على عدن، الأمر الذي جعل من الضروري مراعاة مصالحها، وحقيقة أنها موجودة على الأرض، خاصة مع تأخر عمليات دمجها في المؤسستين الأمنية والعسكرية.
القوى الإقليمية وتجمع الإصلاح

عندما جاء التحالف العربي إلى اليمن، تولى الإماراتيون مسؤولية عدن والمحافظات المجاورة، وقد نسقوا مع قوى سلفية وأخرى موالية للحراك الجنوبي في عدن كيلا ينسقوا مع تجمع الإصلاح، نظراً لإشكالية العلاقة بين الإمارات وتيار الإخوان المسلمين بشكل عام.

ومع الزمن، ومع طول فترة غياب مؤسسة الشرعية خارج البلاد، أصبحت عدن مقسمة إلى مربعات أمنية تخضع لفصائل من المقاومة منها ما يتبع الحراك حيث تخضع المعلا وكريتر والتواهي للسلطة المحلية ممثلة بمحافظ عدن ومدير أمنها، فيما توجد قوات أخرى تتبع تيارات سلفية في المطار والمنصورة والبريقة، فيما ألوية الحماية الرئاسية في خورمكسر وحول القصر الرئاسي، بالإضافة إلى الحزام الأمني المتولي مسؤولية الأمن في عدن وأبين ولحج والضالع. 
السلطة المحلية في محافظة عدن المُشَكَّلة في معظمها من الحراك تناغمت بشكل أو بآخر مع القوى العسكرية المسيطرة على مناطق كبيرة في المدينة، وهو ما أوجد نوعاً من التضارب في الصلاحيات بين مؤسستي الشرعية والسلطة المحلية، الأمر الذي تفاقم مع محاولة قوات من ألوية الحماية الرئاسية استلام المسؤوليات الأمنية في المطار، وهو ما قوبل برفض كتيبة حماية المطار المكونة من تيار سلفي مدعوم من الإماراتيين، حيث تدخلت طائرات إماراتية عاملة ضمن قوات التحالف لصالح قوات حماية المطار ضد قوات الحماية الرئاسية، الأمر الذي جعل الرئيس هادي يوجه قوات الحماية بالانسحاب من محيط المطار تمهيدا لحل الإشكال بالحوار، حيث عقد اجتماعات أمنية في عدن، لوحظ غياب محافظ عدن ومدير أمنها عنها.

زيارة هادي للإمارات


وقبل أيام قام الرئيس هادي بزيارة للإمارات، على خلفية التطورات في  عدن، حاملا معه ملفات منها دمج الحزام الأمني وقوى المقاومة في المؤسسة العسكرية والأمنية، وطبيعة العلاقة بين السلطة المحلية في عدن ومؤسسة الشرعية، وإجراءات التجنيد والتسلح، وتحديد العلاقة بين مؤسسات الشرعية وقوات التحالف في عدن، وقضايا المطار والموانىء والتنمية وإعادة الإعمار والجبهة الساحلية، بالإضافة إلى قضايا مكافحة تنظيم القاعدة وداعش.

ولم يصدر بيان رسمي حول زيارة هادي ولقائه نائب رئيس الإمارات محمد بن زايد في أبوظبي، غير أن ذهاب هادي بعد أبوظبي إلى الرياض ينبئ عن خلافات حول الملفات التي حملها إلى الإماراتيين. 
تسريبات الزيارة

مصادر أشارت إلى أن هادي يريد أن تخضع السلطة المحلية في عدن لسلطة الشرعية، وهو الأمر الذي قوبل فيما يبدو برفض الجانب الإماراتي، على أساس أن القوى المحلية أقدر على ضبط الأمن في المدينة.

كما كشفت مصادر أخرى أن الإمارات تريد تحجيم دور التجمع اليمني للإصلاح.

لدى الإماراتيين تحفظ – كذلك – حول بعض الشخصيات القيادية في مؤسستي الجيش والأمن، ويقولون إن عليهم قضايا فساد، فيما ترجع مصادر في مؤسسة الرئاسة ذلك إلى محاولات أبوظبي إبعاد المحسوبين على هادي من الجيش والأمن، وفي الحالين يجب ان تناقش هذه النقطة بشكل يخدم هدف إعادة الشرعية في البلاد، وهو الهدف المعلن من قبل قوات التحالف العربي منذ اليوم الأول لانطلاق العمليات العسكرية.
تريد أبوظبي أن تمسك بالسلطة المحلية في عدن وتديرها لتأمين مكاسبها التجارية وتعويض خسائر إنفاقها العسكري في اليمن والتحكم في باب المندب، وهذا يخلق المزيد من المتاعب للرئيس الذي يسعى لممارسة مهامه في عدن، ومن الواضح أيضاً أن على هادي أن يقنع التحالف بقدرة سلطته على ضبط الأوضاع في عدن، بتقديم خطط واضحة لدمج الفصائل المقاومة والحزام الأمني بشكل سلس في أجهزة الجيش والأمن، بالتنسيق مع السلطة المحلية، وبشكل لا يتعارض مع اعتبار هادي المسؤول الأول الذي يملك الصلاحيات الدستورية التي بموجبها تكون السلطة المحلية تابعة للشرعية، وليست موازية لها.
دعم الشرعية هو الأساس

ورغم أن اليمنيين يرون أن الإمارات دولة محورية في التحالف العربي، ولها جهود كبيرة في ضبط الأوضاع الأمنية في المناطق التي تتواجد فيها، كما أن لها جهوداً في الإغاثة وإعادة الإعمار وتشغيل المطارات والموانئ، ووجود الإماراتيين على الأرض يمكن أن يشكل رافعة لإسناد الدولة، وبناء مؤسساتها، إلا أن اليمنيين يطالبون بتحييد الخلافات الداخلية بين اليمنيين أنفسهم، وتنسيق الجهود مع التحالف بشكل يخدم الهدف الأساس من وجود التحالف، والتأكيد دوما على الشركاء أن مهمة التحالف العربي جاءت في الأساس لدعم الشرعية، ولن يتم دعم الشرعية إلا بإخضاع كافة مؤسسات الدولة لسلطة الرئيس المعترف به دولياً.
كذلك ليس للتحالف أن يعترض على دمج مجموعات المقاومة في المؤسسة الأمنية، وسبوافق الإماراتيون على دمج الحزام الأمني، لكنهم لا يريدون أن يتفكك الحزام الذي استثمروا فيه كثيراً، وأصبح قادرا على ضبط الوضع الأمني بصورة جيدة في عدن وجوارها الجغرافي.  ومن حق الرئيس هادي أن يكون مرجع جميع القرارات في الجوانب الأمنية والعسكرية والسياسية، لأنه رئيس الجمهورية، ومن واجبه أن ينظر ببصيرة إلى خريطة التحالفات، وتشابك المصالح والقوى على الأرض، وأن يكون مظلتها جميعاً نحو تحقيق أهداف استعادة الدولة والتخلص من الانقلاب، واستكمال عملية التحول السياسي.
ويأمل اليمنيون في دور فاعل للسعوديين يساعد على إعادة ترتيب الأوضاع في عدن بالتنسيق مع الرئاسة والإمارات، وإذ إن التحالف يدرك شرعية الرئيس هادي وسلطاته، فعلى السلطة المحلية في عدن أن تستوعب متغير عودة الرئاسة والحكومة إليها، كي لا تضيع الجهود الماضية في ضبط الأوضاع، وحتى لا تظهر بمظهر المتمرد على قرارات أو تعليمات الرئيس، وذلك يتطلب عدم التصادم مع مؤسسة الرئاسة، وفتح عدن لتكون مدينة كل اليمنيين، والتخلي عن عقلية التفكير القائمة على النظر إلى عدن على أساس أنها مدينة مغلقة على توجهات سياسية بعينها، وكيانات تقبل أو ترفض على أساس جهوي أو مناطقي، لأن ذلك يمكن أن يعد ضمن معرقلات عملية التحول السياسي.
فشل اللقاء مع محمد بن زايد

اللقاء الأخير الذي جرى بين هادي وولي عهد أبو ظبي ونائب رئيس دولة الإمارات؛ محمد بن زايد أسفر عن تعميق هوة الخلاف بين الطرفين والذي تجلّى في التعامل مع هادي “بقدر من الاستعلاء والفوقية وكأنه عامل هندي استقدمه ليخدمه في بيته” بحسب صحيفة وطن نيوز.

وقالت مصادر يمنية إن اللقاء كان وقوفا ومتوترا، ومن طرف واحد، أي من قبل ابن زايد الذي كشف جميع الملفات على عجل، ولم يستمع في المقابل من هادي لأي مطالب أو مواقف، وترك الأمر للواء محمد حماد الشامسي، رئيس جهاز المخابرات لإكمال الحديث مع هادي!

ولم تذع وكالة انباء الامارات “وام” أي خبر عن لقاء محمد بن زايد بمنصور هادي، واشارت إلى زيارته في أقل من سطرين .

وقد دفعت الإمارات منذ انطلاق عملية «عاصفة الحزم» قبل سنتين، ثمناً كبيراً لتدخلها في اليمن حيث قتل 65 من جنودها هناك، وهو ما حصل للسعودية التي تقود التحالف وتتعرّض يوميّاً لاعتداءات وهجمات وصواريخ من بقايا جيش علي عبد الله صالح وحلفائه الحوثيين.

 

صالح والاصطياد في الماء العكر

انكشاف خلافات القيادة اليمنية مع الإمارات أدى, لا إلى إضعاف هيبة الرئيس اليمني وكشف استغلال أبوظبي لظروف اليمن للسيطرة على مقدّراته وتسيير أجنداته السياسية، فحسب, بل صب في خانة ماكينة دعاية صالح والحوثيين وساهم في إعطاء أتباع إيران مصداقيّة لا يستحقونها، ولكنّها قد تقنع جماهير أكثر من اليمنيين بأنهم كمن استجار من الرمضاء بالنار.

 

اليمن يتجه نحو المجهول بالفعل؛ جبهات مفتوحة وغير محسومة، ترحيل أزمات, إرجاء عمليات الحسم لأجل غير مسمى، لأسباب ليست عسكرية ولكن سياسية، الانقلابيون يعيدون ترتيب أوضاعهم مع كل منعطف جديد، وقوات التحالف تعاني عدم انسجام, وكل طرف يعمل بأجندة خاصة، ربما تتناقض مع توجهات الآخرين .
معوقات تقف حجرة عثرة أمام محاولات حسم الأمور، ويعينها على ذلك عدم وحدة الجبهة الداخلية لدى السلطة الشرعية.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …