لا يكاد يمر يومٌ دون أن نسمع تصريحاتٍ إسرائيلية من مستوياتٍ مختلفةٍ، تتباكى على أوضاع قطاع غزة، وتبدي حزنها وأسفها على ما يلاقيه السكان، وما يواجهه المواطنون من معاناةٍ وألمٍ، وضيقٍ وشدةٍ، وجوعٍ وحصارٍ, وبطالةٍ وقسوة حياة، واصفين الأوضاع العامة في القطاع بأنها تنبئ بانفجارٍ قريبٍ وثورةٍ آتيةٍ لا محالة، وهي أشبه ما تكون بالأوضاع العامة التي سبقت الحروب الأخيرة عليه وكانت سبباً فيها، ويحذرون من مغبة الصمت على أوضاع القطاع المزرية، ومشاكله المزمنة، وتركه وسكانه على هذا الحال، إذ لا متنفس لهم إن استمرت أوضاعهم بهذا الشكل إلا الانفجار باتجاه المدن والبلدات الإسرائيلية.
يرى بعض الإسرائيليين أنه لا يوجد في قطاع غزة ما يشغل السكان، ولا ما يلهيهم عن الاهتمام بالمقاومة، وسبل القتال والمواجهة، فهم يتوالدون بكثرة، ويزدادون بسرعة، ونسبة الذكور بينهم عالية، وفئة الشباب فيهم كبيرة، في الوقت الذي تتجمد فيه الأوضاع الاقتصادية، وتنعدم أسباب الرفاهية، فلا عمل ولا تجارة، ولا مصانع ولا معامل، ولا مؤسسات ولا مزارع، ولا وقود، ولا شئ من مظاهر الحياة الطبيعية، وذلك بسبب الحصار المفروض على القطاع، والإغلاق المحكم، والموت والمرض المنتشر، الأمر الذي يجعل من الصعب تنشيط الحياة الاقتصادية، وخلق دورة رأس مالٍ كاملة بين السكان، بما يوفر فرص عملٍ جديدة، ويفتح الآفاق أمام وظائف وأعمال تشغل المواطنين، وتفرغ طاقتهم في غير التفكير في المقاومة وحمل السلاح.
يقول الإسرائيليون لبعضهم بصوتٍ مسموع، ونقدٍ مباشرٍ لسياسة حكومتهم التي تفرض طوقاً محكماً على قطاع غزة، وتحرمهم من كل أساسيات الحياة وضرورات العيش، إن هذه السياسة خاطئة وتضر بهم، وتعرض أمنهم للخطر، وتدفع الفلسطينيين في قطاع غزة للتفكير في وسائل أخرى.
ويضيف آخرون ماذا ننتظر من سكان قطاع غزة، الذين لا يجدون الكهرباء التي تشغل حواسيبهم الشخصية، وتشحن هواتفهم الذكية، وتنير بيوتهم الصغيرة وحواريهم الضيقة، وتجعلهم يقضون الساعات الطويلة أمام أجهزة التلفزيون، لمتابعة المسلسلات والمباريات الرياضية، وغيرها من البرامج الأسرية والعائلية، التي تضيع الوقت، وتبدد الجهد، وتضعف الطاقة، وتبعد عنا الخطر، وتجعل حياتنا أكثر أمناً وأحسن حالاً؟
ترى أهم خائفون على الفلسطينيين في قطاع غزة، وقلقون على أحوالهم وتزعجهم ظروفهم القاسية، ويبحثون عما يسعدهم، ويخفف عنهم، ويحاولون ما استطاعوا أن يجعلوا حياتهم ممكنة، ومستقبلهم أفضل؟
من يحزن منهم على الفلسطينيين ويخاف عليهم، ويتمنى مساعدتهم ويرغب في تخفيف العبء عنهم، عليه أن يرحل عن بلادهم، وأن يتوقف عن قتل أبنائهم واعتقال رجالهم، وأن يقلع عن اقتحام بلداتهم وانتهاك حرمة مناطقهم، وأن يخلي سبيل أسراهم، وألا يتدخل في شؤونهم الخارجية أو في علاقاتهم البينية، وأن يعيد إليهم ما اغتصب من حقوقٍ وما صادر من أراضٍ، وأن ينهي كل مظاهر الظلم وأشكال الاحتلال التي يمارسها، وأن يترك الفلسطينيين وشأنهم، ويدعهم يقررون وحدهم مستقبلهم، ويحددون بأنفسهم مصيرهم.
يحاول الإسرائيليون أن يظهروا أنفسهم أمام الرأي العالمي بأحسن صورةٍ وهم يبرزون إنسانيتهم، ويسلطون الضوء على ضمائرهم، ويظهرون استنكارهم لمعاناة الفلسطينيين، ورفضهم التضييق عليهم، ويدعون المجتمع الدولي للتعاون معهم، والوقوف إلى جانبهم في مشاريعهم الإنسانية والتشغيلية، والعمرانية والمدنية، وكأنهم ليسوا هم السبب الأساس في معاناة قطاع غزة وأهله، وكأنهم برءاءٌ من السياسات التي يفرضونها، والممارسات التي يتبعونها، ولا يتحملون الوزر أو المسؤولية، وكأن الفلسطينيين يحبون تعذيب أنفسهم، والتضييق على بعضهم، وأنهم كانوا السبب وراء حصار قطاعهم وتجويع شعبهم.
إنهم يريدون أن يشغلوا الفلسطينيين بالرخاء، وأن ينسوهم حقوقهم بالنعمة، وأن يبعدوهم عن أهدافهم الحقيقية بمشاغل وهميةٍ، ومتعٍ آنيةٍ، ومصالح شخصية، ومنافع فردية، ويعتقدون أن إشغال المواطنين يجعلهم أقرب إلى الدعة والراحة، وأدعى إلى الركون والهدوء، وأبعد ما يكونون عن الثورة والغضب، أو الانتفاضة والحرب، وما علموا أن هذا الشعب الذي أقسم على الانتصار، يقاتل غنياً وفقيراً، وسعيداً وحزيناً، وراضياً وبائساً، وشبعاناً وجائعاً، وهادئاً وغاضباً، وساكناً وثائراً، ورجالاً وركباناً، وصغاراً وكباراً، ومسلحين وعزلاً، طالما أنه يسعى لأجل حقه، ويقاوم لاسترداد أرضه وتحرير وطنه، فهذا شعبٌ لا يطغيه الرخاء، ولا تغريه الوعود، ولا تفسد أخلاقه النعم، ولا تتعسه المعاناة، ولا ييأسه الألم، ولا يثنيه عن عزمه الجهد والتعب.
د. مصطفى اللداوي
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات