بدأت أزمة قطر بعد ساعات من عودة الرئيس ترامب من رحلته الخارجية الأولى، التي خص بها الرياض، وجاءت إشارة ترامب إلى دعمه للإجراءات السعودية لتبرهن إلى مدى بلغت حماقة فريق ترامب الرئاسي.
ويحتار المراقب للأزمة كيف يتسق تصريح ترامب ومباركته الادعاء بأن الدعم القطري للجماعات الإرهابية والمسلحة هو سبب حصار قطر، التي تستضيف وجودا كبيرا للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهي موقع لإطلاق العديد من الضربات الجوية ضد تنظيم الدولة، وبالتالي فإن قراره كان أبعد ما يكون عن الدراسة المتأنية.
وقد قطعت السعودية وبعض حلفائها العلاقات الدبلوماسية مع قطر وحاصرتها، بينما لو كانت السعودية وإدارة ترامب جادتين في الحد من مخاطر إيران على دول المنطقة، لكان عليهما تشكيل ائتلاف مناهض لإيران، وبالتالي فقد أدت هذه الأزمة إلى تقسيم بلدان المنطقة، بما فيها تلك التي تقيم الولايات المتحدة معها علاقات مهمة.
وقد وصفت تركيا حصار قطر بأنه «غير إسلامي»، خاصة لأنه وقع خلال شهر رمضان المبارك، وقامت بنقل قوات ومعدات إلى قطر، حيث أصبح لديها قاعدة هناك, وتقوم مستفيدة من هذه الحالة، بإرسال شحنات من المواد الغذائية والمشروبات إلى قطر، وقال رئيسها رجب طيب أردوغان إن بلاده استخدمت جميع الطرق الدبلوماسية لحل الأزمة الخليجية، مؤكدا أن استقرار منطقة الخليج لا يقل أهمية عن أمن تركيا واستقرارها، وأعرب في مؤتمر صحفي خلال اختتام أعمال «قمة العشرين» التي عقدت في العاصمة الألمانية برلين، عن أمله في عدم التصعيد والوصول إلى حل معقول قريبا، معتبرا في الوقت ذاته أن الإجراءات التي فرضتها دول الحصار على قطر ظالمة، داعيا إلى احترام سيادة قطر، وتابع: «الاتهامات ضد قطر غير عادلة، ولا نرى العقوبات بحقها صحيحة، ويجب احترام سيادتها، فلا رابح في شجار الإخوة».
ويفيد تقرير لـ “ناشيونال إنترست” بأنه في أعقاب الزيارة الأمريكية للسعودية، المصحوبة برقصات السيف، جاءت خطوة الرياض ضد قطر، ولعل الشيء المحير هو أن البيت الأبيض واصل الوقوف بقوة خلف السعوديين في وقت كان فيه بحاجة ماسة إلى اتباع نهج أكثر توازنا، وهو بذلك يتحدى المنطق السياسي.
ويرى التقرير أن تهديد الجهادية الوهابية ينطلق من الرياض نحو نيويورك ومانيلا ومانشستر وحتى طهران، وهي البلد الذي يمكن القول بأن به أكثر السكان علمانية في دول الخليج، وأحد الدول التي تصدر نفسها باعتبارها الأكثر ديمقراطية في تلك المنطقة، رغم أنها ليست بأي حال من الأحوال نموذجا لحقوق الإنسان، وهي تمول أيضا العديد من الجماعات المسلحة والإرهابية، وهي قوة دافعة رئيسية تؤجج الفوضى كذلك في سوريا!
ويمضي محرر تقرير ناشيونال إنترست قائلا: في الفيزياء، إذا كان من المفترض أن يتحرك كوكب في مدار محدد مسبقا ولكن لم يحدث هذا، فمن المفترض أن شيئا آخر، ربما يكون من الأجرام السماوية الأكبر، قام بالتدخل وغير مساره.
نفس الشيء أيضا مع سياسة خارجية لم تتبع النظريات لفترة طويلة، ما الذي يمنع الولايات المتحدة من متابعة الانفراج أو التحالف مع إيران؟
هل اللوبي السعودي له تأثير غير متناسب على صنع القرار الأمريكي، الذي يخضع لفحص متجدد؟
من الذي يؤثر؟ هل هم المحافظون الجدد والمعسكر المناهض لإيران؟
وكما يقول الباحث «ماكس أبراهامز» باستمرار، فإن فكرة أن السعوديين يعارضون قطر لأن قطر تدعم الإسلاميين أمر مثير للسخرية.
لقد جاء ترامب إلى السلطة، في جزء كبير بناءً على نداء عاطفي من «القوة»، ويكشف ذلك قيامه باتخاذ خطوط صارمة في تصور الأعداء، والتعبير عن مواقف السياسة الخارجية مع القليل من الوضوح. وهناك مواقف مماثلة فيما يتعلق بكوبا، واتفاق باريس بشأن المناخ.
ولكن مع تغير الاتجاهات، ليس من المنطقي الحفاظ على نفس السياسة لفترة أطول، إذا كان هناك أشخاص عاقلون يترأسون مؤسسات الدفاع في واشنطن، فإنهم سيتركون الشرق الأوسط إلى الجهات الفاعلة الإقليمية، ويوقفون حرب الإبادة الجماعية في اليمن والحرب بالوكالة في سوريا، ويركزون أكثر على جعل الحياة أفضل للآلاف من الناس الذين صوتوا من أجل التغيير الحقيقي، أولئك الذين لديهم خيبة أملهم من التدخل الأجنبي الذي لا معنى له.
بدلا من ذلك، يبدو أن الرئيس ترامب قبل تراجعه مؤخرا, أُكره بطريقة ما من قبل السعودية، ليخوض أولا في هذا النزاع، مما قد يزيد من زعزعة الاستقرار في الخليج، ويحرض على المزيد من الحروب بالوكالة.
بن سلمان تلميذ نجيب لترامب
موقع “فورين بوليسي” في تقرير له حول ذات الموضوع يعتقد أن الرئيس ترامب يرى محمد بن سلمان، الذي عين في يونيو وليًا جديدًا للعرش السعودي، تلميذًا نجيبًا يمشي على خطاه في الشرق الأوسط.
ويتفق عداء ولي العهد الشاب تجاه إيران وموقفه ضد قطر مع موقف ترامب المتصاعد والعدواني تجاه إيران.
لكن من خلال تسليط الضوء على الخلافات الداخلية بين دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز السرد القائل بأنّ إيران هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، يمكن أن يسلم ترامب طهران منطقةً استراتيجية، مثلما فعل الرئيس السابق جورج بوش حين أسقط العراق.
ومن المرجح أن تعزز الإجراءات السعودية الفصائل المتشددة داخل المؤسسة الخارجية الإيرانية، التي تتمتع بأكبر قدرٍ من القدرة على استغلال مواطن الضعف في العالم العربي. وبالطبع لا يعد السعوديون مخطئين بشأن القلق تجاه إيران، حيث تستفيد طهران بشكلٍ فعال من مغامرتها في المنطقة، من خلال أنشطتها في العراق وسوريا واليمن.
ويتولى قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، مسؤولية إعطاء عمقٍ استراتيجي لإيران من خلال استغلال فراغات السلطة التي أوجدتها الحروب الأهلية العربية، ومن المرجح أن يعزز العداء السعودي أصواتًا مثل صوت سليماني الذي يدعو إلى المواجهة الصريحة مع المملكة، ويضعف من الأصوات المعتدلة التي تأتي من وزارة الخارجية ومن مكتب الرئيس روحاني.
وإذا أخفقت السعودية في تعديل مسارها الحالي، فمن المرجح أن يضعف موقفها الإقليمي ويقوى موقف إيران، وقد يتحول الشرق الأوسط من منطقة مركزية عربية إلى منطقة عربية إيرانية تركية، وبدلًا من ذلك، كان يجب على الرياض أن تصبح شريكًا بناءً للسلام في الحروب الأهلية في سوريا واليمن، مما يعزز قاعدتها في قلب الوطن العربي.
أما الاستمرار في الحرب بالوكالة مع إيران في اليمن، فهو مثل إشعال النار في منزلك لإنقاذه، ويمكن للسعودية فقط، من خلال العمل على معالجة الانشقاقات الأيديولوجية والسياسية والعسكرية في الصفوف العربية، أن تشعر بأمانٍ في موقفها أمام إيران.
وسيخطئ السعوديون كثيرًا إذا وضعوا الكثير من الأمل في دعم «ترامب» لسياساتهم الإقليمية، وبغض النظر عما تفعله الولايات المتحدة، فإنّ الزيادة الحادة في العداء تجاه إيران، وفي الوقت نفسه فرض حصار على عضو في مجلس التعاون الخليجي، سيضعف على الأرجح الموقف السعودي وما تبقى من نظامٍ سياسيٍ عربيٍ مهدد أصلًا، ومن المرجح أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تعزيز نفوذ طهران.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات